الاتحاد

دنيا

مكتوم بن راشد··· حكاية الأب وولده والأرض وأبنائها

دبي- الإتحاد:
مامن شاهد أو منجز حضاري قام على أديم هذه الأرض، إلا وكان ليشير الى هؤلاء الرجال البناة المؤسسين· اولئك الرجال الذين ساروا على بركة الله بمعية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في رحلة البناء والتأسيس، فكانوا مثالاً يحتذى في الإخلاص والوفاء والتضحية·
واليوم إذ يفتقد الوطن الحبيب نجما لامعاً لطالما تألق في سماء الوطن··· إمارات الوحدة والخير والعطاء، فإن خسارةً مثل هذه التي نعيش مرارة حقيقتها بانتقال المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم الى جوار ربه الكريم، انما هي خسارة فادحة·
لعب الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم -رحمه الله- دوراً بارزاً في تأسيس الحلم وجعله حقيقة واقعة، وهو دور يعرفه القاصي والداني، وكل من كان قريبا من مسيرة التأسيس التي اسهم فيها بوصفه المساعد الأول لوالده المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم·
وعندما يستعرض المراقب مسيرة الخير على هذه الأرض الطيبة، سيجد اسم الراحل الكبير الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، نجماً تنير مآثره وإنجازاته حيزاً فسيحاً من سماء الوطن
انها حكاية عميقة في مغزاها وتفاصيلها وعبرها، حكاية تلك العلاقة الحميمة بين الأب وولده الذي علقت عليه الآمال في قابل الأيام، مثلما هي حكاية إمارة، ووطن، وحكاية أرض ومعاناة ابنائها· حكاية البناء والنهوض والإعمار والتطلع صوب مشرق مضيء وآفاق فسيحة من التقدم والرفعة وحكاية العمل المتواصل الدؤوب والجهد الذي لايعرف الكلل ولا الملل·
وهي في الوقت نفسه، حكاية الوطن الموحد والنهوض بانسانه والإرتقاء به· انها أخيراً حكاية الرجال حين يصممون ان يكون لوطنهم مكان بارز تحت الشمس·
علاقة مميزة
كان المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم من القيادات النادرة تاريخياً· وقد ظل دائماً على مقربة من نبض الناس وتطلعاتهم، مدركاً بحسه القيادي المتوهج حساسية وأهمية اللحظات التاريخية الحاسمة وواجبات الاختيارات في حياة الأمم·
ولد المغفور له في عام 1943 في بيت العائلة الكائن في منطقة الشندغة قرب مدخل الخور بدبي، والمعروف حاليا بـ'بيت الشيخ سعيد'، حيث تلقى -رحمه الله- تعليما أولياً في الحساب واللغة الإنجليزية واللغة العربية والدراسات الدينية، تحضيراً للدور الكبير الذي ينتظره·
وفي الرابع من أكتوبر من العام 1958 ومع تولي المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم مقاليد الحكم في دبي، الذي كان أول تنصيب كامل لحاكم الإمارة، كانت الإشارة الأولى حينما تلقى المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم، التكليف الذي أسنده والده -رحمه الله- إليه بإلقاء كلمته في الحفل، وهي إشارة واضحة إلى الدور المهم الذي ينتظر أن يقوم به في المرحلة المقبلة· ومنذ ذلك الحين أصبح الشيخ مكتوم بن راشد الساعد الأيمن لوالده·
ومنذ أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، عمل المغفور لهما الشيخ راشد والشيخ مكتوم بجدٍ على مدار الساعة، لتحقيق حلمهما الكبير بتطوير الإمارة الناشئة، وأثمر ذلك عن تأسيس مطار دبي، وإقامة محطات لتوليد الكهرباء، وتطوير مصادر المياه العذبة، وبناء أول فندق، والعمل على إنشاء المزيد من المدارس والمناطق السكنية الحديثة، وغيرها من المشاريع المهمة آنذاك·
الدراسة الجامعية
وفي مستهل الستينيات أكمل صاحب السمو الشيخ مكتوم تعليمه الأكاديمي محلياً، ومن ثم بعث المغفور له الشيخ راشد معاونه الأول ـ في تلك المرحلة ـ لإتمام تعليمه في إحدى الجامعات البريطانية الرائدة· حيث اختلط الشيخ مكتوم -رحمه الله- مع طلاب من مختلف الجنسيات، وكان الكثيرون منهم أبناء قادة عالميين وشخصيات لها وزنها السياسي· وهكذا عززت هذه التجربة من عمق رؤيته السياسية· ومنحه هذا الإنفتاح على العالم خبرة ثرية، استفاد منها خلال الأحداث الساخنة التي شهدتها المشيخات المتصالحة في النصف الثاني من عقد الستينيات، فضلا عن الظروف التي شهدها الخليج والوطن العربي لاحقاً على امتداد أربعة عقود·
قدرات مبكرة
رافق الشيخ مكتوم - منذ أوائل الستينيات، وعلى نحو منتظم - والده إلى اجتماعات مجلس المشيخات المتصالحة؛ تلك الهيئة التي تضم جميع حكام المشيخات السبع· وفي العام 1966 وإذ تولى المغفور له بإذن الله الشيخ زايد- طيب الله ثراه- مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، اتخذ النقاش- آنذاك - مساراً جدياً حول إيجاد صيغة مستقبلية توحيدية للمشيخات المتصالحة·
وبعد ذلك بنحو عامين، وتحديداً في السادس عشر من يناير من العام ،1968 أعلنت بريطانيا عن عزمها إغلاق قواعدها في الخليج العربي مع نهاية العام ،1971 ونتيجة لذلك قررت الحكومتان في كل من أبوظبي ودبي البدء في الإجراءات العملية لدفع عجلة الاتحاد المقترح·
وخلال الأسابيع الستة التي أعقبت الإعلان البريطاني، عملت المشيختان (الإمارتان) على إيجاد تسوية للمسائل العالقة بينهما، من أجل التوصل إلى الأطر الأساسية لعملية الاتحاد· وفي تلك المرحلة، بلغ الشيخ مكتوم بن راشد الخامسة والعشرين من عمره، واستطاع بتوجيهات الوالد، الذي اسند اليه العديد من المهام الأساسية في هذا الإطار، ومنها المهام التشاورية مع المغفور له باذن الله الشيخ زايد رحمه الله، التوصل في غضون الأسابيع الستة المذكورة إلى الكثير من نقاط التفاهم والالتقاء مع حكومة أبوظبي، مما يعد شهادة عملية على قدرات سموه المبكرة في مجال العمل السياسي، حيث توجت تلك الجهود، في الثامن عشر من شهر فبراير من العام ،1968 بسفره مع والده المغفور له الشيخ راشد إلى موقع صحراوي في إمارة أبوظبي بالقرب من الحدود مع إمارة دبي ليكون شاهداً على أهم الأحداث التي شهدها الساحل، لتجري الأحداث بعد ذلك متسارعةً خلال ثلاث سنوات كاملة، لعب فيها الشيخ مكتوم بن راشد أحد الأدوار الرئيسة في إطار المحاولات الدؤوبة للمّ الشمل بين المشيخات·
وفي العاشر من يوليو من عام ،1971 استضاف المغفور لهما الشيخ راشد وابنه الشيخ مكتوم، وفود المشيخات المتصالحة الست الأخرى، لعقد اجتماع مجلسها· ومما لا شك فيه أن الوساطة التي قام بها الشيخ مكتوم-رحمه الله- خلال الأشهر التي تلت ذلك بحنكته المعهودة كرجل دولة، قد أسهمت في وضع أسس الاتحاد· وفي هذا السياق، وفي الثامن من ديسمبر من العام ،1971 وقع حكام الإمارات اتفاقية دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال احتفال أقيم في دبي، حيث شهدت هذه المرحلة بزوغ شمس الشيخ مكتوم بوصفه شخصية قيادية مرموقة، لعبت أدواراً تأثيرية في جميع الأحداث اللاحقة·
أول رئيس وزراء
بعد انتخاب المغفور له الشيخ زايد، حاكم أبوظبي رئيساً لدولة الإمارات، والمغفور له الشيخ راشد نائباً للرئيس، تم في الوقت نفسه تعيين المغفور له الشيخ مكتوم أول رئيس للوزراء حيث أوكلت إليه مهمة تشكيل أول مجلس وزاري للدولة الوليدة، وقد ترأس أول اجتماع للمجلس في الثاني من أبريل العام ·1972
بقي الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم -رحمه الله- بوصفه واحداً من أبرز الرموز في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيساً للوزراء حتى العام ،1979 عندما تنحى لوالده المغفور له الشيخ راشد، ليعود بعد ذلك بأربع سنوات إلى هذا المجلس ثانيةً بوصفه نائباً لرئيس الوزراء·
وفي شهر مايو من العام ،1981 داهم المرض المغفور له الشيخ راشد، وتولى أبناؤه الأربعة مسؤولية تسيير شؤون الإمارة· لكنه -رحمه الله- رغم تحسن حالته الصحية، فضل الخلود للراحة، ليتيح أمر الإدارة الفعلية لشؤون الإمارة لنجله الشيخ مكتوم، الذي تلقى العون والمؤازرة من شقيقيه، سمو الشيخ حمدان وسمو الشيخ محمد، فكانوا جميعاً يشكلون وحدة متكاملة للحفاظ على أمانة الحكم وحسن الإدارة·
وواصل الشيخ مكتوم -رحمه الله- مهمته بالدأب ذاته، فقد أعطى جل اهتمامه للميادين التنموية كافة، بيد انه خص التعليم والقانون والنظام برعاية خاصة· كما تولى الكثير من المسؤوليات خلال فترة الثمانينيات، واكتسب شهرة واسعة كرجل برٍ وإحسان، إذ بقي كرمه البالغ أسطورة تتداول في دبي والإمارات العربية المتحدة ككل، لقيامه بتمويل العديد من المشاريع الخيرية الخاصة بالمعاقين ودور الأيتام والمعوزين في دول العالم الثالث والدول النامية، فضلاً عن عطائه السخي لدعم الكثير من المدارس ودور العلم، داخل الدولة وخارجها·
في نوفمبر من العام ،1990 وبعد رحيل المغفور له الشيخ راشد، أصبح الشيخ مكتوم نائباً لرئيس الدولة، رئيساً لمجلس الوزراء، حاكماً لدبي· ورافق عودة المغفور له الشيخ مكتوم لرئاسة الوزراء أحد أهم المشاريع التنموية طيلة العقود الثلاثة من عمر دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ تبنى -رحمه الله- برنامجاً وطنياً، يهدف إلى إنشاء آلاف الوحدات السكنية الجديدة لخدمة المواطنين من ذوي الدخل المحدود، وذلك في إطار مشاريع يتم تنفيذها في الشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة وغيرها·
تأسيس البنية التحتية
قاد المغفور له الشيخ مكتوم حكومة البلاد خلال عقد من الزمان أدى ذلك إلى إقامة مشاريع تنموية وطنية شاملة، عملت على تحسين حياة المواطنين حتى في الأصقاع والمناطق النائية التابعة للدولة· وأثمرت قيادته،على مستوى إمارة دبي، عن نشاط حيوي داخل حكومة دبي· وفي الوقت الذي كانت تتوالى فيه مشاريع البنية التحتية والمرافق العامة الواحد تلو الآخر خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، تم إنشاء مرافق رياضية، اكتسبت شهرة دولية، فضلاً عن إقامة البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية، والحدائق، والنوادي، والمكتبات العامة، ومرافئ القوارب، وغيرها من المشاريع· وإلى ذلك حققت الإمارة قفزة نوعية، بفضل جهود حكومتها، في مجال بناء شبكة طرق حديثة شاملة، وتوسعة مطار دبي الدولي، ليكون محطة إقليمية للطيران تتناسب مع المكانة الجديدة لإمارة دبي·
صورة المستقبل
في تصريح له يوم 2 فبراير 1972: قال المغفور له بإذن الله: 'إن صورة المستقبل تتوقف بالنسبة لأعمال هذه الدولة على مدى نجاح الحكومة الاتحادية في تحقيق الأهداف التي من أجلها أنشئت هذه الدولة، وبما أن الحكومة الاتحادية عازمة على بذل كل جهد لتحقيق هذه الأهداف في أقرب وقت ممكن، فإنني مؤمن بأن صورة المستقبل للدولة، ستكون صورة مشرقة لدولة عربية اتحادية قوية ومزدهرة، تساير الركب العربي في مسيرته نحو أهداف أمته العربية الخالدة· إن الأهداف الرئيسة التي أرجو أن يوفقنا الله لتحقيقها، هي: تحقيق أهداف الاتحاد التي نص عليها دستوره، وهي الحفاظ على استقلاله وأمنه وسيادته واستقراره ودفع كل عدوان على كيانه أو كيان الإمارات فيه، وحماية حقوق وحرية شعب الاتحاد، وتحقيق التعاون الوثيق فيما بين إماراته من أجل ازدهارها وتقدمها في المجالات كافة، وتوفير الحماية الأفضل لجميع المواطنين'·

اقرأ أيضا