الاتحاد

دنيا

سميح سفاريني·· حلم بالهندسة وتخصص بالطب

موزة خميس:
عرفت الأخلاقيات والآداب على أساس أنها شرط لتكوين الطبيب·· وعلاقة الطبيب بالمريض هي علاقة إنسانية من الدرجة الأولى، يحكمها الكثير من العوامل الإنسانية· وكان الطبيب يسمى 'الحكيم' منذ آلاف السنين لما يمثله من معاني الحكمة، ولما يستقبل به من الاحترام والتبجيل والإجلال· ولأن الطب مهنة إنسانية فهي تستدعي أن يتخلق المختص بالطب بالأخلاق الرفيعة السامية، وأن ينظر إلى وظيفته نظرة إنسانية قبل أن تكون نظرة مهنية محترفة فحسب، ولذلك يرتبط النجاح في هذه المهنة بالتمتع بالأخلاق الرفيعة، قبل أن ينجح وينبغ في الناحية العلمية، فكم من طبيب أفلس لأن تعامله مع المرضى فظ ، وكم من طبيب تركه المرضى وانفضوا من حوله، لأن وجهه كان عبوسا قمطريرا، وكم من طبيب تعرض لفضيحة لتصرف مشين مع المرضى·
ومن الوجوه التي تعيش بيننا منذ أمد بعيد شخص يقدم الأخوة والابتسامة قبل الوصفة·· كان واحدا من سبعة أخوة ، وعندما كان في الصف الثاني، كان هناك الأخ الأكبر الذي التحق بكلية الهندسة في بغداد والأخت الكبرى قد دخلت إلى كلية المعلمات، وها هو الدكتور سميح سفاريني الذي أصبح فيما بعد أختصاصي الباطنية وأمراض القلب، بعد أن كان يخطط مذ كان في السابعة عشرة من العمر، للحصول على معدل ممتاز حتى يحقق حلمه بالالتحاق بإحدى كليات الهندسة، لكن الاغتراب كان يعني زيادة المصاريف على العائلة التي تعتبر من ذوي الدخل المتوسط، فوالد الطبيب سفاريني كان يعمل في سلك التعليم، وكانت مصاريف الأسرة كبيرة في وقت كان فيه الدخل بسيطا أيام النكسة· ولم يكن التعليم منتظما في الضفة، ولذلك ما أن أنهى سميح، الثاني الثانوي حتى وجد نفسه يستعد للسفر إلى الأردن حيث يقيم العم في عمان ليكمل الثانوية، خاصة وأن في عمان مدرسة أسمها(مدرسة فلسطين للخطوط الأمامية) وهي تمنح بعثات للطلاب المتفوقين·
غربة مبكرة
ويقول سفاريني: خرجت من البيت للغربة وأنا ابن السابعة عشرة ، تاركا الحضن الدافئ واللقمة الساخنة والملابس التي كنت أجدها جاهزة ونظيفة·· لقد تركت الشعور بالأمان، وأن ورائي من يحميني ليلا ويرعاني نهارا، الى عمان العاصمة الكبيرة المزدحمة، ولكن عناية الرحمن كانت أقوى وأكبر من كل شيء ، ولم أكن قد اعتدت بعد على وقع الحياة للمدن الكبيرة، وبعد أن أنهيت الثانوية قرر والدي أن أدرس الطب لأن العائلة يكفيها مهندس واحد·
لم أندم على دراسة الطب، بل تفوقت فيه، وكنت في الكلية من العرب القلائل الذين كانوا ينجحون سنواتهم، وقد سبب ذلك لي مقاطعة من بقية الطلبة الذين لم يحالفهم الحظ، ولكنني لم التفت لأحد وواصلت السير إلى النهاية، وكان أقرب طالب عربي لمستواي (ممن بدأ معي)، بيني وبينه ثلاث سنوات بعد تخرجي من كلية الطب· وقد تخصصت بالأمراض الباطنية، وعلاج الأمراض المستعصية بالكيماويات، ولذلك كان جميع المرضى ممن امتحنهم الله بالأمراض السرطانية· وبدلا من أن تنمو بيني وبينهم العلاقة، كانوا يزدادون نفورا وجفاء بسبب العلاج قبل الثمانينات، وقد دعاني ذلك إلى ترك القسم وتحولت إلى الباطنية والقلب· وفي تلك الفترة كانت قد بدأت ثورة حقيقية للعلاج بالقسطرة، وزرع الشرايين وتبديل الصمامات، كما ظهرت العناية المركزة والأجهزة الحديثة·
كانت الأجهزة الحديثة قد أعطت دفعة قوية لتطور البحوث والعلاج، فالعناية بمريض القلب تطورت وأيضا متابعته، حيث أصبح الكثير من الأمور الخفية جليا للأطباء والمختصين، وكذلك عمليات القلب، حتى أصبح لعملية إزالة اللوزتين وقع عادي على الإنسان·
في أبو ظبي
وبعد الانتهاء من التخصص اشتغلت لمدة سنتين، ثم حضرت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة عن طريق وزارة الصحة، وكان عملي في المستشفى المركزي بأبوظبي، وانبهرت بالتجهيزات الطبية في المستشفيات، حيث إنني لم اكن اتوقع أن أجد ذلك هنا، خاصة وأن الدولة حديثة العهد بالتطور الطبي والتقني· وبعد 6 سنوات من العمل مع الوزارة انتقلت للعمل في القطاع الخاص، وقد كان لخالي مجمع خاص في مدينة الشارقة، وهذا هو السبب الرئيسي لترك العمل لدى الصحة رغم أنهم لم يوافقوا على الاستقالة في البداية، وانتقلت إلى الشارقة، مع أن علاقاتي بمن في ابوظبي ظلت قوية، وأستطيع أن أقول: إن أعز أصدقائي هم ممن عملت معهم في أبوظبي، ولأنني عربي لم أجد أي شيء مختلفا عند مجيئي عما كنت عليه، فلم أجد صعوبة في التعامل مع الناس، ولم أشعر إلا بالمحبة·
ومن أطرف ما حدث معي لدي وصولي إلى أبوظبي، أنني أقمت في سكن الأطباء ، مقابل القصر القديم، وكان الموسم صيفا، والوقت ظهرا، وبالطبع الجو كان حارا، وأردت أن أذهب لتناول الغداء، فنظرت من النافذة ورأيت مطعما صغيرا، حيث كان اسم المطعم يدل على أنه عربي، وعندما ذهبت اكتشفت أن جميع الموجودين ليسوا عربا، فكلهم آسيويون، وعندما جاء الجرسون طلبت منه قائمة الطعام، فقال لي: لا توجد قائمة، وسرد لي بطريقة لم أفهم منها شيئا، أسماء أطباق لا أعرفها، ولم اعرف إلا كلمة دجاج التي قالها بالإنجليزي مع الكاري، وطبعا أنا لا أعرف الكاري، وعندما سألته ما الكاري؟ وجدت الموجودين بالمطعم يلتفتون إلي ويضحكون بصوت عال·
ويرجع الدكتور سميح سفاريني نجاح أي شخص في تحقيق التخصص إلى أول معلم جعله يعرف الحروف الهجائية، وقال: إن البعض يسألونه هل تنصح الطلاب بدراسة الطب، لأن هناك أعدادا هائلة قد تخرجت، ولم تجد وظائف لتمارس الطب، فيجيب :
إن الوطن العربي بحاجة إلى أضعاف مضاعفة من الأعداد الموجودة، وإن عدم حصول الكثيرين على وظائف لممارسة الطب يعود إلى سوء في التوزيع، والتمركز في المدن الكبيرة، كما يوجد نقص في التخصصات، ومن أكثر الدول التي تتيح فرصا للعمل، دولة الإمارات العربية المتحدة، ولديها مناطق بحاجة إلى أن يتواجد فيها أطباء، كالمناطق البعيدة في الصحراء، وبين الجبال·· وعلى الأطباء اختيار المكان الذي يحتاج إلى تخصصهم ويفتقر إليه·
إن هناك قفزات هائلة وكثيرة في مجال الطب بالخليج، وقد وصلت سمعة بعض المستشفيات الخليجية إلى الدول الأوروبية، وخاصة في مجال القلب، وعلاج الأورام، وهناك دول عربية أيضا كانت سباقة في مجال الطب، ويلجأ عدد كبير من المرضى من دول أوروبية إلى دولة الإمارات للعلاج، بعد أن أثبتت جدارة في المجال الطبي، ولكن على المرضى والمراجعين أن ينتقوا المكان المناسب، والطبيب المناسب، وبالتأكيد عندما يتقي الطبيب الله في كل عمل، فإنه سيراعي كل الظروف التي تحيط بالمريض، ولن يجعله عرضة لآلام خيبة الأمل، والفحوص الكثيرة ، التي لا طائل منها سوى خدمة البعض من زملاء المهنة·

اقرأ أيضا