الاتحاد

تقارير

تركيا··· مؤشرات الخروج عن المسار الغربي

حكومة أردوغان: سياسات جديدة لا تنسجم مع الغرب

حكومة أردوغان: سياسات جديدة لا تنسجم مع الغرب

تركيا دولة إسلامية ذات وضع خاص: فمن بين الخمسين دولة في العالم ذات الأغلبية الإسلامية، فإن تركيا هي الدولة الوحيدة العضو في ''الناتو''، والدولة الوحيدة المنخرطة في مباحثات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كما أنها دولة ديمقراطية ليبرالية، لديها علاقات طبيعية مع إسرائيل· لكن تركيا تحت قيادة حزب ''العدالة والتنمية''، بدأت تفقد ذلك الوضع الخاص· فالاتجاهات الليبرالية في سياستها آخذة في التلاشي، ومباحثاتها الخاصة بالانضمام للاتحاد الأوروبي توقفت، وعلاقاتها مع الدول المناوئة للغرب مثل إيران تحسنت، في الوقت الذي تتدهور فيه علاقاتها الطبيعية مع إسرائيل· ففي يوم الخميس الماضي، على سبيل المثال، انسحب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من إحدى مناقشات قمة ''دافوس'' في سويسرا، بعد أن دخل في مشادة مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، اتهم فيها إسرائيل بـ ''قتل الفلسطينيين''· وإذا ما أخفقت تركيا في تلك المجالات، أو تخلت عن التزاماتها تجاه البنى عبر الأطلسية كـ''الناتو'' على سبيل المثال، فإنها يجب في تلك الحالة ألا تتوقع أن يعاملها الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما على أنها الدولة الإسلامية المفضلة بالنسبة لأميركا·
لفهم الأسباب التي دعت إلى ذلك، ينبغي النظر إلى الوضع الداخلي في تركيا، وتأثيره على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي· فعلى الرغم من أن تركيا، كانت قد بدأت مباحثات الانضمام للاتحاد الأوروبي، فإن قطار هذه المباحثات قد توقف الآن· وعلى الرغم من أن معارضة فرنسا لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي قد أدت إلى إبطاء هذه العملية، فإن تراجع حزب ''العدالة والتنمية'' الحاكم في تركيا عن القيم الليبرالية، أمر لا يمكن إغفال تأثيره السلبي في هذا الشأن· فبعد ستة أعوام من حكم حزب ''العدالة والتنمية'' أصبح الشعب التركي أقل حرية، وأقل إحساساً بالعدالة، حسب الأنباء والتقارير الصادرة عن حرية الإعلام والمساواة بين الجنسين·
ففي إبريل عام ،2007 على سبيل المثال، مرر حزب ''العدالة والتنمية'' قانوناً عرف بـ''قانون الانترنت'' في البرلمان، أدى إلى فرض حظر على موقع ''يوتيوب'' وجعل من تركيا الدولة الأوروبية الوحيدة التي تحرم الوصول إلى ذلك الموقع الذي يحظى بإقبال كبير· يُضاف إلى ذلك أن ترتيب تركيا- حسب مؤشر تنمية المساواة بين الجنسين الذي يصدره البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة- قد انحدر من المركز الـ63 عام ،2002 وهو العام الذي تولى فيه حزب ''العدالة والتنمية'' الحكم، إلى المركز الـ90 الآن، وهو ما يجعلها متأخرة في الترتيب حتى عن بعض الدول المعروفة بتشددها حول هذا الموضوع·
وهناك أيضاً موضوع السياسة الخارجية· فلو أخذنا وضع تركيا باعتبارها عضواً في ''الناتو'' وحليفاً للولايات المتحدة، فإننا سندرك أن تقارب أنقرة مع طهران قد مضى إلى حدود بعيدة منذ عام ،2002 لدرجة أنه قد أصبح من المشكوك فيه أن تقف تركيا في صف الولايات المتحدة في نزاعها النووي مع إيران· يشار هنا أيضاً إلى أن التزام حزب ''العدالة والتنمية'' بمواقف واشنطن تجاه المسائل الأخرى أضعف من حيث الدرجة من التزامها بموقفها بشأن ملف إيران النووي·
يشمل ذلك موقفها من ''حماس'': فخلال العملية الإسرائيلية الأخيرة في غزة، ذهب أردوغان في تأييد موقف ''حماس'' إلى حد القول إنه يود تمثيل ''حماس'' في المحافل الدولية· وقبل ثلاثة أيام من اجتماع مصر والأردن والسعودية، وهي الدول العربية المعتدلة الحليفة لواشنطن في الكويت في التاسع عشر من يناير لمناقشة إنهاء الصراع في غزة، التقى مسؤولون أتراك بمسؤولين من سوريا والسودان في قطر في محاولة للفت الأنظار وسرقة الأضواء من المعتدلين· والشيء الذي يدعو إلى الدهشة هو أن تركيا تتخذ في الوقت الراهن موقفاً من الصراع العربي ـ الإسرائيلي أكثر تشدداً من دول عربية كبرى·
لسنوات طويلة كانت لتركيا علاقات طبيعية مع إسرائيل في المجالات العسكرية والثقافية والتجارية والسياحية· ولم يؤكد الأتراك على عامل الدين والأيديولوجيا في علاقاتهم مع الدولة اليهودية، وهو ما جعل سكان الأخيرة لا يجدون مشكلة في زيارة، وإجراء صفقات تجارية، وقضاء النزهات في تركيا· ومن المؤكد أن تصريحات أردوغان الأخيرة المناوئة لإسرائيل -والتي ذهب فيها إلى حد الدعاء بمعاقبة إسرائيل- سوف تجعل من العلاقات الطبيعية السابقة شيئاً من الماضي·
يُشار كذلك إلى خروج ما لا يقل عن 200 ألف تركي إلى شوارع اسطنبول في جو شديد البرودة للتظاهر والدعاء على إسرائيل بالموت، وكذلك تعرض فريق فتيات إسرائيلي للكرة الطائرة للهجوم من قبل مشجعين أتراك في السابع من يناير الماضي كانوا يهتفون بهتافات معادية لليهود·
إن تآكل القيم الليبرالية في تركيا تحت حكم حزب ''العدالة والتنمية''، يساهم في إقصاء تركيا عن الغرب· وإذا ما تم تأسيس السياسة الخارجية التركية على التضامـــن مع الأنظمة والقضايا الإسلامية، فإن أنقرة قد لا يمكنها في هذه الحالة أن تنتظر من الغرب أن ينظر إليها كحليف جاد في ''الناتو''· على المنوال نفسه إذا كان حزب ''العدالة والتنمية'' سيمارس التمييز ضد النساء، ويتخلى عن علاقاته الطبيعية مع إسرائيل، ويحد من الحريات الإعلامية، أو يفقد اهتمامه بالانضمام لأوروبا، فإنه لن يتمكن من جعل نفسه حليفاً مفضلاً للولايات المتحدة· كذلك، إذا ما واصل أردوغان خدمة أجندة ''غير ليبرالية'' في الداخل التركي، وأخرى دينية في مجال السياسة الخارجية، فإن تركيا لن تبقى كما كانت في السابق دولة إسلامية ذات وضع خاص، وهو أمر يدعو للأسف في الحقيقة·

سونر كاجابتاي
زميل رئيسي في معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا