نوف الموسى (دبي) اختارت الفنانة زاريا فورمان، أن تقنعنا بالجمال، بدل الدمار الذي تمر به الطبيعة، نتيجة التغير المناخي، كاشفةً لحظات التحول والاضطراب في عمق السكينة الناشئة من المنظر الطبيعي. زيارتها لشمال غرب ساحل جرينلاند، وقيادتها لأول بعثة فنية، قدمت لها شعوراً مهيباً بأثر حجم الجبال الجليدية الباعثة للتواضع أمامها، أعلنت أنها عبر أقلام الباستيل الملونة، الشبيه بالفحم، تعيش تأملاً مدهشاً، من خلال أناملها، حيث لا تستخدم أدوات أخرى وهي تتلاعب بقدرية الألوان. والمعنى الكلي للتجربة تكتمل بالنسبة لها عند الانتهاء من اللوحة، التي تختبر فيها الجبل الجليدي وهو يطفو فوق المياه الزجاجية، كما وصفتها الفنانة. تعمل زاريا في البداية عبر السفر إلى تلك الجغرافيا المهددة وتقف أمام تحدي التغير المناخي، وتلتقط له آلاف الصور الفوتوغرافية، لتعيد أنفاس تلك اللحظات مجدداً في استوديو الرسم بالاعتماد على ذاكرتها المليئة بالتجربة والصور الفوتوغرافية. ولدت زاريا فورمان، في جنوب ناتيك بولاية ماساتشوستس، درست في «Studio Art Centers International» في فلورنسا إيطاليا وحصلت على B.S. في استوديو الفن من كلية سكيدمور. ما يدعو لحب البحث في أعمالها، هو تجلياتها المهيبة في اللوحة الفنية، حيث يتسرب البياض كتناص بين «أبيض اللوحة» وقلبها و«أبيض الثلج» وحضوره، فهي ترسمُ أبيض في أبيض. وتخلق بين أرواح الألوان، انعكاساً لأطيافها الشفافة بأبعاد تدرجية دقيقة، تحمل معها أسارير أهالي تلك المناطق، الذين يسردون لها بين الفينة والأخرى إحساسهم الدفين، بشعور انخفاض الأرض، ما سيؤدي إلى انزلاق بيوتهم وغرقها بسبب ذوبان الجليد وارتفاع منسوب المياه، إبان تعرضه لأشعة الشمس غير الموسومية.. وهنا تحديداً، تقول زاريا فورمان: «رغم بهاء الثلج الجّلي، إلا أن ضعفه بهيّ أيضاً». واللافت ما يستوقف الفنانة زاريا وهما الحركة والصوت الصادران من الحقول الثلجية، والذي لم تتوقع الفنانة أنه على هذا النحو من الجمال، اكتشفته أثناء مراقبتها لحالات الذوبان المتتالية لتلك الحقول. رحلة الفنانة زاريا فورمان، لبقاع الأقطاب الثلجية، دعوة مرئية لإشعار المتلقي بالنشوة الحدسية نحو الطبيعة، فهي ترسم المناظر بأحجام كبيرة، ساعيةً إلى إيصال شعورها المتفاني فيها، فاللوحة تُرى كلحظة حيّه، يُمكن أن يُلمس فيها الانصهار المتكامل، وهي معلقة في غرفة المعيشة لبيت يقع في وسط الصحراء، فقدرة اللوحة أن تشعرك بالبرد في فصل الصيف، تُصنف كعمل فني متمركز على وعي الفنان بمدى ذاتية شعوره، إلى جانب أن زاريا تعيش «المتعة» بشكل فعلي من خلال فهمها للغة الجليد، الذي يمتلك حواراً فذاً، يتقنه فقط من يستدعي قبول تناقضاته الجمالية المتعددة، حيث يُسمعك أغنيته المتشكلة من الريح المشبعة بالغيوم وأمطار القطن الساقطة من السماء الرمادية. ويُخبرك بأنين الذوبان القابع بفكرة الموت الصغير جداً، استعداداً لولادة أخرى، لا يفقه شكلها أو لونها أو حتى رائحتها، فكل ما يستطيع إدراكه الآن هو عطره الحالي البارد جداً!