الاتحاد

دنيا

عبارات هزّت كراسي الفصول

في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لم نكن نجد أمامنا سوى طاولات الفصول، وهوامش الكتب، وجدران المنازل، وأبواب حمّامات المساجد، لنعبّر عليها عن أنفسنا.
لم تكن الصحف تنشر لنا، وكان الأستاذ هو الذي يحدد موضوعات التعبير: اليوم يا خرفان اكتبوا عن دور المعلم في التربية قبل التعليم، واليوم تكتبون عن أثر الشجرة في حياتنا، وبعض المعلمين كانوا نوادر ويتركون الخيار لنا والطماطم الحمراء لهم.
فسحة التعبير الوحيدة في المدرسة كانت في يوم امتحان اللغة العربية، إذ تُخيّر بين موضوع عن الانتفاضة، أو يوم الاتحاد، أو موضوع تعبير من اختيارك. ولأن الموضوعين الأولين مضمونان، وليس بإمكان المصحح أن يبخسك درجاتك وأنت تكتب نقلاً عن افتتاحيات الصحف في هذين الموضوعين، فإن الموضوع الاختياري لم يكن مطروحاً في سوق المذاكرة الجماعية وفي مزادات إعداد البراشيم «قصاصات الورق المساعدة».
وفي البيت، ليس هناك فيسبوك أو تويتر، وإنما دفاتر، مع تحمّل العواقب، فلا أرقام سريّة لها ولا اسم للمستخدم، وهو ما كنت أفعله، بالإضافة إلى الكتابة على الجدران التي كانت من هواياتي المفضلة بعد تسلّقها مثل القطط.
ولا أدري كيف تجرأت على التعبير عن نفسي على أشياء غير مخصصة لذلك، وأول مرة فعلت ذلك كان في الصف السادس، إذ طلب منا أستاذ الرياضيات حلّ بعض المسائل في دفتر الواجب المنزلي، وعصر اليوم نفسه عصرت مخي على مسألة واحدة، لكن لم تنزل نقطة حل واحدة، فكتبت ببراءة: «لا أعرف».
وفي اليوم الموعود دخل الأستاذ وهو ينظر إلي، وما زلت أتذكر ملامح وجهه، وما زلت أرتعد حين أرى الفنان ياسر العظمة، فهناك شبه بينهما، وافتتح الأستاذ كلامه بعد حمد الله والثناء عليه بسبّي، فقال: زميلكم هذا يعتمد على أستاذ لغة عربية ليعطيه دروساً خصوصية، إذ لا يمكن أن يعجز معلم رياضيات عن حل مسألة من المسائل التي أعطيتها لكم.
وكنت مذهولاً من كلامه، وفكّرت في أن أقول له: يا أستاذ، أنا طالب لا يتعدى راتبه اليومي درهمين، آكل بهما «سندوتش» فلافل صباحاً، و»شيبس» مساءً، وأسلّك قطع الفلافل إلى مريئي بخلطة مميتة، إذ آخذ زجاجة نصف ممتلئة يتركها طالب يأتي إلى المدرسة بسيارة مرسيدس، وأضيف إليها قطرة من هنا وقطرات من هناك كأنني عالم كيمياء في المختبر، فتصير زجاجة كاملة لذيذة الطعم. وفي المساء، أشحذ نصف درهم لأشتري لبن آب أخلطه بالشيبس، فمن أين لي أو لأبي الذي يعيل أربعة عشر آدمياً غيري المال الزائد لمعلم دروس خصوصية؟
كنت أتخيل منظري البائس وأنا أضيف قطرات الكولا والذباب غاضب حولي بسبب منافسته على القطرات، بينما المعلم يوجّه أشعة ليزر الغضب إليّ، واحمرّ وجهه حين قلت إنني من كتب العبارة، وقال: وتكذب؟ ثم استدار حول نفسه، وقال كأنه على خشبة مسرح: كيف يمكن أن تكتب لنفسك؟
ثم طلب مني أن أكتب العبارة على ورقة، وأخذها مع الدفتر ووضعهما على طاولة أول طالب يجلس في الفصل، وطلب منه وهو يصرخ أن يجري مضاهاة بين «اللا أعرفين»، وكانت النتيجة: المضاهاة غير متطابقة، والخطان مختلفان ولا يمكن أن يكونا ليدٍ واحدة.
ولم أعرف قيمة هذا المعلم الفاضل إلا حين كبرت، إذ فهمت الآن مغزى الجملة الخالدة التي أنهى بها فاصل التهزئ، فقد قال: أي طالب يحتاج إلى تقوية، فليكن معلم المادة ذاتها.
وفي الصف السابع، تورّطت بجريمة أكبر مع معلم العلوم الذي كان صادقاً في جنونه، والذي حصل أنه وزّع علينا قصاصات ورق تتضمن ثلاثة أسئلة عن أشياء أسمع بها للمرة الأولى في حياتي، ضوء على عدسات على انعكاسات، وأمهلنا عشر دقائق.
