الاتحاد

تقارير

حروب أكبر من المقاس!

تخوض ''حماس'' ثلاث حروب في وقت واحد، تتداخل فيما بينها، وتتطلب كل منها قدرات عسكرية وسياسية عالية وإمكانات تنظيمية متقدمة وظروفاً موضوعية مواتية، وهي جميعها لا تمتلكها الحركة ولا تتوافر لها، ومع ذلك تصر على أن تكمل صراعها على الجبهات الثلاث فيما يشبه الانتحار، وهذا ليس بعيداً كثيراً عن أيديولوجيتها، لكنها تجر معها إلى القرار شعباً بأكمله، سواء منه المنكوب في غزة أو المحاصر في الضفة الغربية، وتلحق الأذى بقضية بُذلت دماء كثيرة من أجل أن تصل إلى ما هي عليه اليوم·
ومفهومٌ أن الحرب الأولى هي تلك الدامية مع إسرائيل، وهي حرب مشروعة ضد قوة احتلال، لكن التوقيت والأسلوب اللذين يفترض أن يحدثا فرقاً، لا يحتلان، على ما هو واضح، حيزاً كبيراً في تخطيط الحمساويين وتوقعاتهم واستراتيجيتهم، فالحركة تخوض حرباً ليست من طبيعة حركات النضال، ولا تخدم البيئة التي يفترض أن تكون رافداً بشرياً ومعنوياً وسياسياً لها· فبعد أن أخذت ''حماس'' بالقوة دور السلطة الوطنية في القطاع وطردت ممثليها منه، صارت هي المسؤولة عملياً عن أمن مليون ونصف مليون فلسطيني يقيمون فيه، سواء أكان هؤلاء من مؤيديها أم من المواطنين العاديين، فهل فكرت الحركة فيهم عندما قررت وقف العمل بالتهدئة، وهل ناقشت احتمالات الرد الإسرائيلي على صواريخها؟ وهل رجعت إلى سكان القطاع تسألهم رأيهم في مصيرهم، أم اعتبرت نفسها الناطق الوحيد باسمهم، وأنه يمكنها بالتالي أن تقرر عنهم؟ وهل يكفي أن تتوجه الحركة إلى أهالي غزة بخطاب ديني تعبوي أشبه بخطب المساجد لكي تعفي نفسها من المسؤولية والمساءلة·
مضت ''حماس'' في المواجهة مع القوات الإسرائيلية عندما كانت هذه لا تزال تحتل غزة، وعندما كانت هي قوة ''غير مرئية''، مثلما هو مفترض في مثل هذه الحركات· لكنها لم تأخذ في الاعتبار ما استجد من مسؤوليات على عاتقها حين استولت على السلطة في غزة بالقوة، فواصلت حربها بالطريقة نفسها، من دون تعديل أو تكييف تكتيكها واستراتيجيتها، لأنها كان يفترض أن تعرف أن عدوها سيستهدف المدنيين عمداً ويستخدمهم وسيلة للضغط عليها·
أما الحرب الثانية التي تخوضها الحركة فتطال الفلسطينيين أنفسهم، بدءاً بالانقلاب الدموي في غزة، وصولاً إلى اعتبار أنها باتت، بعد العدوان الإسرائيلي الحالي، السلطة ''الشرعية'' الفلسطينية الوحيدة، كما ورد على لسان قياديين فيها· أي أنها تريد عملياً شطب تاريخ طويل من النضال الفلسطيني وإقصاء أي طرف، حتى بحجم حركة ''فتح''، لا ينسجم مع مبدأ ''المواجهة المستمرة'' الذي تدعو إليه بعبثية مغامرة· وكأن تاريخ المقاومة الفلسطينية يبدأ معها وينتهي بها، ولذا لا ترفض فقط عودة هيئات السلطة إلى القطاع وإدارتها للمعابر، بل تطالب بحصة في إدارة الضفة الغربية أيضاً·
وحرب ''حماس'' الثالثة هي حرب المحاور الإقليمية· فقد آثرت الحركة التي تمثل قسماً من الشعب الفلسطيني أن تنضم إلى المحور السوري- الإيراني في وجه قوى الاعتدال العربي، لكن حلفاءها المفترضين لم يقدموا لها في المواجهة الحالية مع إسرائيل سوى التأييد اللفظي، من دون فعل ما يخفف الضغط عنها· وعلى رغم ذلك فهي ماضية في رفض المبادرة المصرية التي تسعى إلى تأمين وقف لإطلاق النار ينقذ ما تبقى من غزة، بزعم أنها ''منتصرة'' ولا تقبل بشروط تظهرها مهزومة· والراهن أن ''حماس'' مصرّة على مواصلة حروبها الثلاث إلى ما لا نهاية، وبأي ثمن كان، لكنها، مثلما هو واضح على الأرض، حروب أكبر منها بكثير·

حسان حيدر
كاتب ومحلل سياسي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كومون جراوند

اقرأ أيضا