إسلام أباد (أ ف ب) أعلنت المحكمة العليا في باكستان، أمس، أن رئيس الوزراء نواز شريف المتورط في قضية فساد «لم يعد يتمتع بالأهلية»، ما يعني تنحيته من المنصب للمرة الثالثة خلال مسيرته السياسية. ويُدخل هذا القرار البلاد مجدداً في دوامة الاضطرابات السياسية، دافعاً إلى تفكيك الحكومة وتاركاً البلاد من دون رئيس للوزراء. ويأتي قبل عام تقريباً من انتخابات عامة كان يمكن لشريف من خلالها أن يصبح أول رئيس وزراء باكستاني يكمل ولايته لمدة خمسة أعوام كاملة. وفور صدور القرار، دوى التصفيق بين أنصار المعارضة، واندفع بعضهم إلى الشوارع لتوزيع الحلوى وهم يرددون الشعارات. وخرج المئات إلى الشوارع في بيشاور، حيث قرعوا الطبول ووزعوا الأموال والحلوى هاتفين «ارحل نواز ارحل». ولكن في لاهور عاصمة إقليم البنجاب ومركز نفوذ شريف، خرجت تظاهرات عدة، قام خلالها أنصاره بإحراق الإطارات وإغلاق الشوارع. وتأتي الاتهامات إثر تسريبات وثائق بنما التي كشفت العام الماضي عن البذخ في نمط حياة عائلة شريف، وأشارت إلى ملف العقارات الفخمة التي يمتلكونها في لندن. وأسفرت الاتهامات عن تحقيق خلص إلى وجود «تفاوت كبير» بين مداخيل أسرة شريف وأسلوب حياتها. وصرح القاضي إعجاز أفضل خان أمام المحكمة المكتظة في إسلام أباد «لقد فقد شريف الأهلية كعضو في البرلمان، وبالتالي لم يعد يتولى منصب رئيس الوزراء». وأكد حزبه «الرابطة الإسلامية الباكستانية-جناح نواز»، أنه استقال «بتحفظات جدية»، وهو تحرك يعني انهيار الحكومة بشكل تلقائي. ولم يوضح الحزب من هي الشخصية التي ستخلف شريف. ودعت المحكمة العليا الرئيس مأمون حسين الذي يعين رئيس الوزراء، إلى «اتخاذ الخطوات الضرورية دستورياً لضمان استمرارية النظام الديموقراطي». وكان خصم شريف السياسي الأبرز عمران خان وحزبه «حركة الإنصاف الباكستانية» بين من قادوا التحرك ضد رئيس الوزراء. وفي رد فعله على إقالة رئيس الوزراء، قال خان للصحفيين في منزله الواقع خارج إسلام أباد أمس «أريد أن أبشر البلاد بأن هذا النصر الكبير هو لكم» مضيفاً أنه «سعيد للغاية». وأضاف «أرى مصير باكستان الجديدة أمامي»، داعياً إلى مسيرة غداً الأحد. وأما المعلق السياسي الكبير فاروق معين، فرأى أن الحكم «تاريخي». وقال «لا يزال الوضع متقلباً، ويصعب حالياً القول إنْ كانت ستجري انتخابات مبكرة أو ستشكل حكومة انتقالية،» رغم أنه أشار إلى فرص «كبيرة» بأن يقوم حزب «الرابطة الإسلامية الباكستانية-جناح نواز» بتشكيل حكومة جديدة. وتنفي أسرة شريف والقوى السياسية المتحالفة معها باستمرار الاتهامات الموجهة إلى العائلة. وبعد صدور القرار، قالت وزيرة الإعلام مريم أورانجزيب للصحافيين «لم يتم إثبات وجود أي فلس آت من فساد في هذا القرار ضد نواز شريف، وهو ما يدركه أيضاً الشعب الباكستاني». وطلبت المحكمة من هيئة مكافحة الفساد إجراء تحقيق إضافي بشأن المزاعم بحق شريف وعائلته، ما قد يؤدي إلى توجيه اتهامات جنائية لأسرته النافذة. وتفجرت هذه القضية العام الفائت بعد نشر 11.5 مليون وثيقة سرية من شركة محاماة «موساك فونسيكا» تكشف معاملات يجريها عدد كبير من المسؤولين السياسيين أو من أصحاب المليارات في جميع أنحاء العالم. وثلاثة من أبناء شريف الأربعة متورطون في القضية وهم ابنته مريم، وابناه حسن وحسين. وتأتي في قلب الاتهامات ضد شريف، شرعية الأموال التي استخدمتها أسرته لشراء عقارات باهظة الثمن في لندن عبر شركات خارج البلاد. وكانت المحكمة العليا أعلنت في أبريل عدم وجود «أدلة كافية» لإقالة شريف في قضية الفساد، وأمرت بالتحقيق في المسألة. وتركزت الأنظار على نتائج التحقيق الذي خلص إلى أن الوثائق المتعلقة بابنة رئيس الحكومة مريم نواز وارتباطها ببعض ممتلكات الأسرة في لندن «مزورة»، إذ إن الوثائق تحمل تاريخ 2006 لكنها استخدمت خط «كاليبري فونت» لمايكروسوفت الذي لم يتم وضعه قيد الاستخدام التجاري إلا في العام 2007. وتتفشى الرشاوى والكسب غير المشروع في باكستان المصنفة في المرتبة 116 على قائمة الدول الأكثر فساداً التي تضم 176 دولة، وفق تقرير منظمة الشفافية الدولية للعام 2017. وتمت إطاحة شريف في السابق على خلفية اتهامات بالكسب غير المشروع، حيث أقاله الرئيس حينها في أول عهد له كرئيس للوزراء عام 1993. وفي المرة الثانية، أطاحه انقلاب عسكري عام 1999. وتمت كذلك إطاحة غيره من رؤساء الوزراء، إما بتدخل من الجيش النافذ أو بقرار من المحكمة العليا أو عن طريق أحزابهم، فيما أرغم البعض على الاستقالة أو تم اغتيالهم. وتأتي إطاحة شريف في وقت تطغى التوترات على العلاقة بين الحكومة المدنية والمؤسسة العسكرية التي حكمت باكستان عقوداً.