أرشيف دنيا

الاتحاد

لماذا نخاف من الفرح ؟

عندما نفرح ونبتهج ونضحك أمام موقف طريف، أو عند سماع نكتة جديدة، يردد كثيرون قولاً مألوفاً :”اللهم اجعله خيراً” أو “الله يعطينا خير هذا الضحك”، وكأن الضحك سوف يتسبب في شر لنا، ويصبح الدعاء واجباً لدرء ذلك الشر، أو تعويذة تحول دون وقوع الضرر.
نندهش إذا علمنا أن الطفل الطبيعي في مرحلة ما قبل المدرسة يضحك أو يبتسم أكثر من ‏400‏ مرة في اليوم، وينخفض هذا الرقم ليصل إلى ‏15‏ مرة عندما يصل إلى سن ‏35، ومن المؤكد أن هذا الرقم يتناقص مع تقدم العمر.
عادة من نسمع من يقول: “كدت أن أموت من الضحك”، وكأن الضحك مقترن بالموت أو قريباً منه. ويقول المثل العربي القديم:
“كثرة الضحك تذهب المهابة” أي تفقد الرجل هيبته ومنزلته ووقاره. وكأن الوقار والهيبة تستلزمان الجدية والتكشير وتقطيب الحاجبين.
وفي أحيان أخرى يتحول الفرح إلى حزن أو “العرس إلى مأتم” بسبب إطلاق الرصاص في الهواء احتفالاً وفرحاً، وفجأة يسقط أو يصاب شخص ما من جراء ذلك، أو يقع خلاف بين أهل العريس والعروس، ويظهر الخلاف إلى العلن، ويتحول إلى شجار وعراك.
إن كل ما سبق فيه مبالغة واستثناء، ولا يشكل القاعدة العامة المرتبطة بالفرح والسرور والضحك. ويمكن لمريض القلب أو من لديه استعداد مرضي في القلب، أن يصاب بنوبة قلبية في حالة الضحك الشديد أو بعد سماع نبأ مفرح جداً. ويفسر ذلك طبياً على أنه صدمة انفعالية شديدة يمكن أن تكون مؤذية.
الضحك عموماً شعور لذيذ وممتع ومنعش ويبعث على الرضا، ولا يسبب نوبة قلبية أو فقداناً للوعي إلا في حالات استثنائية. فالاعتدال والتوازن مطلوبان في كل الأمور، ومنها الأمور الانفعالية والمزاجية. ويتعلم الإنسان أن يتعامل مع انفعالاته المتنوعة وأن يعبر عنها بشكل أفضل من الأشخاص الأصغر سناً ممن لا يستطيعون التحكم في انفعالاتهم، أو لا يعبرون عنها بشكل متوازن وناضج وصحيح.
ومما لا شك فيه أن الحياة أصبحت حافلة بالمشاكل والهموم والضغوط اليومية المتنوعة، ويعيش كثيرون في حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي، وقد يشكل ذلك استعداداً للاكتئاب أو الإحساس باليأس والنظرات السوداوية في دواخلنا. كما يمكن له أن يؤسس لثقافة سلبية، وسلوكيات مضادة للحياة وأفراحها.
إن معظم الذين يعانون من الاكتئاب لا يعالجون بشكل صحيح ومناسب، وبعضهم لا يعرف أنه مصاب بالاكتئاب أصلاً، مما يطرح أهمية نشر الوعي الصحي النفسي وتعميقه، وأهمية الاهتمام بالخدمات النفسية وتطويرها وتحسين أدائها وتأثيرها في المجتمع.
لا يمكن التقليل من شأن العلاج النفسي لأسباب ومظاهر وأعراض حالات الاكتئاب المتنوعة، إنما علينا أيضاً أن نواجه مشكلاتنا اليومية بشيء من الموضوعية، وأن نتعلم كيف نتعايش ونتكيف مع أنواع الضغوط وعدم الاستسلام لها، وأن نبذل ولو قليلاً من الجهد للتغلب عليها، ومن ثم السير في طرق حلها ومواجهتها دون الهروب منها بواقعية وبنظرة متوازنة للحياة بأفراحها وأحزانها، دون إفراط أو تفريط.


المحرر | khourshied.harfoush@admedia.ae

اقرأ أيضا