الاتحاد

دنيا

حاتم الرواشدة··عاشق التحدي الطبي

عمان - توفيق عابد:
كفاءات تنحني لها الهامات في عالم حافل بالمنافسة والتحدي، وعقول وجدت الأجواء العلمية المناسبة، فأبدعت ووضعت الأردن وإنجازاته المتعاظمة ليس على الرقعة العربية فحسب بل على خريطة الشرق الأوسط عامة، وأثبتت مجددا أن الإنسان الباحث هو كنز الوطن الحقيقي وليس أي شيء آخر·
وما حققه الدكتور حاتم الرواشده استشاري جراحة العظام والكسور اختصاصي جراحة عظام الأطفال وإعاقات الأطراف وخلع الولادة يثير الإعجاب والتقدير، فقد استطاع بعلمه وخبرته وكفاءته الطبية إجراء عملية نادرة في المنطقة لطفلة تعاني من تشوه خلقي نادر (نقص النمو الخلقي) في الورك وعظمة الفخذ·
وقد فاز الدكتور الرواشده بكأس التميز الطبي الأردني للعام 3002، وهو من الأطباء الذين يعملون على ترميم التشوهات الخلقية وإعاقات الأطراف لدى الأطفال والكبار، ويركز حاليا جهوده على الإصابات الرياضية حيث استطاع بنجاح معالجة أحد أبطال كمال الأجسام في الأردن الذي كان يعاني من تمزق احد الأربطة، وأجرى عملية ناجحة للاعب كرة القدم بلال الهواري الذي أصيب بتمزق في أربطة الكعب·
وبعد إجراء العملية للطفلة 'آية البشابشة' 4 سنوات بهدف إطالة طولها 41 سنتمترا، ونجاحه في ذلك، حيث تحقق حتى الآن زيادة حوالي '8' سنتمترات، وهي اول عملية تتم بنجاح في منطقة الشرق الأوسط، التقينا الدكتور الرواشده لتسليط الأضواء على هذا الإنجاز الطبي الكبير·
خيارات محدودة
يقول الدكتور الرواشده لـ 'دنيا الاتحاد': 'أشرفت على علاج الطفلة آية البشابشة منذ الشهور الأولى لولادتها وكانت تعاني من تشوه خلقي نادر هو 'نقص النمو الخلقي' في الورك وعظمة الفخذ، كما تعاني من فقدان خلقي لعظمة الشظية اليسرى وآخر لمنتصف عظمة الفخذ وعدم اتصال بين عظمة الفخذ ورأس العظمة المتركزة في الحوض مع تشوه في الورك·
الخيارات المطروحة حتى في الكتب الطبية اليوم هي إما بتر القدم او الساق او تدوير عظمة الساق 081 درجة او وضع أجهزة مساندة 'أطراف اصطناعية' او تبقى الطفلة معاقة، وكان هناك أمل في بعض المراكز الطبية العالمية وخاصة في كورغان بروسيا او الولايات المتحدة حيث تجرى عمليات تطويل لعظمة الفخذ وترميم الورك على عدة مراحل معظمها باستخدام جهاز 'اليازاروف' الروسي'·
ويضيف الدكتور الرواشده قائلا: 'وبالنسبة للطفلة آية فقد عرضت على معظم أطباء العظام في الأردن ولم تجد أملاً في علاج شاف وقريب للمعقول، لكن عندما حضرت الى العيادة برفقة والديها أجريت لها عدة عمليات جراحية ترميمية منذ اكثر من سنتين حول الكعب والساق والورك· وعندما بلغت من العمر أربع سنوات كان النقص في طول عظمة الفخذ حوالي النصف مع عدم التحام لعظمة الفخذ مع رأسه، وكان لا بد من إعطاء أمل لهذه الطفلة وقمنا بإجراء عملية جراحية كبيرة وترميمية كاملة للورك الأيسر في مستشفى الاستقلال الذي وفر كل ما يلزم لإجراء هذا النوع من العمليات'·
يضيف الرواشدة: 'اذا أردت تفاصيل العملية للاختصاصيين فيمكن القول إننا قمنا بترميم منطقة الورك وتوصيل الرأس بساق عظمة الفخذ وتثبيته بواسطة سيخ لولبي مع قضيب معدني يمر من خلال النخاع العظمي، ثم وضعنا جهاز 'اليازاروف' الروسي، وقصصنا العظمة لغايات التطويل من فوق الركبة· وهناك عمليات فنية أخرى·
ثورة طبية
وكما يقول الدكتور الرواشده فهي العملية الأولى - حسب علمه - من نوعها في منطقة الشرق الأوسط، ولم أجد على مستوى عالمي أنها قد أجريت بهذه الطريقة، وحققت النتائج المرجوة· ويمكن اعتبارها ثورة طبية في منطقة الشرق الأوسط· صحيح انه يمكن ان يطول العظم بواسطة جهاز 'اليازاروف' والقضيب المعدني داخل النخاع العظمي، وهناك من يمد الجهاز المذكور الى الحوض مع وضع برغي في عمق عظمة الفخذ لكنني لم أجد ان هذه العملية أجريت من قبل بهذه التركيبة المتكاملة'·
وقلنا للدكتور الرواشده ماذا تحقق حتى الآن للطفلة آية البشابشة فأجاب: 'بعد ثلاثة شهور من إجراء العملية تم تطويل الطفلة '8' سنتمترات من الـ (41) التي تنقصها وهي نتيجة ايجابية جدا، ولذلك فقد شارفت المرحلة الأولى على الانتهاء وهي تحتاج الى مرحلة او اثنتين في المستقبل· ونستطيع القول ان المرحلة الأولى من العملية قد نجحت، والطفلة استطاعت المشي بعد خمسة أيام من إجراء العملية بمساعدة دعامات طبية'·
ويضيف: 'بكل تواضع، ان نجاح العملية قد فجر ثورة طبية في منطقتنا، سوف تساهم في حل الكثير من المشاكل الطبية وتقوية مركز الأردن الطبي على مستوى شرق أوسطي كما أعطى الإنجاز أملا لكثير من الأطفال المعاقين حركيا· فالطب يتقدم، ويكتشف طرقا حديثة بعزائم وطنية لإجراء كثير من العمليات الدقيقة والمعقدة بنجاح'·
لم استشر أحداً
وسألنا الدكتور الرواشده فيما اذا كان استشار احد المراكز العالمية بهذا الشأن فقال: 'لم أقم بالاتصال مباشرة مع أطباء معينين في الخارج لكنني استأنست برأي أطباء دربوني في بريطانيا لكنهم لم يستخدموا نفس التكنيك 'الطريقة الطبية'· والطريف وجود طفلة أردنية مشابهة في أدنبرة حاليا، وكان الدكتور الذي دربني هوMr. Macnicol قام بتطويل الطفلة لسنتمرات قليلة باستخدام جهاز غير 'اليازاروف' وتوقف عن التطويل لعدم ثبات مفصل الورك· وقبل عودتي الى الأردن منذ ثلاث سنوات قلت له بأن لا يبتر ساق الطفلة لأنه يوجد حلول طبية لهذه الحالات في المستقبل ولا ادري ماذا حصل بعد ذلك· ومنذ ذلك الوقت بدأت التفكير بطريقة طبية لحل مشكلة مفصل الورك الى ان اهتديت الى مد جهاز 'اليازاروف' الى الحوض· وبالنسبة لأجور العملية فهي لا تتجاوز '8' آلاف دولار أي ما يعادل أربعة آلاف دينار في حين تقدر تكاليف العمليات المشابهة في الخارج بما لا يقل عن 03 ألف دولار·
لكن مثل هذا المبلغ يعتبر باهظاً بالنسبة إلى الكثيرين وهناك الكثير من المعاقين حركيا ممن ينتظرون من يمد لهم يده بالمساعدة المالية، ولذلك اقترح إيجاد صندوق خاص لمساعدة الأطفال المعاقين طبيا ومنها إجراء عمليات جراحية نادرة ومعقدة اذا دعت الضرورة للتخفيف عن الأهل، ومن جهتنا سوف نحاول بكل ما نقدر أن نخفف من الأجور الطبية، والاتفاق مع بعض المستشفيات الخاصة لتخفيض التكاليف سيما اذا عرفنا ان عشرات الأطفال ينتظرون إجراء عمليات مشابهة لكن ضيق ذات اليد يمنعهم من ذلك، وقد تقدموا بطلبات للجهات الرسمية في الأردن لتحمل النفقات·
سعادة وحسد
وسألنا الدكتور الرواشده عن ردود فعل الأسرة الطبية وخاصة الزملاء في التخصص بعد هذا الإنجاز المتميز فأجاب: 'حقيقة ان هناك من الأطباء من فرح وبعضهم لم يكترث وآخرون نظروا الى النجاح الذي تحقق بعين حاسدة، ومنهم من حارب بكل ما أوتي من قوة، لكنني أقول بكل تواضع انه في النهاية لا يصح الا الصحيح، فلن التفت لأي حرب تشن باتجاهي، وسأواصل عطائي بقوة لمساعدة هذه الشريحة من الأطفال المحتاجين· واخطط الآن لمزيد من البحوث المحوسبة، فأنا أعشق التحدي الطبي، والحمد لله تعالى نجحت حتى هذه اللحظة نجاحا باهرا· ومنذ عودتي أجريت حوالي (0002) عملية جراحية، وأشعر بمتعة كبيرة في مساعدة المرضى المحتاجين وخاصة عندما أرى نجاح العملية والبسمة على وجوه المرضى وذويهم·
وقلنا للدكتور الرواشده هل تعاني من غيرة النجاح فأجاب: بصراحة أعاني أحيانا، ولكن في أحيان أخرى أحاول تجاوز هذه المشاعر السلبية للتخفيف من معاناة الآخرين او المصابين بداء الغيرة، وانصح الغيورين بأن تتحول غيرتهم الى غبطة وان يشحذوا الهمم لنسير معا نحو تحقيق إنجازات طبية أخرى·
وردا على سؤال عن أسباب عودته من بريطانيا حيث النجاح والحياة الرغدة والهادئة قال: 'حبي لوطني، وشوقي لأهلي، وقناعتي بأن الأردن هو ارض الحشر والرباط ولا بد ان يكون الإنسان موجودا على أرضه يصيبه ما يصيب أهله من شر او خير ورغبتي في خدمة وطني ووضع خبراتي بين يديه، هي أهم الأسباب التي أعادتني إلى الأردن الحبيب· وقد أجدها مناسبة لأدعو العقول المهاجرة في بلاد الاغتراب الى العودة الى الوطن فهو الأولى بالرعاية والخدمة والاهتمام· وأحب ان أطمئن الجميع بأن مستوى حياتي لم يتغير ودخلي لم يتأثر كثيرا وأعيش الآن بين أهلي وأصدقائي وأبناء وطني· وأود الإشارة الى أنني واجهت في البداية صعوبات لكنني كنت قد وطدت العزم على العودة النهائية إلى الوطن، ولهذا درست كافة الظروف بعقلانية وموضوعية ووضعت خططا بديلة لتكون عودتي الى وطني نهائية مهما كانت الصعاب'·

اقرأ أيضا