الاتحاد

تقارير

حروب أميركا... تجاهلٌ لضحايا الآخرين!

بعدمـا أنهت الولايات المتحدة حربها الطويلة في العراق أواخر شهر ديسمبر الماضي، خاطب الرئيس باراك أوباما، بفصاحته المعهودة، الجنود في إحدى القواعد العسكرية قائلاً: "لا أملك سوى الإشادة بوطنيتكم، والتزامكم بالمهمة، والتزامكم أيضاً تجاه بعضكم بعضاً". وفيما أغدق أوباما تعبيرات الحزن والأسى على أفراد القوات المسلحة الأميركية الذين سقطوا قتلى في ميدان الحرب، والمقدر عددهم بنحو 4500 جندي، لم يأتِ أبداً على ذكر الخسائر والتضحيات الجسام التي قدمها الشعب العراقي أيضاً خلال تلك الحرب.
والحقيقة في هذا الخصوص أن غياب الاهتمام بالقتلى المدنيين في الحروب الأميركية لا يقتصر على العراق فقط، فهناك دلائل أخرى تشير جميعاً إلى أن الأميركيين لا يهتمون كثيراً بشعوب البلدان التي تخوض فيها أميركا حروبها وترسل إليها قواتها المسلحة. وما علينا سوى الإشارة إلى مواقع تكريم القتلى الأميركيين في حربي فيتنام وكوريا، حيث يتم التعامل مع هذه المواقع بقدسية كبيرة واحترام بالغ، لكن لا أحد يتذكر أفراد تلك البلدان الذين سقطوا في الحروب والذين قد تصل أعدادهم إلى مئات الآلاف. فالحروب التي خاضتها الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، مثل فيتنام وكوريا والعراق وأفغانستان، تسببت في مجازر كبيرة ومهولة. ومع أننا لا نملك أرقاماً دقيقة توثق العدد الفعلي للقتلى في تلك الحروب، إلا أنه -وحسب أكثر الأرقام تحفظاً- بلغ ستة ملايين شخص بين مدنيين وجنود.
والمشكلة أن غياب الاهتمام بقتلى الآخرين لا يرجع إلى سهو مؤقت بقدر ما هي عادة متأصلة تعكس انحصار التفكير على الذات خلال الحروب واستمرار هذا التقليد لعقود طويلة. فقد دأب الأميركيون على النظر إلى أنفسهم كشعب سخي ومتعاطف مع الآخرين، وهم بالفعل كذلك في العديد من الحالات، سواء تعلق الأمر بتسونامي الذي ضرب آسيا عام 2004، أو كارثة إعصار كاترينا عام 2005، أو زلزال هايتي في عام 2010... ففي جميع تلك الكوارث هبّ الأميركيون لجمع المساعدات وتقديم الدعم.
لكن عندما يتعلق الأمر بالحروب الأميركية في الخارج ينحصر اهتمام أميركي في جنودها، وحتى عندما يثار النقاش حول شعوب تلك الدول الأجنبية، فإننا نقوم بذلك لدواع استراتيجية وليس أخلاقية، وهو ما أوضحه الجنرال ديفيد بتراويس في عام 2006 عندما اعترف بأن التكتيكات القاسية التي تستخدمها القوات الأميركية في العراق تنفر الشعب العراقي وتضر بالعملية العسكرية الأميركية. وهكذا أصبح تقليل الخسائر في أرواح العراقيين مطلباً استراتيجياً لإنجاح خطة مكافحة التمرد، وليس مطلباً أخلاقياً في حد ذاته تفرضه قواعد الحروب والقانون الدولي، والأمر كان أسوأ في كوريا وفيتنام، حيث خلفت الحروب هناك ضحايا بالملايين، فرغم التكهنات حول الحرب الكورية التي دامت ثلاث سنوات، تشير الإحصاءات إلى سقوط ثلاثة ملايين شخص نصفهم من المدنيين الكوريين. وترجع ضخامة هذا الرقم إلى الكثافة السكانية العالية في شمال كوريا والتي تعد الأكثر كثافة في العالم، فضلاً عن تغير جبهات القتال وانتقالها من منطقة إلى أخرى. ولا يختلف الأمر كثيراً في الحرب الفيتنامية وتداعياتها على الدول المجاورة مثل كمبوديا ولاوس، حيث بلغ عدد القتلى المدنيين في فيتنام بين 1.5 مليون و3.8 مليون مع وصول عددهم في كمبوديا إلى 800 ألف قتيل، فيما تجاوز العدد في لاوس مليون قتيل من المدنيين.
ورغم الدقة التي تتميز بها الأسلحة المعاصرة فإن عدد القتلى في حرب العراق، وإن كان من الصعب تحديد الرقم بدقة، وصل إلى عدة مئات من الآلاف، ففي عام 2006 أجري استطلاع للرأي شمل العائلات العراقية، وهو أفضل أنواع استطلاعات الرأي لمعرفة القتلى في الحروب، كشف أن ما بين 400 و650 ألف عراقي سقطوا في الحرب، بينما شهدت أفغانستان نسبةً أقل من القتلى بنحو مائة ألف سقطوا منذ اندلاع الحرب. لكن هذه الأرقام قد لا تعبر حقيقة عن العدد الفعلي للقتلى، إذ تكتفي بتوثيق عددهم المباشر جراء العنف، بينما تتناسى الضحايا الذين يفقدون حياتهم على نحو غير مباشر بسبب تدمير قطاع الصحة مثلاً. والأكثر من ذلك، يمكن رصد غياب الاهتمام الأميركي بقتلى الشعوب الأخرى التي نخوض حروباً ضد بلدانها في انعدام الإشارة إليهم في الأفلام والروايات والوثائقيات، حيث نادراً ما تلتقط صناعة الترفيه في أميركا معاناة تلك الشعوب، ليظل التركيز فيها منحصراً على الضحايا الأميركيين.
