الاقتصادي

الاتحاد

"ليبرا".. تمهيد لانتهاء عصر النقود

"ليبرا".. تمهيد لانتهاء عصر النقود

"ليبرا".. تمهيد لانتهاء عصر النقود

عاطف عبدالله (أبوظبي)

أثار إعلان «فيسبوك» الشهر الماضي اعتزامها إطلاق عملة «ليبرا» الرقمية، بعض الانتقادات والشكوك من العاملين في المجال المصرفي والتكنولوجي، تتعلق بإمكانية تسريب البيانات الشخصية للمستخدمين، وخطر الاستغلال في دعم الأعمال الإرهابية والأنشطة غير المشروعة كغسل الأموال، فضلاً عن انعكاساتها على السيادة النقدية، والنظام النقدي الدولي، وأسواق العملات.
وتشعر البنوك العالمية الكبيرة بالقلق من «ليبرا»؛ لأن العملات قد تؤدي إلى إسقاط النظام المصرفي العالمي، أما الحكومات ومنها مجموعة السبع فيعتريها القلق، إذ كيف يمكن لشركة واحدة أن تصدر وتشرف على عملة ليس لها حدود، مطالبين أي موفر لعملة افتراضية، بتقديم الضمانات نفسها التي تتبعها المؤسسات المالية التقليدية، بما في ذلك مكافحة غسل الأموال وشبكة تنفيذ الجرائم المالية وقانون السرية المصرفية.
وكان مصرف الإمارات المركزي سباقاً في حظر استخدام كل «العملات الافتراضية» مثل «بيتكوين» وغيرها، لحماية المتعاملين من أي عمليات احتيال، قد يتعرّضون لها نتيجة استخدام هذا النوع من المدفوعات غير الآمن في التعاملات عبر «الإنترنت».

نفط المستقبل
وقال خبراء لـ«الاتحاد»: إن قرار «فيسبوك» دخول هذا المعترك قد يُعرض مستخدمي الموقع إلى خطر كبير يفوق كثيراً فضائح انتهاك الخصوصية، ومن أبرز هذه المخاوف أن «ليبرا» تمنح «فيسبوك» وصولاً مباشراً إلى معلومات المستخدم المالية وثرواته ورؤوس أمواله، وهذه البيانات يطلق عليها اسم «نفط المستقبل».
وأضاف هؤلاء أنه إذا نجحت خطة عملاق «الإنترنت»، فسيكون بوسع مستخدمي فيسبوك التسوق الإلكتروني، بتداول «ليبرا» وهي عملة افتراضية ليست ورقية أو معدنية أو ذهبية، وذلك عوضاً عن تداول العملات الدولية كما يجري الآن، وهو ما يعني تغيراً في ميزان العملة، فالنقود على مر التاريخ كانت تصدر عن الدول حصراً.
ومن جهتها، تقول «فيسبوك» إنها تستهدف من «ليبرا»، التي تطلقها العام المقبل بالتعاون مع 28 شركة أخرى، بينها باي بال وماستركارد وفيزا وأوبر وسبوتيفاي، 1.7 مليار إنسان حول العالم ممن لا يملكون أبسط الخدمات المالية.
وتؤكد أنها ستستخدم جميع طرق التحقق ومكافحة الاحتيال التي تستخدمها البنوك وبطاقات الائتمان، وسيكون لديها نظام آلي لمراقبة النشاط بشكل استباقي لمنع سلوكيات الاحتيال والوقاية منها.



عرضة للتقلبات
وقال الخبير الاقتصاد د. علي الصادق، إن المؤسسات النقدية الرسمية هي الجهات الوحيدة المختصة بإصدار العملات والدفاع عنها في مواجهة العملات الأخرى خفضاً ورفعاً، من حيث القيمة أو التوافر في الأسواق، كما تستخدم العملة في تسوية المعاملات ومخزن للقيمة وغيرها.
وتساءل قائلاً: هل تحافظ «فيسبوك» على قيمة عملتها؟ أم تتركها عرضة للتقلبات مثل «البيتكوين» وشقيقاتها من العملات الرقمية والمشفرة، مضيفاً أن هذا التذبذب الحاد لا يفيد الاستقرار الاقتصادي والنقدي العالمي.
وأضاف أن العملات الرقمية قد تشهد حالات استغلال بمليارات الدولارات لدعم الأنشطة غير المشروعة، بما في ذلك الجرائم الإلكترونية، والتهرب الضريبي، والابتزاز، ودفع الفديات، والاتجار بالبشر، محذراً من احتمال استخدام هذه العملة التي تقف وراءها جهة غير رسمية.
وقلل من احتمالية تعرض النظام النقدي الدولي للخطر طالما أن البنوك المركزية لا تتعامل مع مثل هذه العملات ويظل استخدامها محدوداً بين بعض المؤسسات والأفراد، بغرض المضاربة وتحقيق أرباح رأسمالية على الأجل القصير.
وقال: «إن استخدام هذه العملة أو غيرها لن يلغي العملات التقليدية كالدولار واليورو والين والإسترليني، لأن وراءها سلطات نقدية وبنوكاً مركزية قوية وراسخة، وهذه العملات أيضاً تشكل جزءاً مهماً من الاحتياطي الدولي، ولا يمكن أن تختفي بأي حال من الأحوال».
وتوقع أن يكون مصير «الليبرا» مثل «البيتكوين» وغيرها من العملات الرقمية، حيث سيقتصر استخدامها أكثر في المضاربات.

اعرف عميلك
من جهته، قال الخبير الاقتصادي الدكتور ناصر المصري: إن عملة «فيسبوك» تذكرني بـ «بيتكوين»، فهي غير صادرة من بنك مركزي أو سلطة نقدية، وليس لها احتياطي سواء بالذهب أو غيره من العملات، وبالتالي فإن النقود الرقمية في هذه الحالة ليست لها قيمة.
وتساءل: كم تساوي من الذهب أو من العملات الرئيسة مثل الدولار واليورو، من يضمن أن لا تتعدى هذه العملة الجديدة على العملات القائمة؟
وأضاف أن الدولار كان يستمد قوته في السابق من الذهب، أما الآن فإن قوته الحقيقية تستمد من قوة الاقتصاد الأميركي وهو الأكبر في العالم، فقوة العملات الرئيسة مستمدة من قوة الجهة المصدرة لها.
وتوقع أن تجد عملة «فسيبوك» صعوبة في عملية التحويلات، رغم التحالفات التي أبرمها عملاق التواصل الاجتماعي مع كبريات المؤسسات العالمية للدفع؛ لأن هناك منظمات ومؤسسات عالمية معترف بها هي من تمرر هذه التحويلات، وبالتالي توفر الشفافية اللازمة لعملية التحويل وفق مبدأ «اعرف عميلك».
وأفاد بأن بعض المنظمات مثل «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني و«داعش» استفادت من عملة «بيتكوين» في تمويل عملياتها بعيداً عن أعين السلطات النقدية وأجهزة الرقابة المصرفية الرسمية حول العالم، ولو استخدمت هذه المنظمات، افتراضاً، ليبرا كوسيلة للدفع والتحويلات فذلك يعني المزيد من التوترات الجيوسياسية في المنطقة، فضلاً عن عمليات التهرب الضريبي والجمركي وغسل الأموال وغيرها من الأعمال غير المشروعة التي تؤدي إلى عدم استقرار المنطقة والعالم.

اضطراب الصرف
وأضاف على الجانب الآخر، فإن الإقبال المتزايد على مثل هذه العملات يؤدي إلى تدني قيم العملات الوطنية، حيث يشتري المستخدم من عملة «ليبرا» وغيرها المزيد مقابل التخلي عن عملة دولته، وبالتالي يؤدي ذلك لاضطرابات أسعار الصرف وما يتبعه ذلك من ارتفاع في التضخم المستورد، وغير ذلك من الآثار السلبية.
وأكد أن استخدام العملة الرقمية يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي نتيجة لاحتمال تفاقم عمليات تمويل الإرهاب، موضحاً أن المعاملات والتحويلات التي تتم، قد تكون في هذه الحالة، غير معروفة وتقوم بها جهات تعمل على زعزعة استقرار العالم.
ودعا إلى إنشاء عملة خليجية رقمية لتسوية المعاملات والمدفوعات تتكون من العملات الخليجية الرئيسة وفق أوزان نسبية تكون مدعومة من البنوك المركزية ولها احتياطيات من النقد الأجنبي والذهب.
وذكر أن دول مجلس التعاون الخليجي لديها أكبر احتياطي للنفط والغاز في العالم ويقدر بنحو 40 تريليون برميل، ولديها استثمارات في الخارج تصل إلى 4 تريليونات دولار، وتمتلك فوائض مالية ضخمة من النقد الأجنبي والذهب، وبالتالي فهي تستطيع أن تقدم للعالم عملة رقمية آمنة ومستقرة تسرع من التحول النقدي والشمول المالي في هذه البلدان.
وشدد على أنه «لا يمكن لتطبيق مثل فيسبوك مهما زاد عدد مستخدميه أن يكون دولة أو حتى بنكاً مركزياً ولا يمكن أن نسمح لهذا أن يحدث، أبسط قواعد السيادة في الدول هي إصدار العملة والدفاع عنها».
ونوه بأن «فيسبوك» تتعرض لمساءلات تتعلق بحماية بيانات مستخدميها المعرضة للخطر، والتعدي على الخصوصية. والمسألة الأكبر والأخطر مما يتردد أحياناً عن بيع هذه البيانات للشركات التجارية، هي احتمال وصولها لأيدي جهات تمارس الأعمال غير المشروعة.

غياب البنوك
ومن جانبه، قال د. سعد محمد عثمان، الخبير الاقتصادي، إن «فيسبوك» تهدف من وراء إصدار «ليبرا» إلى إنشاء نظام مالي جديد لتحويل الأموال وإجراء التعاملات، موازٍ لنظام «سويفت» الأميركي المسيطر على التداول المالي والمصرفي في العالم حالياً.
وأضاف أن «فيسبوك» تجاهلت إشراك البنوك وكبريات المؤسسة المالية مثل «جي بي مورجن» و«بنك أوف أميركا» و«سيتي جروب» ضمن شركاء «ليبرا» بحجة أن المشروع غير ربحي، معرباً عن اعتقاده بأن البنوك الكبيرة تقف ضد العملات الرقمية بسبب الأرباح الهائلة التي تحققها من نتيجة للمضاربات.
ونوه بأن «فيسبوك» وقعت في الكثير من الأخطاء المتعلقة بتسريب بيانات المستخدمين، وتعرضت للعديد من الغرامات وآخرها الأسبوع الماضي بقيمة خمسة مليارات دولار، لتسوية تحقيق حكومي في انتهاك خصوصية المستخدمين، كما أجبرتها الحكومة الأميركية أيضاً على إعادة هيكلة نهجها بشأن الخصوصية.

سكان «فيسبوك»
وذكر أن جمهور «فيسبوك» تجاوز ملياري مستخدم في جميع أنحاء العالم، مما يجعلها أكبر مخزن للمعلومات لنحو ثلث البشرية، وهو ما يشير إلى خطورة تعرض بيانات المستخدمين للانتهاك والقرصنة، بما فيها البيانات المالية وأرصدتهم النقدية.
وقال: «إن الكثير من المؤسسات المصرفية في العالم، خاصة في أميركا وبريطانيا تقف ضد العملات الرقمية باعتبارها عملات لا تمثل أي اقتصاد حقيقي وتعد فقاعة، وأرباحها تأتي من المضاربات والمقامرة».
وأوضح أن هناك فارقاً كبيراً بين توجه المؤسسات المالية في المنطقة والعالم نحو التقنيات المالية مثل «بلوك تشين» وغيرها فيما يعرف بـ«فينتك» والتي توفر الوقت والجهد والموارد وتمكن الأفراد من إجراء معظم معاملاتهم في المكان والزمان اللذين يتناسبان مع نمط حياتهم وعملهم، وبين العملات الرقمية غير المدعومة من البنوك المركزية والتي من ضمن أهدافها الحفاظ على قيمة العملة بما تملكه من احتياطيات ذهب ونقد أجنبي.

تطور النظم
ولفت إلى أن العالم في السابق كان يتداول عبر نظام المقايضة بالسلع والبضائع لينتقل إلى المعادن، خاصة الذهب ثم إلى العملة المسكوكة والعملة الورقية، ثم أخيراً إلى وسائل الدفع المعاصرة من خلال بطاقات الخصم والدفع والائتمان وغيرها.
وتساءل قائلاً: هل تتجه «فيسبوك» إلى نظام مالي جديد، وهل سيكون بنكاً يخضع للوائح المصرفية؟ وبعدما منحنا «فيسبوك» معلوماتنا هل نمنحها أموالنا؟ وما هو المخفي مستقبلاً من عملة «ليبرا» والمحفظة الرقمية؟ وما هي الضمانات التي تقدمها في عالم اقتصاده متقلب ومحوط بتهديدات غير متوقعة ويسوده عدم الأمان؟.
وقال «إنه رغم التحوطات في النظم البنكية الحالية فكيف بعملة مكشوفة تضمن أموال المستخدمين، الأمر الذي جعل (ليبرا) تتعرض إلى انتقادات كثيرة قبل ولادتها».
وأوضح أنه إنْ نجحت «ليبرا» أو لم تنجح ستستمر محاولات التحول إلى العملة الرقمية كما هو الحال عندما تم التحول إلى العملة الورقية، وربما ستكون اليابان من أوائل الدول التي قد تنشئ نظام تداول رقمي أشبه بـ«السويفت» وهو جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك، مع الالتزام بكل المواثيق وعمليات التدقيق، ما يجعل الأهداف تختلف، خاصة أن اليابان تمتلك مقومات التكنولوجيا والثقة والدقة والجودة.



غياب الضمانات
ومن جهته، قال ديفيش مامتاني، رئيس الاستثمار والاستشارات في شركة «سنشري فاينينشال»: «إنه منذ إعلان «فيسبوك» خطط لإطلاق عملتها (ليبرا)، كبديل للخدمات المالية التقليدية للمليارات من الناس في جميع أنحاء العالم، ينتاب المشرعين قلق من أنها قد تهدد مفهوم السيادة فيما يتعلق بإصدار العملة».
وأفاد بأن المخاوف الأخرى تنبع من حقيقة أن «فيسبوك» لديها بالفعل سجل سيئ، فيما يتعلق بحماية خصوصية بيانات المستخدمين، فضلاً عن أن التشفير يتيح لـ «فيسبوك» وصولاً غير مسبوق عبر النظام المالي العالمي.
وتابع: «إن المخاوف الحالية من أن استخدام (ليبرا) قد يؤدي إلى انهيار النظام النقدي الدولي هي مبالغة أكثر من كونها معلومة حقيقية»، موضحاً أن أحد أهداف اتحاد أو جمعية ليبرا هو التحرك نحو زيادة اللامركزية، ويدعم العملة الافتراضية حالياً 28 شركة، لا يوجد بينها بنك واحد، حيث إن معظم الأعضاء المشاركين هم شركات من قطاعات مثل المدفوعات، والتكنولوجيا، والاتصالات، وسلسلة البلوك تشين.
وذكر أنه مع «ليبرا» لا يمكن للمستخدم إلا شراء السلع والخدمات المتوافرة على المنصة أو التي يتم الإعلان عنها من قبل أحد شركائها الـ28، وبالنسبة للحالات التي يرغب في الحصول فيها على قرض شخصي أو عقاري أو الحصول على بطاقة ائتمان فعليه زيارة مصرفه والقيام بذلك بعملته المالية الفعلية.
ووصف خطوة «فيسبوك» بإصدار «ليبرا» بـ«الجريئة والمبتكرة»، ولكنه قال إنه لا توجد ضمانات لنجاح المشروع بنسبة 100%، وضرب مثلاً على ذلك بإخفاق مشروع «مونديكس» عام 1990 من «بنك نات ويست».
وأضاف: لا تزال «بيتكوين» أيضاً تمثل نسبة ضئيلة من المعاملات الرقمية عبر الإنترنت على رغم المكاسب التي تحققت في التشفير الرئيس هذا العام.
وقال: يجب أن تكون «فيسبوك» أكثر حذراً في الطريقة التي تنشر بها تحركاتها التنظيمية، وعليها أن تحصل على موافقة الجهات التنظيمية مثل المصارف المركزية قبل طرحه لهذه العملة.
وعن موقف البنوك المركزية حول العالم من هذه العملة وكيفية التعامل معها، قال ديفيش «إن بنك التسويات الدولية حذر من أن (ليبرا) قد تضر بالقطاع المصرفي، ويرى أنه ينبغي أن يكون هناك تنسيق عالمي بين شركات التكنولوجيا الكبيرة والبنوك».
كما أبدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، قلقه من أن استخدام العملة الرقمية قد يؤدي إلى تسارع عمليات غسل الأموال، وانتهاك خصوصية بيانات المستهلكين، وكذلك احتمال أن تصبح العملة الرقمية عملة ذات سيادة يمكن أن تنافس العملات الورقية. وقال «إن البنك المركزي الأوروبي أكد ضرورة أن تضمن العملة المقترحة سلامة المستخدمين قبل أن يتمكن من إطلاقها»، كما طلب رئيس البنك المركزي الألماني من أصحاب المصلحة في السوق عدم التسرع، فيما عبر بنك اليابان عن تحفظه بشأن إطلاق «ليبرا» ويرى الحاجة إلى مزيد من التنظيم بين المؤسسات المالية والبنوك المركزية واتحاد ليبرا.

بديل الدولار
بدوره، قال نزار العريضي خبير الأسواق العالمية في «اكسبيديشين انفست انترناشيونال»: «إن التحدي الأكبر الذي تواجهه العملات الافتراضية هو عدم وجود مرجعية أو جهة تنظيمية تشرع وجودها على رغم أن هذه العملات هي الركيزة الأساسية للاقتصاد الرقمي المستقبلي وعصر الذكاء الاصطناعي الذي نحن على مشارفه».
وبالنسبة لما جرى مع «ليبرا» العملة الافتراضية التي أطلقتها شركة «فيسبوك»، قال العريضي: هي بكل بساطة تحل محل العملات الأساسية وتحديداً الدولار الأميركي، وهذا ما أدى إلى هذا الهجوم عليها من قبل الكونجرس والرئيس الأميركي دونالد ترامب، كون هذه العملة الافتراضية كانت ستتداول في عملية بيع وشراء المنتجات على منصة خاصة لشركة فيسبوك.
وتوقع في حال تم تنظيم هذه العملات من قبل هيئات سوق المال أو البنوك المركزية أن تشهد إقبالاً كبيراً من قبل المستثمرين وقد ترتفع قيمتها السوقية لتتجاوز 5 تريليونات دولار نظراً لأهميتها في عمليات البيع والشراء والتداول بدقة عالية وسرعة فائقة وبأقل تكلفة عبر مكوناتها الرئيسة وهي «البلوكشين»، أي الدائرة المغلقة.

الأمن السيراني
وعلى الجانب الآخر، قال ماهر يموت، أحد كبار الباحثين الأمنيين في فريق البحث والتحليل العالمي لدى كاسبرسكي، إن العملات الرقمية أصبحت «توجهاً شائعاً في السنوات القليلة الماضية»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الكثير من الناس ما زالوا «يفتقرون إلى الفهم الأساسي لكيفية عملها والمخاطر المرتبطة بها»، على الرغم من الاهتمام المتزايد بالتقنية في أوساط المستخدمين.
وأوضح أن 10% فقط من المشاركين في دراسة حديثة أجرتها كاسبرسكي، قالوا إنهم «يدركون تماماً»، ماهية العملات الرقمية وطريقة عملها، في حين توقع أن تُحدث العملة الرقمية «ليبرا» التي كشفت عنها «فيسبوك»، اهتماماً كبيراً في أوساط المستخدمين.
وأضاف: «ننصح المستخدمين قبل الإقبال على الاستثمار في هذه العملة، أو غيرها من العملات الرقمية، بتثقيف أنفسهم للتأكد من أن أموالهم ستبقى في مأمن، عن طريق اتخاذ خطوات بسيطة تضمن سلامة بياناتهم واستثماراتهم، ومن ذلك الحرص على الاهتمام بسلامة بيانات اعتماد الدخول إلى الحساب، وإذا كان الهدف يتمثل في الاستثمار طويل الأجل، فينبغي الحفاظ عليه في بيئات آمنة واللجوء إلى محافظ متعددة، أو توزيعه بين البرمجيات والأجهزة».
وقال: «إن برمجيات سرقة كلمات المرور PSW تمثل سلاحاً رئيساً بأيدي المجموعات الإجرامية الإلكترونية التي تحتفظ به ضمن أدواتها التخريبية لسرقة والتعدي على خصوصية المستخدمين»، موضحاً أن هذا النوع من البرمجيات الخبيثة يلتقط البيانات مباشرة من متصفحات الويب على أجهزة المستخدمين، عبر طرق مختلفة.
ولفت إلى أن هذه المعلومات غالباً ما تكون حساسة وتتضمن تفاصيل الدخول إلى الحسابات عبر الإنترنت، فضلاً عن معلومات مالية، مثل كلمات المرور المحفوظة وبيانات الملء التلقائي لنماذج الويب، وتفاصيل بطاقة الدفع المحفوظة.
وأشار إلى أنه تم تصميم بعض عائلات هذا النوع من البرمجيات الخبيثة لتمكينها من سرقة ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) الخاصة بالمتصفح وملفات المستخدم من مواقع محددة (مثل سطح المكتب في الجهاز)، فضلاً عن ملفات التطبيقات، مثل خدمات المراسلة.
ونصح المستخدمين باتباع تدابير لضمان الحفاظ على أمن كلمات المرور وبيانات الاعتماد الأخرى، ومنها تجنب مشاركة الأصدقاء أو أفراد العائلة كلمات المرور أو المعلومات الشخصية؛ لأنها قد تجعلهم عُرضة للإصابة بالبرمجيات الخبيثة عن غير قصد، مع تجنب نشرها على المنتديات أو قنوات التواصل الاجتماعي.
وطالب المستخدمين بالحرص على تثبيت التحديثات والتصحيحات البرمجية للمنتجات لضمان الحماية من أحدث البرمجيات الخبيثة والتهديدات الإلكترونية، واستخدام حل أمني موثوق به يكون مصمّماً لتخزين كلمات المرور والمعلومات الشخصية بطريقة آمنة، بما يشمل الوثائق الشخصية مثل جوازات السفر ورخص القيادة والبطاقات.

