الاتحاد

الرئيسية

رحمك الله أبـا سـعـيد

رحل رجل العطاء والوفاء والإخلاص في هدوئه المعروف وتواضعه الجم وزهده في الحياة، نعم رحل عنوان الكرم ورمز البساطة، ونموذج الإخلاص الوطني، رحل مكتوم بن راشد آل مكتوم، بلا ضجيج ولا صخب· آثر أن يترجل في هذه اللحظة الفارقة من عمر الزمن فارساً كعادته، معطاء كعهد الوطن به، جواداً بلا حدود، فقد اختاره الله تعالى إلى جواره في العشر الأوائل من ذي الحجة التي يشد فيها الحجيج رحالهم إلى بيت الله العتيق لا يلوون على شيء من حطام الدنيا الفانية·
فالذين يعرفون مكتوم بن راشد عن كثب يدركون حجم الفجيعة التي نكب بها الوطن، والذين عاصروا سنوات الكد والتعب للرجل يعرفون جيداً أن الرجل من هذا النوع من القادة العظماء الذين سطر التاريخ أمجادهم ووقف عندها كثيراً، والمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم طيب الله ثراه كان نموذجاً فريداً من هؤلاء القادة الذين رسموا المستقبل قبل أن يحين موعده، فقد شاد مكتوم بن راشد نهضة عمرانية كبيرة وغير مسبوقة في المنطقة والشرق الأوسط من خلال تجربة إمارة دبي في التنمية العمرانية، وهي التجربة التي آتت أكُلها في سنوات وجيزة من عمر الزمن وبهرت القاصي والداني، وسجلت ولا تزال معلماً بارزاً لقدرة الإمارات الوطن والقيادة والشعب على مواكبة تحديات القرن الواحد والعشرين·
وقد اكتسب المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد من المرحومين الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن سعيد كثيراً من مقومات القيادة، وتابع عن كثب جهودهما في النهوض بالإمارات في ظروف ومتغيرات تاريخية صعبة، ونهل الرجل من خبراتهما منذ نعومة أظافره فاكتسب سمات القيادة وتمرس في دروبها، وشارك في رسم ملامح نهضة الوطن في أكثر من موقع ومجال·
لقد أدرك مكتوم بن راشد منذ الصغر أن التاريخ لا يقف إلا عند أعمال العظماء ولا يوثق إلا منجزات تفخر بها البشرية، ومن هنا عاهد نفسه ألا يترك للصدفة دوراً في قراره وفكره، أدرك القائد الراحل أن العالم يعيش ثورة عارمة من المعرفة والتقدم العلمي وأن من لا يتابع هذه الثورة لن يكون له مكان تحت الشمس، ومن هنا جاءت استراتيجية النهوض بإمارة دبي التي دشنها مكتوم والتي حرص فيها على أن تجمع بين الأصالة والمعاصرة·
أخذ القائد من العصر ومنجزاته العلمية ما يناسبنا كمجتمع عربي مسلم يفخر بهويته وانتمائه، وحفظ من الأصالة عناصرها الأصيلة من التراث والتاريخ والعادات والتقاليد والقيم الأصيلة·
لم تكن تجربة مكتوم بن راشد بعيدة في مضامينها الحضارية عن منجزات القائدين زايد وراشد، بل كانت من صميم النسيج الحضاري الذي أراده كل منهما للوطن، فدبي الحديثة التي يحلم بها مكتوم كانت هي نفسها حلم المرحوم الشيخ راشد، والإمارات المزدهرة التي يبذل لأجلها مكتوم الجهد والعرق هي نفسها حلم المرحوم الشيخ زايد، ذلك القائد الرمز الذي سطر على وجه الرمال صورة زاهية لإمارات حديثة ومتطورة تواكب القرن الواحد والعشرين·
وفي هذه اللحظات الصعبة التي كتب الله علينا أن نحياها فإن عزاء دولة الإمارات العربية المتحدة والأمة العربية والإسلامية، بل والعالم قاطبة في رحيل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم هو في وجود هذه القيادة الرشيدة التي تأخذ بالإمارات إلى مصاف الدول المتقدمة واستمرار عطائها للوطن والمواطن، حاملة رسالة الآباء والأجداد العظماء ماضية على درب البذل والعطاء، والمتمثلة بصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي، واخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات وأخيهما الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة·
رغم لوعة الفراق ستظل الإمارات وطناً للعطاء وأرضاً خصبة للقادة الذين يكتبون التاريخ بمنجزاتهم العظيمة، رحم الله شيخنا مكتوم بن راشد آل مكتوم وأسكنه فسيح جناته، وحفظ الله الإمارات وطناً وقيادة وشعباً من كل مكروه إنا لله وإنا إليه راجعون ·

اقرأ أيضا

محمد بن زايد وبوتين يشهدان تبادل اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين البلدين