وحتى استطلاعات الرأي نادراً ما تسأل الأميركيين عن رأيهم في القتلى من أبناء الشعوب الأخرى، وفي المرات القليلة التي تفعل ذلك يأتي الجواب صادماً. ففي استطلاع للرأي أجري في عام 1968 حول الحرب في فيتنام، نجد أن 4 في المئة من الأميركيين فقط أرجعوا رغبتهم في إنهاء الحرب إلى سقوط العديد من الضحايا الفيتناميين، أما في العراق فعندما وجهت وكالة أسوشيتد بريس، في إطار استطلاع للرأي أجرته في عام 2007، السؤال إلى الأميركيين عن عدد القتلى العراقيين في الحرب، أجاب أغلب المستطلعين بأن العدد لا يتعدى تسعة آلاف قتيل عراقي، فيما كان العدد يفوق مئات الآلاف من القتلى. وفي استطلاع آخر للرأي، سُئل الأميركيون عما إذا كان على قوات بلادهم أن تنسحب من العراق حتى ولو أدى ذلك إلى اندلاع حرب أهلية يقتل خلالها العراقيون بعضهم بعضاً، فكانت الإجابة بنعم!
واليوم لا يوجد أي دعم أو نقاش حول مساعدة العراق وأفغانستان في إعادة الإعمار، ولا ذكر لحملات تبرع، أو حتى لسياسة الأبواب المفتوحة أمام طالبي اللجوء السياسي من العراقيين الذين خدم الكثير منهم الجيش الأميركي ويواجهون متاعب كبرى في حال بقائهم داخل العراق، بل حتى الفظاعات التي ارتكبها الجيش الأميركي والتجاوزات التي اقترفها جنوده سرعان ما يطويها النسيان، أو تصبح نقطة إشادة للجنود.
ونعلم أنه في مجزرة "ماي لاي" التي قتلت فيها وحدة من الجيش الأميركي 400 مزارع فيتنامي في قريتهم، واتهم فيها الضابط ويليام كالي بقتل 22 قروياً، نعلم أن ذلك الضابط أصبح اليوم محط تقدير وتعاطف كبير من الأميركيين. وفي الآونة الأخيرة عندما اتُهم ثمانية من مشاة البحرية الأميركية بارتكاب مجزرة بلدة "حديثة" العراقية، لم يدن أي واحد منهم حتى اليوم؛ فلمَ يا تُرى هذا التجاهل الأميركي لضحايا الحروب من غير الأميركيين؟
في محاولة للإجابة عن هذا السؤال يطرح المؤرخ والأكاديمي "ريتشارد سولتكين" ما يطلق عليه "أسطورة الحدود"، التي بموجبها يُبرر استخدام العنف للقضاء على المتوحشين أينما كانت الأرض التي يسعى الأميركيون لاحتلالها سواء في الغرب الأميركي نفسه، أو حتى خارج حدود أميركا، بحيث تستحضر استعارة الهندي الأحمر لتُسبغ على الأعداء الجدد، أكانوا في فيتنام الشيوعية، أو الإرهاب الإسلامي... وليس أدل على ذلك من إطلاق اسم "جيرينيمو"، وهو زعيم من الهنود الحمر، على عميلة قتل بن لادن. هذه الأسطورة التي يستخدمها الجيش الأميركي في حروبه تمتح من الثقافة العنصرية السائدة في أميركا التي تسعى إلى التقليل من شأن العدو وتشويهه حتى تبرر استخدام العنف المفرط ضده وعدم الاكتراث بما يُقترف من جرائم في حق المدنيين.
ويلجأ البعض أيضاً في تفسير عدم الاهتمام الأميركي بضحايا الحروب لدى الشعوب الأخرى، إلى ما يطلق عليه علماء النفس الاجتماعي "العالم العادل"، الذي بموجبه يميل الناس إلى التعامل مع العالم باعتباره منظماً ومنطقياً، لكن عندما يتداعى هذا العالم، أو يحصل ما يزعزع الاستقرار النفسي يسعى الناس إلى تجاوز الاضطراب بعدم التفكير فيه.
فعندما يلتقي أميركي متسولاً في الشارع، يعامله بعدم اهتمام أو بغضب لأنه لا يتصور أن يعيش في أميركا متسولون. وهو ما يفسر طريقة التعامل مع العنف في كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان... فعندما ساءت الحرب وتفاقم العنف، سعـى الأميركيون إلى تجاهـل ما حصل، بل وتحميل المسؤولية للضحايا.
وبالطبع لا تمر مثل هذه المواقف الأميركية تجاه ضحايا الحروب دون عواقب وذيول، فصدقية أميركا في العالم تتراجع، وقدرتها على تسويق حروبها وإقناع الرأي العام الدولي بجدواها تضعف، ومعه تهتز سمعة أميركا الأخلاقية ومقولاتها عن حقوق الإنسان والديمقراطية.

جون تيرمان
المدير التنفيذي لمركز الدراسات الدولية في معهد ماساشوسيتس للعلوم والتكنولوجيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا