الاتحاد

دنيا

اسكتشات صلاح طاهر منذ 70 عاما في معرض بالقاهرة

القاهرة ـ ياسر سلطان:
خطوط قليلة ومساحات مختزلة وضربات سريعة للفرشاة ومعالجات لونية مختصرة··· هي السمات الرئيسية 'للاسكتش' او الوسيط التشكيلي الذي يستخدمه الفنان لتسجيل مشهد ما أو خاطر عابر أو شحنة سريعة متوهجة قبل أن تتلاشى من المخيلة· لكن هل يعد الاسكتش عملا فنيا قائما بذاته أم هو مجرد نموذج أو تحضير لعمل آخر أكثر منه كثافة وتكاملا؟
ولا يتوقف الأمر على طبيعة الاسكتش بقدر ما يعتمد على طبيعة الفنان وطريقة تعامله مع هذا الوسيط أو غيره من الوسائط الفنية الأخرى؛ فقد يراه فنان ما عملا مهملا ولكن قد يتعامل معه فنان آخر على انه عمل متكامل يحمل سماته الفنية الخاصة التي لا تقل عن أعماله الأخرى ذات المساحات الكبيرة·
وتلك هي النظرة التي يتبناها الفنان الكبير صلاح طاهر إزاء اسكتشاته المرسومة بالأحبار والأقلام على مساحات صغيرة من الورق· فالرسوم السريعة عند صلاح طاهر لا تختلف عن غيرها من أعماله الأخرى التي نفذها بخامة الزيت·
درس فني
ورغم ان رسومه تتسم بالسرعة والاختزال الشديد فإنها تعد درسا فنيا في التعبير والقدرة على صياغة التكوين والتكامل بين العناصر ودرجات الظل والنور· وتجربة صلاح طاهر تتميز بالرسوخ والتفرد داخل الحركة التشكيلية المصرية والعربية بوجه عام وهو فنان معروف بمعالجاته الصوفية لأعماله وتبنيه للأجواء الروحانية واضح في أعماله رغم ما قد يبدو عليها من التجريد والحداثة·
فمنذ مطلع الثمانينات وهذه الافكار الصوفية والمشاعر الروحانية تلح على الفنان صلاح طاهر حتى باتت مسيطرة على معظم أعماله اللاحقة لنراه يتجه بقوة إلى الخط العربي ويتخذ لنفسه تيمة واحدة عرف بها تتمثل في لفظ الجلالة، ورغم وحدة الموضوع فإن صلاح طاهر لم يكرر نفسه في اعماله فكل لوحة لها سماتها الخاصة وطبيعتها وطريقتها في تناول هذا اللفظ الذي تأثر به الفنان·
ومن المعروف عن الفنان صلاح طاهر عدم التزامه بالادوات التقليدية في انجاز أعماله واستخدامه أي شيء يراه مناسبا لتحريك اللون على سطح اللوحة· وهي طريقة في العمل لازمته منذ بداياته الأولى واستخدمها حتى في عمل الاسكتشات السريعة التي رسمها بالأحبار على الورق، وهذه الاسكتشات لم يقدر للكثيرين رؤيتها لاختفائها كما يقول أيمن طاهر ابن الفنان صلاح طاهر الذي يضيف انه بحث عنها طويلا دون جدوى وخاصة انها قد تاهت من ذاكرة الفنان نفسه والذي تجاوز عمره الخامسة والتسعين هذا العام إلا ان المصادفة وحدها هي التي قادت أيمن طاهر للعثور على هذه الاسكتشات مؤخرا ليقوم بعرضها في قاعة الزمالك للفنون بالقاهرة·
دولاب قديم
وعن قصة العثور على هذه الاسكتشات يقول أيمن طاهر: تنبهت منذ عدة سنوات إلى ان معظم أعمال والدي صلاح طاهر الفنية والتي في حوزتنا يرجع أقدمها إلى عام ،1980 فأصبت بحالة من القلق وحاولت جاهدا ان أحصل على بعض أعماله الأولى في مطلع رحلته الفنية التي بدأت مع العشرينات من القرن الماضي، لأن هذه الأعمال تمثل شاهد عيان وسجلا لتطور فن صلاح طاهر ورحلته الجريئة والشجاعة في عالم الفن بداية من تمكنه وقدرته الحرفية التي لا مثيل لها إلى مرحلة تمرده وتحطيمه هذه القواعد الأكاديمية منطلقا إلى عالمه الخاص ومدرسته المتميزة· وكدت أفقد الأمل في الحصول على هذه الشواهد الفنية إلى ان اهتديت بالصدفة إلى احدى الخزائن التي لم تمتد إليها يد منذ سنوات عدة لأعثر بداخلها على مجموعة ضخمة ومتنوعة من الاسكتشات التي رسمها صلاح طاهر في الفترة الممتدة من 1930 إلى 1970 وتزامن هذا الكشف مع عيد ميلاده التسعين فكان الأمر مفاجأة وهدية رائعة لهذه الاحتفالية·
ويضيف: الاسكتشات أو المعالجات الفنية السريعة لها دلالة خاصة عند العاملين والمهتمين بمجال الفن اذ انها تحمل دائما الاحاسيس الفنية الحية المتدفقة قبل تهذيبها أو اخراجها بشكلها النهائي، وقد تكون هي الأصدق في الكثير من الاحيان فان هذه الاسكتشات المعروضة تمثل تطور المراحل المختلفة التي مر بها الفنان صلاح طاهر في مشواره الفني ونقطة انطلاقه إلى عالمه الخاص·
وقال: معظم الأعمال التي عثرت عليها صالحة للعرض ولم تتعرض للتلف ولكننا حين فكرنا في عرض هذه الاسكتشات كان علينا الالتزام بسياق واحد ومشترك للأعمال المعروضة، فقررنا ان يكون العرض قاصرا على مرحلة زمنية بعينها تنسجم فيها الأعمال مع بعضها إلى حد ما خاصة ان الاعمال الأخرى التي تمثل بدايات الفنان صلاح طاهر تتميز بقدر كبير من الحرفية وتغلب عليها الدراسات الأكاديمية للجسم البشري وهي مناسبة للعرض بشكل منفصل وسياق آخر يختلف عن هذه الأعمال المعروضة حاليا والتي تتميز بشيء من الاختزال والسرعة·
تواصل
العلاقة بيني وبين والدي صلاح طاهر أشبه بالصداقة رغم كوننا متناقضين إلى حد ما وتعودت منذ صغري ان أكون عمليا ومنفتحا على الآخرين، وهو رجل معروف بانطوائه وتفرغه التام لفنه لكنه يتمتع بشخصية طاغية الأمر الذي دفعني في وقت من الأوقات للتمرد ومحاولة الخروج من أسر هذه الشخصية، فكنت أبحث عن الأشياء التي لا يفعلها هو وأمارسها امعانا في ايجاد هذا الاختلاف فتعلمت السباحة لأن صلاح طاهر لا يجيد السباحة، وتمرست بها إلى درجة اني عملت في مجال التصوير تحت الماء وحينما التحقت بالدراسة في كلية الفنون الجميلة حاولت قدر المستطاع ألا أسير على نفس النهج الذي يتبعه والدي، ومع الوقت تولدت لدي قناعة بأنه من الأروع والأجمل ان أحافظ على الاستمرار وان أؤكد ذلك التواصل الذي بت لا أرى فيه عيبا حتى اننا اقمنا معرضا مشتركا منذ سنوات أنا ووالدي وابني الذي يدرس ايضا بالفنون الجميلة تحت عنوان 'تواصل'·

اقرأ أيضا