أرشيف دنيا

الاتحاد

القراءة تشكل حصانة للصغار وتساهم في نموهم الذاتي

للطفل حضور قوي في المهرجان القرائي للطفل

للطفل حضور قوي في المهرجان القرائي للطفل

عرف أدب الطفل عدة تحولات، منذ القدم إلى اليوم، فتدرج من المحكي إلى السمعي ثم البصري، ولا يخفى الدور الكبير لتفاعل الأسرة، ودورها في نقل الخبرات وتكوين الرصيد اللغوي ومفردات الحياة، كما يساعد أدب الطفل على بلورة شخصية الصغار ويطعمهم بمناعة ضد انسياقات العصر وتحولات مراحل النمو، في هذا الصدد انعقدت ندوة بعنوان «الاعتبارات التربوية والسيكولوجية في أدب الطفل»، في أول مقهى ثقافي نظمه المهرجان القرائي للطفل في دورته الرابعة في إمارة الشارقة والتي كانت ضيفته الدكتورة علياء إبراهيم الاستشاري الأسري وخبيرة التنمية البشرية، وأدار الندوة الأديب عبد الفتاح صبري من دائرة الثقافة والإعلام بحضور العديد من المهتمين والمتخصصين في هذا الأدب.

سلطت علياء إبراهيم، الضوء على الجانب السيكولوجي في أدب الطفل، وكيفية تمكين الطفل نفسيا من آليات الحماية وتكوين مناعة، موضحة أن الإنسان هو المورد الاساسي في بناء الحضارات، ولذلك يجب الاهتمام به جنينا وطفلا واحتضانه مراهقاً وتدعيمه شاباً واحترام خبراته ناضجاً ورعايته شيخاً، ولكن تبقى الطفولة هي المرحلة الأهم في حياة الإنسان، حيث تمثل القاعدة الأساسية لمراحل عمره التالية».
واستشهدت بالمثل الإفريقي القائل إنه «إذا أردت أن تربي طفلا فعلى كل القرية أن تشارك في تربيته»، وهذا يعني أن جميع المؤسسات مسؤولة عن تنشئة الطفل وكل ما يقدم لهذا الطفل من خلال هذه المؤسسات يجب أن يقدم وفق اعتبارات تربوية وسيكولوجية، بل ومجتمعية، وتابعت قولها «باختصار فإن جميع الوسائط التربوية التي تشارك في تربية الطفل وتنشئته يجب أن تربي هذا الطفل بما يتوافق مع خصائص المرحلة العمرية التي ينتمي إليها، والنمو النفسي والقاموس اللغوي ونموه الحركي والاجتماعي والعاطفي وبما يتوافق مع بيئته التي ينشأ فيها، والمتغيرات التي تحيط بهذا المجتمع خاصة في هذا العصر الذي تتنافس فيه العديد من المؤسسات في تأسيس أبنائنا، ولذلك فإن مقولة علي بن أبي طالب تشير باختصار إلى هذه النظرية «ربوا أولادكم لزمانهم»، فالأطفال هم الاستثمار الأغلى ووقود الأمة وطاقة المستقبل.
وأضافت غادة إبراهيم «أدب الطفل في معناه العام والخاص يلتصق التصاقا وثيقا بحياة الطفل، بل يكاد يكون جزءا لا يتجزأ من حياته اليومية فقوام أدب الطفل هو الكلمة، والكلمة هي محور حياة الطفل منذ مولده، فإن الله عز وجل جعل بقدرته أول حاسة تؤدي وظيفتها بعد ميلاد الطفل هي حاسة السمع فقد أثبتت الدراسات أن السمع هو أول عضو يؤدي وظيفته في الدنيا، فالطفل ساعة الولادة يسمع بينما العين لا تؤدي مهمتها لحظة مجيئه إلى الدنيا».
الذكاء الفطري الناعم
واستشهدت إبراهيم بأقوال بعض المختصين، موضحة أن الدكتور عبد الله مصباح أشار في كتابه عن الذكاء والعبقرية والإبداع، إلى أنه عند الولادة يكون الأطفال مهيئين للتحدث بأية لغة، ولكن بعد بضعة شهور من الولادة تقوى وصلات خلايا المخ التي تمكنهم من استيعاب وصنع الأصوات التي تكون اللغة الأم، والتي تصلهم من البيئة المحيطة بهم، وفي الوقت نفسه تضعف الوصلات الخاصة بالأصوات التي لا تتردد في كلام البيئة المحيطة وقد يكون بعضها جوهريا للغات الأخرى، لذلك فإن الحديث مع الطفل حتى وهو لا يدرك معنى الكلمات يمثل مرحلة هامة، لأن الدراسات أثبتت أيضا أن البيئة يجب أن تساهم في تكوين الثروة اللغوية ولذلك فإن الحديث والقراءة للأطفال في مرحلة الرضاعة أمر مهم جدا في تكوين رصيد لغوي قوي، بغض النظر عما إذا كان الأطفال يفهمون أو لا يفهمون هذه الكلمات لأن الأطفال منذ ولادتهم يحللون تراكيب الكلام ويتمثلونها قبل أن ينطقوها أو يفهموها بالكامل، وهذا يساهم في تقوية الوصلات العصبية الخاصة باللغة الأم».
وأضافت إبراهيم «وفي سياق آخر أثبتت بعض الدراسات أن الجنين يسمع وهو في رحم أمه، وعندما ينتقل إلى موطنه الآخر فإن الأم كانت وخاصة في الأزمنة القديمة وقبل اختراع الكتاب والمسجل والمذياع والتلفزيون تجسد كل فنون الأدب الطفولي من أغنية وشعر وقصة، فهي ناقلة للأدب الفطري الدافئ، إذ تلعب العديد من الأدوار، هي الملحن والمؤلف والممثل والمخرج الذي ينقل من خلال صوتها القصة والأغنية والأنشودة وكلها نابعة من التراث الذي تناقله الأجداد، كما لعبت الأسرة الممتدة الجسر الذي يعبر عليه الطفل ليتعرف إلى مفردات بيئته، وأكدت غادة إبراهيم أن الأدب الفطري الناعم يساهم في النمو اللغوي للطفل، إذ يرسخ قيمة الانتماء لبيئته ويساهم في نموه العاطفي، فحضن الأم يمثل البيئة المحبة الحانية التي تساعد علميا على بناء وصلات خلايا المخ التي تشجع على الاستقرار العاطفي للطفل، موضحة أن ذلك لا يتوافر في أحضن الخادمة أو أحضن الأب والجليس الإلكتروني المتمثل في التليفزيون، بالإضافة إلى أن هذا الأدب الغريزي الذي يتلقاه من الأم يعزف على أوتار مخيلته حيث يكون النصف الأيمن من المخ، والمسؤول عن الخيال والفن والإبداع، أكثر نشاطا عند الطفل في سنواته الأولى من النصف الأيسر المسؤول عن النطق واللغة».
فن الكتابة للأطفال
وجاءت إبراهيم بالعديد من الحجج لتدعيم أقوالها، وقالت «جاء في كتاب «فن الكتابة للأطفال» للباحث أحمد نجيب، أن الكتابة للأطفال يجب أن تخضع لثلاثة اعتبارات منها: الاعتبارات التربوية، إذ أن كاتب الأطفال هو مرب بالدرجة الأولى قبل أن يكون مؤلف قصة أو قصيدة أو مسرحية، والاعتبار التربوي يجب أن يحتل مكان الصدارة في أية عملية موازنة بين العديد من الاعتبارات الأخرى، بحيث لا يمكن التضحية بها ولو بصورة جزئية أو مؤقتة في سبيل حبكة قصصية ممتازة أو في سبيل الوصول بالحدث المسرحي إلى قمة درامية عالية.
أما الاعتبار الثاني فهو الاعتبارات الفنية العامة، وهي القواعد الأساسية في فن الكتابة، كما يجب أن يكون الكاتب على دراية بأصول التربية وعلم النفس.
في حين تتعلق الاعتبارات الفنية الخاصة، بنوع الوسيط من فنيات القصة، المسرح، والشعر. وقد اتفق المتخصصون على أن مراحل النمو المختلفة للطفل تتداخل زمنياً، وتختلف ما بين الذكور والإناث، كما تختلف باختلاف المناطق الجغرافية والشعوب والمجتمعات، والتطور الحضاري، والتقدم العلمي، ودرجة استثارة البيئة له لذلك يجب التعرف على مراحل النمو عند الأطفال وخصائصها المختلفة عند توجيه أي عمل للطفل لتحقيق الهدف المرجو منه ولضمان وصول الرسالة إليه».
وأضافت إبراهيم أن عالم النفس الروسي «فيجو تسكي» أكد أهمية المجتمع وتأثيره النفسي على نمو الطفل الثقافي، حيث إن أي وظيفة تشتمل عليها عملية النمو الثقافي للطفل إنما تظهر في صورتين أو على مستويين، أولا على المستوى الاجتماعي ثم على المستوى النفسي، ويمكننا القول إن تطور أدب الطفل ارتبط بتطور وسائل الاتصال فبعد اختراع الطباعة تحول أدب الطفل إلى قصص مطبوعة فظهرت قصص الأطفال المتأثرة بعالم الأساطير والخيال والخرافات، وظهرت حركة ترجمة الأعمال الأدبية العالمية للغة العربية وظهرت مجلات الطفل وفي نفس الوقت تطور الاهتمام بالطفل ونموه وسيكولوجيته، فتطور علم نفس النمو وعلم النفس التربوي والتعليمي وعلم نفس الصورة المقدمة للطفل، وبذلك تطورت نوعية القصة التي تقدم للطفل من خلال اعتبارات تربوية ونفسية ومجتمعية لتناسب مرحلته العمرية ونموه العاطفي والحركي والعقلي والاجتماعي والنفسي وقاموسه اللغوي.
«خالد وخلود»
وفي ذات السياق قالت علياء إبراهيم إن الأدب الذي يستهدف الطفل من قصة ورواية ومسرحية وشعر، هو أحد الوسائط التربوية التي يجب أن يتم استغلالها لتثقيفه وتربيته
وتعليمه قيماً جميلة، وأضافت «لهذا يجب أن يراعي هذا الأدب المستويات السيكولوجية والعلمية واللغوية للطفل بمراحله المختلفة، كما أن أدب الصغار ليس تبسيطا لأدب الكبار فهو أدب قائم بذاته يجب أن يراعي كافة المعايير الفنية لشكل هذا الأدب، سواء كان قصة أو شعراً وهو مرتبط من حيث علاقته بالمتلقي وبالمرحلة الزمنية، وبعمر هذا المتلقي، كما أن أدب الأطفال له العديد من الأهداف التي يجب أن يراعيها الكاتب».
وتابعت إبراهيم «انتقلت الكلمة فيما بعد إلى مسموعة من خلال الإذاعة تلك الوسيلة التي حفزت خيال الطفل ونقلته من خلال الصوت إلى عوالم أخرى، وبالتالي لعبت الإذاعة دورا هاما في إثارة مخيلة الطفل في مراحل سنواته الأولى، ومن خلالها استمتع بالأغنية والحدوتة والدراما والأنشودة، وبطريقة غير مباشرة اكتسب المفردات اللغوية والقيم التربوية وتجسدت أمامه قيم أخرى، مثل الصدق والأمانة والحب والسلام والتسامح ورسخت لديه الانتماء لتراثه وعاداته وتقاليده، وتطرقت في هذا الصدد إلى تجربة محلية، إذ تحدثت عن إذاعة الشارقة التي تجسدت في يوميات «خالد وخلود»، الذي يقدم دراما إذاعية للأسرة تجسد العديد من القيم التربوية وقد تجاوز عدد حلقاته 1500 حلقة.
أفلام الكرتون
وأضافت غادة إبراهيم: وعندما تحولت الكلمة في أدب الطفل إلى كلمة مرئية من خلال الدراما وأفلام الكرتون والأعمال الكرتونية ثلاثية الأبعاد مثل العمل الذي تم تقديمه في رمضان الماضي عن قصص الحيوان في القرآن للكاتب أحمد بهجت، فإن الكلمة عندما ارتبطت بالصورة من خلال الشاشة الساحرة المتمثلة في التلفزيون، وفي ظل تراجع القراءة في أمة «اقرأ» وانطلاق الفضائيات وخروج المرأة إلى العمل وترك الطفل في رعاية الآخرين منذ مرحلة مبكرة من عمره، سواء الخادمة أو الحضانة وغياب العائلة الممتدة التي كان توجد الطفل داخلها في أحضان الجد والجدة والعمة والخالة، لعب التلفزيون دور الأب الذي شارك الأسرة ونافس المدرسة في تنشئة أبنائنا سواء من خلال ما يقدمه للصغار أو ما يقدمه للكبار، وقد دخل أبناؤنا عالم الكبار في ظل عدم ملاءمة المواد التي يطلعون عليها مع نموهم العاطفي والنفسي والاجتماعي واللغوي وأثر ذلك على ملكة القراءة لدى الأطفال، وفي دراسة حديثة حذر الخبراء من أن يستمع الأطفال لقراءة من التلفاز بدلا من قراءة الكبار لهم من القصص وغيرها، كما أوضحت دراسة أخرى شملت 1000 أسرة لديها أطفال صغار ويتم قراءة مواد لهم من طرف الكبار أنهم يعرفون عدد كلمات أكبر بنسبة 8% مما يعرفه الأطفال الآخرون، في حين كانت حصيلة عدد الكلمات لدى الأطفال الذين يشاهدون التلفاز أقل بنسبة 20 في المائة».



أجيال «الآي فون» و «الآي باد»
أشارت غادة إبراهيم إلى أن هذا الجيل الذي شهد تطورا مذهلا في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، انطلق إلى أحضان شاشات صامتة في ظل عوامل كثيرة أدت إلى تراجع دور الأسرة في حياة الأطفال، خاصة أن هناك علاقة غير ودية بين الطفل العربي والكتاب نتيجة غياب التشجيع على القراءة لأن الأطفال يربطون بين الكتاب والدراسة التي تتطلب جهداً وتعباً بالنسبة للطفل، ما نتج عنه نفور الطفل من الكتاب، وانعدام الود في ظل التطور التكنولوجي فتراجعت القراءة لدى هذه الأجيال التي لم تعد تفرق بين الرسالة المقدمة «أدب الطفل بكل فنونه»، وبين الوسيلة التي تنقل له هذه الرسالة لأنه أحب الوسيلة التي تجسدت في كل الشاشات المتاحة له بدءا من صديقه الصدوق وهو التلفزيون، وانتهاء بأجيال الآي فون والآي باد والحاسوب الآلي».

اقرأ أيضا