الاتحاد

تقارير

هل تنجح مفاوضات أميركا و «طالبان»؟

أسهمت مجموعة من التحركات الدبلوماسية المكثفة جرت خلف الكواليس في إعادة إحياء المفاوضات بين أميركا و"طالبان" ووضعها على السكة من جديد، ولكن عودة الحديث حول المفاوضات المنتظرة بين الجانبين لا تخفي قلق المراقبين من احتمالات فشلها، ولاسيما في ظل العقبات الكأداء التي تواجهها المتمثلة في مدى قدرة الفصائل الأفغانية المتناحرة على الحديث إلى بعضها بعضاً بعيداً عن لغة السلاح والعنف، والطريقة التي ستحافظ بها الولايات المتحدة على مطلبها بمحافظة الفصائل الأفغانية المختلفة، حتى بعد المصالحة، على المكاسب المتحققة في مجال حقوق الإنسان. هذا فضلاً عن الدور المرتقب لباكستان في عملية التفاوض وما إذا كانت ستسعى إلى إنجاح مساعي المصالحة، أم التأثير عليها بشكل سلبي. ولكن على رغم المخاوف والعراقيل يمثل الانفتاح المفاجئ لقنوات الحوار بين "طالبان" والولايات المتحدة الفرصة الأخيرة المتبقية لبدء مفاوضات جدية وحاسمة بين الطرفين قبل الانسحاب المقرر للقوات الأميركية من أفغانستان مع نهاية عام 2014.
وفي ظل هذه الجهود الداعمة لانطلاق المفاوضات التقت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، مع رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني للتعبير عن دعم أميركا لفتح مكتب تابع لحركة "طالبان" في العاصمة القطرية، الدوحة، حيث سيعمل المكتب كمقر يستعد فيه المتمردون الأفغان للدخول في مفاوضات للمصالحة مع الحكومة الأفغانية. ولكن قبل بدء المفاوضات بين الفصائل والأطراف الأفغانية المختلفة، بما فيها الحكومة في كابول، ستجري الولايات المتحدة مناقشات أولية مع الحركة، وهي مناقشات عليها أولاً، حسب المسؤولين الأميركيين، الحصول على مباركة الرئيس الأفغاني كرزاي، وهو ما قد يعقد الوضع قليلاً.
لقد أبدى الرئيس الأفغاني جملة من المواقف المتذبذبة إزاء المفاوضات الأميركية مع "طالبان" خلال الفترة الماضية، فهو على رغم إعلان رغبته في الخروج من السلطة مع نهاية فترته الرئاسية عام 2014 في جو من الأمن والاستقرار، إلا أنه مع ذلك عارض اتفاقاً مبدئيّاً تم التوصل إليه في شهر ديسمبر المنصرم بين "طالبان" والولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يصل "مارك جروسمان"، مبعوث إدارة أوباما إلى أفغانستان، في زيارة للعاصمة كابول الأسبوع المقبل في محاولة للحصول على الضوء الأخضر من كرزاي لبدء المباحثات التمهيدية.
غير أن الضوء الأخضر الذي ينتظره الأميركيون تعرض لمشاكل كبيرة بسبب شريط الفيديو الأخير الذي يظهر أفراداً من مشاة البحرية الأميركية وهم يتبولون على جثث عناصر "طالبان"! وقد سارع كل من وزير الدفاع الأميركي، ليون بانيتا، ووزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، إلى إدانة هذا التصرف بأشد العبارات الممكنة، فيما أكدت "طالبان"، على لسان المتحدث باسمها، ذبيح الله مجاهد، أن الشريط لن يؤثر على المفاوضات المرتقبة مع الولايات المتحدة.
وكانت أميركا في السابق تعتبر أن "طالبان" لن تدخل في مفاوضات جدية تهدف إلى إحلال السلام والاستقرار في أفغانستان والتصالح مع الفرقاء الأفغان الآخرين إلا بتحقيق قوات التحالف الدولي لمكاسب عسكرية على الأرض تضغط على قيادة الحركة وترغمها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ولكن اليوم يقر الأميركيون بأن الحرب مهما طالت لابد من بلوغ مرحلة التسوية السياسية لإنهائها، وهو ما دفع أميركا إلى إبداء نوع من الجدية والمرونة في الوقت نفسه إزاء المفاوضات مع "طالبان" عندما أعلنت كلينتون، خلال شهر فبراير الماضي على هامش اجتماع لدول آسيا بنيويورك أن الشروط المسبقة التي وضعتها واشنطن مثل ضرورة نبذ "طالبان" للعنف أولاً وقطع صلاتها مع "القاعدة" وقبول الدستور الأفغاني، أصبحت اليوم جزءاً من الأهداف المتفاوض عليها وليست شروطاً مسبقة.
وعلى رغم إجراء الولايات المتحدة لسلسلة من اللقاءات السرية مع قيادات في "طالبان" لتسهيل عملية التفاوض والاتفاق على الخطوط العريضة، إلا أنها فوجئت بطلب الحركة فتح مكتب لها في قطر، هذا الطلب الذي لم تعترض عليه أميركا وسعت إلى تسهيله. ويرى العديد من المراقبين أن سبب عودة "طالبان" إلى المفاوضات بعد مرحلة من الرفض والعناد يرجع إلى جملة من العوامل المتداخلة منها الضربات العسكرية التي تعرضت لها الحركة على يد القوات الأفغانية والدولية، وقتل زعيم "القاعدة"، أسامة بن لادن، في السنة المنصرمة، ثم الربيع العربي الذي اجتاح بعض دول الشرق الأوسط. وربما كان لمقتل بن لادن دور في إقناع "طالبان" بفك ارتباطها بـ"القاعدة" التي لم تعد هنالك أي جدوى في استمرار التحالف معها، كما أن المكاسب التي حققها الإسلاميون في بعض بلدان العالم العربي بعد الثورات التي أطاحت بالأنظمة فيها، قد تدفع الحركة إلى التفكير في العمل السياسي كسبيل للوصول إلى الحكم.
ولكن على رغم انفتاح الطريق أمام المفاوضات تدرك الإدارة الأميركية أيضاً حجم العراقيل التي تنتظرها، ولاسيما الانتقادات الداخلية من الخصوم السياسيين، حيث سارع الجمهوريون إلى اتهام الإدارة بمهادنة "طالبان" والتفاوض مع الإرهاب، وهي الانتقادات التي ردت عليها كلينتون بالقول: "عندما نجري مفاوضات مع طرف من الأطراف ونجلس معه إلى نفس الطاولة فإننا عادة إنما نقوم بذلك مع الأعداء وليس الأصدقاء، أو الحلفاء، ولا ضير في ذلك حتى لو خاضوا ضدنا حروباً على أرض المعركة".

هوارد لافرانشي
محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا