الاتحاد

تقارير

العراق··· الدروس الصعبة لإعادة الإعمار

العراق···  الدروس الصعبة  لإعادة الإعمار

العراق··· الدروس الصعبة لإعادة الإعمار

بعد خمس سنوات من التحقيقات وتدبيج أكثر من 250 ألف صفحة من التقارير ما زال ''ستيوارت بوين''، المفتش العام لشؤون إعادة الإعمار في العراق الذي فوضه الكونجرس الأميركي لهذا الغرض، يتمنى التأكيد لمن يهمهم الأمر أن الخمسين مليار دولار التي تشكل تكلفة جهود إعادة الإعمار الأميركية في العراق قد صرفت على الوجه الصحيح، ''لكن ذلك لم يحصل مع الأسف'' يقول ''بوين نفسه·
وبدلاً من ذلــك تخلل المشـــروع الأكبر لإعادة الإعمار في التاريخ الأميركي، الذي أشرفت على معظمه الشركات الخاصة، العديد من حالات الغش وانعدام المحاسبة بسبب ما يعتبره المفتش الأميركي العام غياباً تاماً للتخطيط الحكومي والإشراف على مدى التزام الجهات المستفيدة من أموال إعادة الإعمار بمعايير التدقيق والمحاسبة·
وعلى رغم التجربة العراقية في مجال إعادة الإعمار يقـــول المفتش العام إن الولايات المتحدة تقوم اليوم بارتكاب الأخطاء نفسها في أفغانستان بعدما وصلت النفقات الأميركية إلى أكثر من 30 مليار دولار· وقد نفى ''بوين'' في لقاء صحفي الأسبوع الماضي إمكانية الاستفادة حالياً من الأخطاء وتصويبها في أفغانستان قائلاً: ''لقد تأخر الوقت كثيراً للاستفادة من الاختلالات البنيوية في عملية إعادة الإعمار بالعراق وتطبيقها في أفغانستان''، فإلى حد الآن لم تعتمد التغييرات الجوهرية في المراقبة ومنح العقود والتخطيط لإعادة البناء والاستفادة من الموارد البشرية التي اقترحها المدققون المفوضـــون من الكونجرس خلال عملهم في العراق وهي لم تطبق بعد في أفغانستان·
لكن المفتش العام لا يقفل باب الأمل نهائياً، بل يرى أن الرئيس الجديد، أوباما، ربما يكون قادراً على اتخاد بعض الخطوات التي من شأنها الحد من الأخطاء السابقة والتخفيف من حدة الفشل، ومن بينها الانتباه أكثر إلى العناصر المدنية والعسكرية المنخرطة في عملية إعادة الإعمار والمهام المنوطة بها في هذا المجال، والاستفادة أيضاً من الخبرة التي تراكمت طيلة التجربة السابقة في العراق·
ويمكن لأوباما أيضاً أن يبدأ بتوحيد معايير المراقبة والإشراف على كافة المشروعات بدلاً من وضع كل هيئة لمعايير المراقبة الخاصة بها وتشتيث الجهد الذي يضيع بين الجهات المختلفة ويهدر المال العام·
ويضيف المفتش العام الأميركي قائلاً: ''لتوحيد كافة الجهود على الرئيس أن يشكل لجنة خاصة تجمع بين مسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية، بالإضافة إلى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، تعمل على ترجمة توجيهات الرئيس إلى واقع ملموس''·
ورصداً للوضع المتخبط لعملية إعادة الإعمار في العراق أصدر مكتب المفتش العام الأميركي كتاباً مؤخراً يوثق فيه التجربة العراقية ويقترح سبل تفادي الأخطاء التي ارتكبت، ويصدر الكتاب الذي يحمل عنوان ''الدروس الصعبة'' بالتزامن مع انعقاد اللجنة التي تضم الحزبين الأميركيين حول عقود الشركات خلال الحرب· وهذه اللجنة التي أنشأها الكونجرس في العام الماضي ستفحص النفقات الأميركية في العراق وأفغانستان، كما ستقترح حلولاً ''منهجية'' للمشاكل التي تؤدي إلى تبديد أموال دافعي الضرائب الأميركيين·
ويخلص الكتاب الذي أصدره مكتب المفتش العام لشؤون إعادة الإعمار ونشرت مسودته بعض وسائل الإعلام في شهر ديسمبر الماضي إلى أن الجهود الأميركية في هذا المجال كانت فاشلة بكل المقاييس، ولم تحقق الغرض المطلوب منها بسبب غياب استراتيجية شاملة تنظم العملية· فقد انتقلت الجهود الأميركية من ''تحرير'' العراق وتأمين خروج سريع للقوات الأميركية خلال الشهور الأولى إلى مشروع ضخم وغير منظم لإعادة الإعمار تشرف عليه سلطة التحالف المؤقتة بين العامين 2003 و،2004 غير أن الكثير من المشاريع تم التخلي عنها في النهاية إما بسبب نقص التمويل، أو سوء التنفيذ، أو بسبب تدهور الوضع الأمني·
ويروي ''بوين'' في مقدمة الكتاب الذي يمتد على 456 صفحة كيف أدرك منذ البداية المصاعب التي تواجهها عملية إعادة الإعمار في يناير 2004 عندما شاهد أكياساً مليئة بالأموال تنقل من القصر الرئاسي في بغداد، الذي يضم السلطة المؤقتة، إلى مدن عراقية أخرى· ويعدد الكتاب أيضاً بعض نماذج الفشل في إدارة عملية إعادة الإعمار من قبل إدارة بوش والعجز في تسيير شؤون البلاد بعد غزو ·2003
وفي أحد الأمثلة التي وردت في الكتاب يروي المفتش العام كيف اكتشف المدققون تسليم 57,8 مليون دولار نقداً إلى المراقب العـــام في منطقــــة وسط وجنوب العراق، حيث تم نقـــل رزم من الأوراق النقدية الموجودة في مقار السلطة المؤقتة إلى مكتـــب المراقب العـــام في الجنوب على متن سيارات غير مصفحـــة· وقد حرص المراقب العام للمنطقة الجنوبية ''روبرت شتين''، الذي أدين لاحقاً بتهمة غسل الأموال والاحتيال، على التقـــاط صورة له وسط أكوام من الأوراق النقدية المحيطة به من جميع الاتجاهات·
ويكشف الكتاب كيف استطاع فريق المدققين التابع لمكتب المفتش العام كشف حالات غش وسرقة عرض منها على المحاكم 35 قضية من بينها تهمتان بتلقي رشاوى كبيرة وصلت إلى 14 مليون دولار تورط فيها ضباط في الجيش الأميركي كانوا مسؤولين عن منح العقود للشركات الخاصة·
ونوه تقرير المفتش العام إلى الاختلالات في عملية إبرام العقود مع الشركات، حيث لاحظ شبه غياب للشركات العراقية بسبب نظام العروض المعقد المعتمد من قبل الأميركيين والذي يصل فيه عدد صفحات المناقصات إلى مئات الصفحات، في حين اعتاد المتعاقدون العراقيون على إبرام صفقاتهم بالمصافحة وقطع الوعود شفهياً·

كارين دي يونج ووالتر بينكس
كاتبان ومحللان سياسيان أميركيان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا