الاتحاد

ألوان

التكافل ?الاجتماعي ?في ?الإسلام

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أجمعين... وبعد:
إن السعي على مصالح الناس والعمل على قضاء حوائجهم من أسمى الطاعات وأفضل العبادات وأعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى، فقد أمرنا ديننا الإسلامي الحنيف بضرورة التعاون على البر والتقوى، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان} (سورة المائدة الآية 2)، كما ضرب رسولنا، صلى الله عليه وسلم، للمؤمنين مثلاً يُعرفون به ويحرصون عليه، في قوله، صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (أخرجه البخاري)، وقوله، صلى الله عليه وسلم، أيضاً: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً) (أخرجه الشيخان)، أولئك هم المؤمنون حقاً، الذين يتعاونون فيما بينهم على البر والتقوى، ويحرصون على بذل المعروف وإغاثة الملهوف، وتفريج الكربة عن المكروب، ولا يفعلون شيئاً من ذلك إلا ابتغاء وجه الله ورضوانه، لا يريدون من أحدٍ على ما يصنعون جزاءً ولا شكوراً.

فضل التضامن في الإسلام
من المعلوم أن التضامن في الإسلام هو نظام كامل متكامل وشامل، يسعى إلى تحقيق العيش الكريم لكل فرد في المجتمع -سواء كان مسلماً أو غير مسلم-، وليس أدل على ذلك ممَّا ذكرته كتب السيرة، أن أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، رأى شيخاً متوكئاً على عصاه وهو يسأل الناس، فسأل عنه، فقيل: إنه كتابي، وفي رواية -نصراني- فقال: «خذوا هذا وضرباءه إلى بيت المال، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته وتركناه عند شيبه» (كتاب الخراج لأبي يوسف). فإذا ما حلَّ بالمجتمع غلاءٌ أو حاجة، فإن من الواجب على المسلمين أن يتعاونوا على سَدّ حاجة المحتاجين ويتكاتفوا لقضاء حوائج الفقراء والمساكين، فقد أثنى رسولنا، صلى الله عليه وسلم، على الأشعريين الذين كانوا في وقت الحاجة يتضامنون فيما بينهم، يتضامن صاحب السعة مع المحتاج، كما جاء في الحديث الشريف عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: (قَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ) (أخرجه البخاري).

فضل حُسْن المعاملة والتجاوز عن المُعْسرين
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (إِنَّ رَجُلاً لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ؛ لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى، أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَمَّا هَلَكَ، قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لا، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لِي غُلامٌ، وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا بَعَثْتُهُ لِيَتَقَاضَى، قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ؛ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ اللَّهُ، تَعَالَى: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ) (أخرجه النسائي).
يتبين لنا من خلال الحديث السابق فضل المسامحة والتجاوز عن الناس خصوصاً المدينين، وجزاء المعاملة الحسنة مع الناس، كما نتعرف على رحمة الله، سبحانه وتعالى، بعباده المحسنين، حيث تجاوز عن هذا الرجل بما تجاوز به عن عباد الله المعسرين، فالله سبحانه وتعالى، لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فمن كان متسامحاً مع الآخرين رحيماً بهم يُقَدّر ظروفهم المعيشية، كان الله سبحانه وتعالى رحيماً به متجاوزاً عنه يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فالجزاء من جنس العمل.

فضل قضاء حوائج الناس
جاء في الحديث عَنِ ابن عمر، رضي الله عنهما، أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخي فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لهُ، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ) (أخرجه الطبراني في المعجم الكبير).من المعلوم أن ديننا الإسلامي الحنيف، جعل من أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى إدخال السرور على الناس، وأحب الناس إلى الله سبحانه وتعالى هو أنفعهم للناس، حيث إنه يساعد الناس، فلا يأتيه مريض أو فقير أو محتاج إلا أعانه، فهو يقضي حوائجهم وَيُفرّج كرباتهم ويغيث الملهوفين منهم، فقضاء حوائج الناس وتنفيس الكربات وفعل المعروف وعمل الخير، صفات كريمة ينبغي على المسلم أن يتحلى بها. فما أحوج أبناء أمتنا إلى التراحم والتكافل فيما بينهم، بأن يعطف الغني على الفقير ويرحم القوي الضعيف، فنحن أبناء أمة واحدة، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اقرأ أيضا

ترامب يوقع أمراً تنفيذياً لدعم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي