الاتحاد

دنيا

مكتوم رجل التراث··· المعاصر


خديجة الكثيري
عرف عن المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم 'رحمه الله'، تطلعه إلى الوصول بدبي إلى قمة الجمال الحضاري على كافة الأصعدة والمستويات، فأثمرت قيادته عن نشاط حيوي داخل حكومة دبي، واكتملت في عهده مشاريع البنية التحتية والمرافق العامة الواحد تلو الآخر خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، من مرافق اجتماعية واقتصادية وتجارية وتعليمية وإعلامية وإلكترونية، ومن حدائق، ونواد، ومكتبات عامة، ومراس ومرافئ للقوارب، وميادين رياضية، ومساكن شعبية، وأبراج عمرانية ومراكز تجارية عالمية، وغيرها من المشاريع، فضلا عما حققته إمارة دبي من قفزة نوعية بفضل جهود حكومتها في ظل قيادة الشيخ مكتوم في مجال بناء شبكة طرق حديثة شاملة، وتوسعات في كل من المطارات والموانئ لتكون دبي ملتقى العالم ودانة الدنيا·
إلى جانب ذلك، لم ينس الشيخ مكتوم 'طيب الله ثراه'، حبه للتراث وسياسته المعهودة دائما في تشجيعه والتمسك بأصالته، والمحافظة على تراث دبي وعراقتها من خلال مرافقها التراثية وعمرانها الأثري ومناطقها وقراها القديمة، بالإضافة إلى تشجيعه للرياضات العربية الأصلية، كالصيد بالصقور وسباقات الهجن والقوارب والفروسية، وتربية واقتناء الخيول العربية، وإشراكها في بطولات العالم·
فدبي الحديثة هي نتاج السنوات العشرين الماضية من التطوير المستمر، قبل ذلك كانت دبي عبارة عن مجتمع صغير تقليدي يقع على ضفاف الخور، وحتى لا يُنسى التاريخ الثري لهذه المدينة وهي تتحول إلى مدينة عصرية بكل المقاييس، عملت حكومة دبي جاهدة على حفظ التراث التاريخي لإمارة دبي، وكان المغفور له الشيخ مكتوم 'رحمه الله' من أكثر المساهمين في التوجيه بحفظ التراث·· مما جعل من إمارة دبي إمارة الأصالة والحضارة والتقدم·
القرى التراثية
من القرى التراثية والتي تعد أحد أعلام التراث في دبي، هي قرية التراث، والتي أنشأت بناء على أوامر الراحل الكبير إثر زيارته لها في عام 1996 م بهدف عرض التراث والمحافظة عليه وتوثيقه ونقله عبر الأجيال، وهي قرية تراث تقليدية، تقع بالقرب من مدخل الخور وتم إنشاؤها ليعرض فيها الخزافون والحائكون مصنوعاتهم اليدوية، ومن خلالها يستطيع الزائر أن يلقي نظرة على الماضي ويتعرف على بعض من تراث دبي، وتشكل قرية التراث جزءا من خطة طموحة لتحويل منطقة الشندغة بالكامل إلى عالم ثقافي صغير، يظهر الحياة في دبي كما كانت في الأيام الغابرة، وهناك أيضا قرية الغوص التي تقع في منطقة الشندغة، وتم بناؤها إحياء للتراث البحري حيث تشكل محور النشاط في خور دبي ومركزها وذلك في عام 1997م، وتتكون القرية من عدة مبان تتخللها منطقة مفتوحة لعرض مكونات الحياة البحرية، كما تشتمل على ساحة لعرض نماذج القوارب التقليدية، وتحيط بها محال تجارية لبيع التحف ويوجد في القرية مطعم ومقهى شعبي بالإضافة إلى ساحة لإقامة المهرجانات، وهناك أيضا قرية البوم السياحية والمعروفة، ومن التراث أيضا حصن الفهيدي، وهو يعتبر أقدم مبنى قائم في إمارة دبي حيث شيد عام 1799م، ويقع في مركز المدينة القديمة في بر دبي، وكان مقرا لسكن الحاكم حتى عام 1896م، حيث انتقل الشيخ مكتوم آل مكتوم بعد ذلك إلى منطقة الشندغة، والحصن عبارة عن بناء ضخم ذي طابع دفاعي، وقد رمم المبنى في عام 1994م، ونظراً لأهميته التاريخية وللمحافظة عليه تم إضافة توسعة له تحت الأرض افتتحت في عام 1995م لتكون متحف دبي الوطني، حيث تحتوي هذه التوسعة على وسائل عرض حديثة تجعل الزائر يعيش الحياة التقليدية في دبي القديمة·
مشاريع الترميم
واشتهرت دبي بالمباني القديمة، ذات العمران التاريخي العريق، وقد ساهمت حكومة دبي، وبالتحديد في عهد المغفور له الشيخ مكتوم، بإعادة ترميم الكثير منها، وتعد مشاريع الترميم المزدهرة في دبي هدفا موضوعيا ذا أبعاد ثقافية واجتماعية وتاريخية تضيف آفاقاً متنوعة لمفهوم المحافظة على التراث الحضاري في إمارة دبي وفي دولة الإمارات العربية المتحدة·
ومن ذلك مبنى الشيخ عبيد بن ثاني، وهو ذو قيمة تاريخية وفنية كبيرة لاحتوائه على مجموعة كبيرة من العناصر المعمارية والتقليدية المختلفة التشكيلات، والتي أظهرت القيم الجمالية في واجهات البناء وأعطته أهمية كبيرة تحققت بعد الانتهاء من ترميمه عام 1999م في دعم النشاط السياحي في دبي، وقد أثمرت تلك الجهود بحصول بلدية دبي في عهد الشيخ مكتوم على العديد من الجوائز منها جائزة منظمة المدن والعواصم العربية والإسلامية·
وهناك بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، ومبنى الشيخ جمعة آل مكتوم الذي يتميز المبنى بتنوع مفرداته المعمارية التراثية التي تدل على أصالته التاريخية، وقد تم الانتهاء من إعادة ترميمه وتأهيله كبيت العمارة عام 2002م، كذلك من معالم دبي التراثية ومظاهر الاهتمام بها في عهد الشيخ مكتوم، هي مساجد منطقة الشندغة، حيث يعود تاريخ إنشاء هذه المساجد إلى بداية القرن العشرين، وهي عبارة عن مجموعة من ستة مساجد تاريخية موزعة في جميع أنحاء منطقة الشندغة وهي مسجد بن عتيبة (العتيبات) والمر بن حريز وزايد والشيوخ والملا وأحمد بن حارب، وكان لهذه المساجد دور بارز في تطوير ونشر الوعي في الحياة الدينية والاجتماعية للسكان مما أضفى على المنطقة نوعا من التوازن العمراني والثقافي، وقد تم ترميمها وفق أساليب البناء التقليدية، وتتشابه جميعها في تكوينها المعماري وتتميز بثرائها بالعناصر المعمارية التقليدية الجميلة، كذلك توجد المربعات التاريخية، وهي تعتبر من العناصر المعمارية التقليدية الهامة التي ميزت العمارة الدفاعية في دبي، وكان لها تأثير بارز في التكوين العمراني والتاريخي لمدينة دبي، وأيضا بيت الوكيل، وترجع أهميته لخصائص موقعه وجمالية عناصره المعمارية حيث يشكل استمراراً للرؤية البصرية لواجهات المباني التقليدية المطلة على خور دبي، وقد تم اختيار المبنى ليكون مطعماً تراثياً متميزاً، وهناك السوق الكبير في ( بر دبي) وقد بدأت أعمال ترميم السوق منذ عام 1996م في عهد مكتوم وفق خطة زمنية متتالية، حيث شكلت هذه الأسواق التاريخية عنصر جذب اقتصادي وسياحي وثقافي والذي ترجم أهداف البلدية بالحفاظ على المناطق التراثية والتاريخية·
الهجن والخيول
وكانت لترجمة توجيهات المغفور له الشيخ زايد ومن بعده المغفور له الشيخ مكتوم رحمهما الله، بإحياء التراث الشعبي والعادات العربية الأصيلة والمحافظة عليها من الاندثار وتشجيعاً لجهود المحافظة على رياضة الهجن العربية الأصيلة، وتشجيعاً لأبناء الوطن ودعماً لهم في هذه الرياضة، كانت تقام سباقات الهجن العربية الأصيلة في ميادين كثيرة في دبي، ويتم ذلك باحتفالات ومراسيم يتم فيها حضور شعبي كبير من أبناء الدولة وأقطار مجلس التعاون ممن شاركوا بهجنهم العربية الأصيلة في سباقات الهجن، وكان الشيخ مكتوم 'رحمه الله' يشرف عليها ويرعاها ويتقدم الحضور فيها، فضلا عن مشاركة هجنه الأصيلة وحصولها على الناموس، وكانت مثل هذه البطولات، تجسد فكراً وطنياً راسخاً وحرصاً من الراحل الشيخ مكتوم على تراث وطنه وحضارته وثقافته الموروثة عن الأجيال السابقة التي عاشت على تراث هذا الوطن، وحملت هويته وخصوصيته واعتزازه بعاداته وتقاليده وأسلوب حياته·
كما كان يحب الخيول ويعشقها، وكما هو معروف أنه ينسب إلى المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم 'رحمه الله'، الفضل الأكبر في ولوج العرب سباقات الخيول العالمية، والتأثير في صناعتها وتأكيد دورهم الريادي في هذه الرياضة التراثية مما جعلهم محط اهتمام الإعلام العالمي، وكان هذا الدور الريادي للشيخ مكتوم 'رحمه الله'، من أبرز أحداث القرن العشرين حيث بسط الملاك العرب سيطرتهم على المضامير العالمية وأسسوا أشهر الاسطبلات، التي انتخبت كأروع وأنقى السلالات مما كان له الأثر الأكبر في الارتقاء بنوعية خيول السباقات وتطوير أنسابها، وما نيله 'رحمه الله' للقب أفضل مالك يفوز بسباقات الفئات في خمس دول أوروبية عام 1997 إلا أبلغ دليل على ذلك إذ كان 'رحمه الله' يعد أول مالك خيل بأوروبا ينال شرف الفوز بهذا اللقب منذ بدء منحه العام ·1971
لقد أسهم الشيخ مكتوم 'رحمه الله' بشكل فعال طوال ثلاثة عقود في الارتقاء برياضة الفروسية التراثية لإعادة سالف الأمجاد العربية الغابرة كما لعب دورا رئيسا في امتلاك المواطنين أجود السلالات وتشجيع مشاركتهم في مختلف السباقات مما يؤكد سخاءه وعطاءه بلا حدود من أجل الارتقاء وتطوير سباقات الخيل·

اقرأ أيضا