خطرت ببالي أن أعيد تجربة «لا أعرف»، لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة وقلبت الورقة وكتبت عليها على ما أذكر: «آسف يا أستاذ، فأنا لم أكن منتبهاً إليك حين كنت تشرح هذا الدرس، وأتمنى من كل قلبي أن تسامحني هذه المرة وأحصل على الدرجة الكاملة، وأعدك بأن أفتح مع مادتك صفحة جديدة»، أو شيء مثل هذا الهذيان.
ولم أكن قد تحدثت إلى هذا المعلم من قبل، ولم يكن هو في الأساس يتحدث إلينا، بل يشرح بسرعة ويسأل بغضب ويضرب بالعصا. ولم يكن باستطاعتي ترك الورقة خالية، إذ إنه سيلاحظ جلوسي بلا عمل، وقد أحصل على «كتله» على ظهري بسبب ذلك. وحين كنت أكتب تلك العبارات، لم يخطر ببالي أنه سينتبه إليها، فقد كتبتها بالقلم الرصاص وبخط رفيع وعلى ظهر الورقة، وهو إلى ذلك كان مصاباً بمشكلة في إحدى عينيه.
في الحصة التالية، دخل المعلم إلى المختبر غضبان أسفا، ومن دون مقدمات راح يتحدث عن شرف المهنة ورسالة المعلم، مؤكداً أن ضميره غير قابل للبيع. وكان ينطق كلماته بلسان حازم ولهجة حاسمة، كأنّه زعيم سياسي يتحدث من على منبر الأمم المتحدة عن عدم رضوخ بلاده لتهديدات الأعداء ومساوماتهم.
ولم أكن في الحقيقة مهتماً بكلامه، فما لي ورسالته وضميره؟ بل كنتُ حينها أسمع ما يقوله مثلما يسمع المراهق محاضرات التوعية عن سوء استخدام وسائل التكنولوجيا، بينما يداي تداعبان الهيكل العظمي الشامخ بصمت قربي.
وبدأت حواسي الموزّعة الانتباه تتجمّع وتركّز على فم المعلم حين شرع في قراءة الكلام الذي كتبته: يا إلهي، إنه يقرأ الهذيان الذي كتبته من دون أن أعي عواقبه. ولا أذكر أنني تصبّبت عرقاً، لكنني سأقول ذلك بحكم رهبة الموقف، وبالطبع لم أستطع أن أعيد أسطوانتي المعروفة: كيف أبيع وأشتري في ضميرك يا معلمي الفاضل، بينما إجمال دخلي القومي اليومي لا يتعدى الدرهمين؟
لكن الغريب أنه أعاد إلينا الأوراق من دون أن يقول كلمة واحدة، ولم يعرف أحد مِن زملائي مَن هو صاحب تلك القطعة النثرية، إلا أن الصفر كان صاخباً.
ويبدو أنني لم أكن مؤمناً حين لُدغت من الجحر نفسه ثلاث مرات، فقد كررت الحماقة نفسها في الصف الثاني عشر مع أكثر معلم أحببته منذ الصف الأول الابتدائي، معلم التاريخ، وكنت الطالب الأول في هذه المادة على مستوى المدرسة، وفي امتحانات نصف السنة، قال للطلاب الذين تذمّروا من صعوبتها إن فلاناً، يقصدني، حجّة عليكم، فقد أحرَزَ علامة كبيرة. والذي حصل أنه جاءنا في أحد الأيام يتحدث عن الجامعات التي ستستقبلنا في العام التالي، وعن كيفية إعداد البحوث، ووزّع علينا بطاقات بيضاء تستخدم في ذلك، وطلب منا بكل أدب أن نعيدها إليه ناصعة كما تسلّمناها، لكنني بقلة أدب كتبت بخط رفيع، وبقلم رصاص أيضاً، وبقصد المداعبة لا أكثر، عبارة «قاص علينا»، أي: يخدعنا.
تسلّم المعلم بطاقاته الثلاثين وفي الحصة التالية دخل وسلّم وجلس، وقال: مرّت علي أسوأ ثلاث ليالٍ في حياتي، كلما نعست عيناي تذكّرت عبارة كتبها أحدكم، فيطير النوم من عيني وأتقلّب على الفراش وتتقلب روحي معي، متألمة، غير مصدقة أن يواجه الإحسان برفس الحصان. وكان المعلم صديقاً للجميع، فسأله التسع وعشرون طالباً عن تلك العبارة وعن كاتبها اللعين ليشربوا من دمه، فذكر نص العبارة، وقال إنه لا يعرف كاتبها ولا يريد أن يعرفه. وقرر أن يغير معاملته معنا، وأن لا يتكلم إلا في المنهاج الدراسي.
بالطبع، شعرت بالآلام الغبية نفسها، ولم أعرف كيف ألوم نفسي، فبعثت رسولاً للمعلم، لكن رسولي عاد إليّ، وقال إنه ما أن عرف سبب الزيارة حتى رجّاه بألا يخبره من الفاعل، وليسامحه الله.
لم يعطني ذلك المعلم الرائع الفرصة لأن أقبّل رأسه وأسكب بعض الدموع على غترته، لكنني رفعت رأسه بطريقة غير مباشرة: كانت نتيجتي في مادته 100 بالمئة.


أحمد أميري
me@ahmedamiri.ae

اقرأ أيضا