عبد العزيز الغرير لـ"الاتحاد": العملات الرقمية تهدد الاستقرار المالي وخصوصية المستهلكين
حذر معالي عبد العزيز الغرير، رئيس اتحاد مصارف الإمارات، المستخدمين من التعامل مع العملات الرقمية ومنها «ليبرا»، مضيفاً أن هناك مخاوف حول كيفية عمل العملة الجديدة، وما هي الحماية التي يحصل عليها المستخدم وكيفية حماية البيانات.
وقال معاليه «إن العملة الجديدة تُمكن (فيسبوك) وغيرها من الشركات المصدرة للعملات الرقمية، من القيام بالأعمال المصرفية المالية من دون أن تكون خاضعة للرقابة التنظيمية».
وأكد ضرورة الحفاظ على سلامة النظام النقدي العالمي، وحمايته من سوء الاستخدام، مضيفاً أنه يتعين على «فيسبوك» وأي موفر لعملة رقمية أخرى تقديم الضمانات نفسها التي تتبعها المؤسسات المالية التقليدية، بما في ذلك تلك التي يطبقها مجلس مكافحة غسل الأموال وشبكة تنفيذ الجرائم المالية وقانون السرية المصرفية.
وقال «إن إصدار عملة عنصر أساسي لسيادة الدول؛ ولذلك يجب ألا يكون بيد شركة خاصة، ومن ثم يتعين على الهيئات التنظيمية ضمان أن العملات الرقمية مثل (ليبرا) لا تهدد الاستقرار المالي وخصوصية المستهلكين».
وقال معالي عبد العزيز الغرير، إن القطاع المصرفي يعتبر ركيزة أساسية للاقتصاد الإماراتي، كما أن له دوراً محورياً في ضمان تحقيق أهداف التوطين ضمن رؤية دولة الإمارات 2021، منوهاً بأن القطاع اتخذ خطوات جادة نحو تبني أحدث التقنيات المتطورة، مثل الذكاء الاصطناعي والأتمتة والحوسبة الإدراكية، كما أننا داعمون أقوياء لمسيرة تحول القطاع. وأضاف أن القطاع المصرفي الإماراتي يعمل على تبني البدائل ويقدم الحلول والمنتجات الرقمية، مشيراً في هذا السياق، لمحفظة الإمارات الرقمية التي سيتم إطلاقها العام الجاري بعد انضمام 16 بنكاً إليها.
وأضاف أن المحفظة تتيح الدفع لمختلف المشتريات وتحويل الأموال بين الأفراد عبر تطبيق مخصص على الهواتف الذكية.
وعن مزاياها، قال إنها تقلص تداولات العملات النقدية 50% خلال الأعوام الخمسة المقبلة، كما توفر 4% من تكلفة استخدام العملات، وبما يراوح بين 240 و250 مليون درهم.

«الوثيقة البيضاء»: العملة مشفرة ومستقرة وآمنة
حسب «الوثيقة البيضاء» لـ«فسيبوك»، فإن «ليبرا» عملة رقمية لامركزية مشفرة تستهدف أن تكون متاحة على نطاق واسع ومستقرة وآمنة، على عكس «بيتكوين» والعملات الرقمية الأخرى التي يمكن أن تكون متقلبة ومضاربة بشكل كبير. كما يمكن لأي مطور أو خدمة أو شركة في العالم أن تستخدمها وتتعامل بها من خلال محفظة رقمية أو مشغل معين، وتعمل وفق ضوابط وتنظيمات معمول بها في النظام البنكي المالي العالمي. وفي سبيل تنفيذ مخططها، أنشأت فيسبوك وحدة «مصرفاً» تحت اسم «كاليبرا»، تطرح محافظ رقمية لحفظ وحدات ليبرا وتحويلها وإنفاقها توضع لدى كل متعامل بهذه العملة، وهكذا سيكون مصرفاً بمليارات الحسابات الشخصية، ويجري ربط كاليبرا بمنصتي ماسنجر وواتساب.
وتخدم العملة المستقبلية مجموعة من الشركات تسمى جمعية ليبرا، ومهمتها فيما يعرف باسم «العملة المستقرة» ترتبط بأصول حالية مثل الدولار أو اليورو بهدف أن تصبح أقل عرضة للتقلب الذي تعاني منه العديد من العملات المشفرة. وجمعية ليبرا منظمة مستقلة غير ربحية في سويسرا، وتخدم وظيفتين رئيسيتين: التأكد من صحة المعاملات على ليبرا بلوكتشين، وإدارة الاحتياطي المرتبط بليبرا وتخصيص الأموال للأسباب الاجتماعية، وفي داخل جمعية ليبرا ستكون هناك هيئة إدارية تسمى مجلس جمعية ليبرا، ويضم ممثلاً عن كل عضو في الجمعية، ويصوت المجلس على القرارات السياسية والتشغيلية.
وبمجرد انطلاق العملة في 2020 سوف تتراجع الشركة عن الدور القيادي وسيكون لجميع أعضاء الجمعية أصوات متساوية في إدارة ليبرا.

اقرأ أيضا

«المركزي»: إلزام البنوك برفع التوطين إلى %40