تقارير

الاتحاد

مخاطر الحكومة الشعبية

مازالت التحولات الديمقراطية في بلاد الربيع العربي لم تستكمل شروط التطور بعد، بل أن بعضها يواجه مصاعب داخلية في فهم ماذا يريد محركوه من الديمقراطية إن تحققت لمجتمعاتهم. وفي ظل هذا المخاض العسير، علينا أن نقر بأن المجتمعات العربية في معظمها تمر بمراحل عسيرة وصراعات مريرة، لأن هذه التحولات هي صراع بين الطبقات الاجتماعية، فالتطور المشوه في البلاد العربية أفرز لنا طبقة من ذوي النفوذ من أصحاب رأس المال، وهذه الطبقة استطاعت أن تشكل حكومات وترسم سياسات لمصلحتها وتحاول أن تجهض أي محاولة للحد من تحالفاتها العابرة للقارات. فالصراع إذن هو في حقيقته إنما يدور حول امتيازات غير مشروعة تحققت على حساب الشرائح الاجتماعية الأخرى.
واليوم تظهر في الكويت مطالب بالرئاسة الشعبية. ورغم أن للبلاد تاريخاً من التطور الديمقراطي، إلا أن هذا التطور يمر بمخاض عسير وهو لا يخرج عن صيغ تحالفات أصحاب النفوذ وذوي المصالح. لكن الخطورة تكمن في أن الانزلاق نحو حكومة شعبية، ينبع من اعتقاد خاطئ بأن الديمقراطية تستكمل شروطها وصورتها برئاسة شعبية. وهذا التحول الذي ينادي به البعض يعي بأن الحالة الكويتية تنعكس على دول الخليج العربية الأخرى، والتي تشعر بالضيق من تحولات سريعة وغير مدروسة، بينما ننسى حقيقة أن "المملكات الدستورية" العربية لم تصل بعد إلى الصيغة الديمقراطية المشابهة لها في الغرب. وهذا ما يجعلنا نفكر بخطورة الدفع نحو حكومات شعبية دون أن تواكب مجتمعاتنا التطور الطبيعي للعلاقة بين المواطن والدولة. فهذه العلاقة مازال يشوبها الخلل، حيث يعتمد المواطن على الدولة في كل شيء تقريباً. بمعنى أن الديمقراطية تتطور بفعل القوى المدنية الناضجة التي تعي أهمية التوازن بين المكونات المختلفة، وهذا ما تفرضه الديمقراطية لو آمنا بمشروعها دون تشويه.
الحكومة الشعبية لن تقضي على مشاكلنا في الكويت، ولن تحل جميع أزماتنا، بل قد تتعقد الأوضاع لو سرنا نحو حكومة شعبية دون الأخذ بالاعتبار طبيعة الوضع الاجتماعي والثقافي المعقد الذي مازال يعاني من انقسامات اجتماعية حادة عطلت ومازالت تعطل مشروع المواطنة وقيم الولاء والانتماء المتفق عليها. صحيح أن الديمقراطية تستكمل عبر تشكيل الأحزاب السياسية والحكومة المنتخبة، لكن قراءة واقع الحكومات الشعبية في دول المملكات الدستورية يمكننا من استنباط ما هو قادم.
القضية الأساسية التي تحرك مثل هذه المطالب، كما يظهر لنا، هي تنامي شبكات الفساد وقدرتها على تشكيل أطر الدولة وهيكليتها، وهذا لن ينتهي بحكومة شعبية، بل ستظهر أشكال جديدة من الفساد تعطل مسيرة التنمية. وهذا ما ينبغي استيعابه وأن يدفع الكثيرين لأن يبادروا نحو تحقيق إصلاحات ملموسة تحد من تفشي الفساد وخصوصاً ذلك المدعوم رسمياً بشكل أو آخر.
أزمتنا في الكويت تتجسد في غياب الرؤية المستقبلية من جانب، وفي الصراعات الخفية والدافعة لإفشال أي حكومة، لأن أطراف الصراع لا تعي خطورة صراعها وانعكاساته الشعبية.
وفي ظل هذه الأوضاع غير المنضبطة، على النظام أخذ المبادرة نحو تأطير الصراع وتهذيبه لكي لا يعصف بمكونات الدولة ويدفع بها نحو منزلقات خطيرة.
ثمة حقائق اجتماعية على أرض الواقع، منها تغيير التركيبة الاجتماعية للمجتمع وظهور قوى اجتماعية جديدة تمثل المجتمع. وهي قوى تخرج عن نطاق تحالفات من هم داخل السور. وهذه هي الحقيقة التي يجب فهمها، ومن ثم فعلى الدولة أن تقدم مشروعها الوطني الاندماجي القائم على قوة القانون وأسس العدالة الاجتماعية. ومثل هذه الخطوة ستحسب للحكم باعتباره القوة المحايدة والحامية لجميع المصالح الوطنية للمجتمع.


د.علي الطراح
سفير الكويت لدى اليونسكو - باريس

اقرأ أيضا