الاتحاد

دنيا

ينابيع روما الحارة ·· طب الطبيعة وسحرها


إعداد-هالة دروج:
إذا أردت أن تقوم بزيارة لروما فعليك دائما أن تتذكر المثل القائل: 'عندما تكون في روما افعل كما يفعل الرومان·' وسكان روما لا يهدرون أموالهم في عطل نهاية الأسبوع على أمور عادية، بل يحرصون على تدليل أنفسهم فينطلقون لقضاء يوم أو يومين في أحد الحمامات الرومانية ذات المياه الكبريتية التي تقع في المناطق المحيطة بروما· من هذه الحمامات هناك (تيرم دي بابي) وشلالات (ساتورنيا) وكلاهما لا يبعدان أكثر من ساعة عن العاصمة الايطالية· ويمتاز هذان الحمامان بموقعهما المميز وسط مناظر طبيعية آسرة حيث يمكن للمرء الاسترخاء ونسيان كل متاعب الحياة ومشاكلها·
خدمات راقية
(تيرمي دي بابي) هو منتجع وحمام روماني قديم يوجد في بلدة فيتيربو الواقعة في جنوب اقليم توسكاني· يمتاز هذا المكان بكل ما تمتاز به المنتجعات الصحية الأوروبية الأخرى من توفر خدمات التدليك، وبرك السباحة، والمطاعم وغيرها من مختلف الخدمات الراقية· لكن أكثر ما يميزه هو بركة السباحة الخارجية الرخامية التي تحيط بها الأشجار وتتزود بالمياه من الينابيع الكبريتية الحارة· وتكتظ هذه البركة عادة بالزوار من العائلات الذين يسعون للاستمتاع بحرارة المياه بصحبة الآخرين· لكن كغيره من المنتجعات الصحية الأوروبية الأخرى لا يكون تركيز خدمات (تيرمي دي بابي) على الاسترخاء والتسلية فقط اذ لا بد أن تأخذ الأمور الصحية حيزا كبيرا من الاهتمام·
أول ما يلاحظ عند الوصول الى (تيرمي دي بابي) أن موظفي الاستقبال هناك يرتدون قمصانا بيضاء طويلة شبيهة بملابس الممرضين· فقبل التوجه الى برك السباحة أو بركة المياه الحارة يخضع الزائر لعملية فحص طبي دقيق من قبل الطبيب المقيم· بعد ذلك يحصل على بطاقة تذكارية تكون بمثابة شهادة تؤكد تمتعه بحالة صحية لائقة· وبناء على نتيجة الفحص الطبي يسمح للزائر ببدء رحلته التي تبدأ من غرفة تبديل الملابس ومن ثم الى مياه البركة الخارجية التي تبدو مثل بحيرة زرقاء صغيرة تتصاعد من سطحها سحب الدخان الرمادي· بيد أن هذه البركة ليست مناسبة للسباحة بسبب حرارة مياهها من جهة وكثرة مستخدميها من جهة أخرى· ولإضفاء المزيد من أجواء الطمأنينة يجلس المنقذون على الطرف في حالة استعداد دائم للتدخل وقت الحاجة· وينصح الزوار بالتوجه مباشرة الى الجهة الضحلة التي لا يزيد فيها عمق المياه عن نصف متر·
اضافة الى الاستمتاع بحرارة مياه البركة الكبريتية التي تتمتع بخصائص علاجية للكثير من الأمراض، هناك أيضا خدمات صحية أخرى مثل جلسات التدليك والعلاج المائي التي ترقى بصحة الزوار ونفسيتهم لكنها تحتاج الى حجز مسبق· وتبدأ رحلة العلاج المائي من كهف البخار، وهو مكان مظلم يحتوي على مقاعد خشبية وشلالات مياه قريبة من درجة حرارة الغليان· ويمكن الجلوس فيه لفترة الى أن يفقد جسم الزائر كميات كبيرة من السوائل· بعدها يتجه الى غرفة أخرى حيث تقوم احدى الممرضات فيها بلفه بملاءة من البلاستيك فيتعرق جسمه ويتخلص من كميات اضافية من السوائل· أما المرحلة الأخيرة في هذه الخدمة العلاجية فتتضمن استخدام بركتين متوازيتين طويلتين وضيقتين صممتا بحيث تساعدان على تحسين دوران الدم في الجسم· احدى هاتين البركتين حارة والآخرى باردة· توجد فيهما أنابيب تضخ المياه على ساقي الزائر أثناء مسيره وتنقله من البركة الحارة الى الباردة وهكذا· وتحيط بالبركتين جدران زرقاء مزينة بصور من الآثار القديمة والطيور الغريبة والنادرة· يحدث استخدام كهف البخار والسير في المياه أثرا ايجابيا كبيرا على الصحة النفسية والجسدية اذ يخفف آلام الساقين ويزيل آثار الاكتئاب والضغط النفسي·
ساتورنيا بانتظارك
لكن ان أردت منتجعات ذات أجواء طبيعية تماما وبعيدة عن أي دور للبشر فيها فالخيار الأصح هو شلالات المياه الكبريتية في بلدة ساتورنيا· تمتاز ساتورنيا بموقعها الهام الذي تكثر فيه المناظر الطبيعية الجميلة والآثار القديمة، بيد أن ينابيع المياه الحارة الموجودة فيها هي السبب الأساسي لشهرتها العالمية· فبالقرب منها هناك نبع الماء الكبريتي الذي يضخ ما يزيد عن 800 ليتر في الثانية من الماء بدرجة حرارة 37 درجة مئوية· ويغذي هذا النبع شلالات المياه التي تتساقط لتشكل بركاً محفورة في الصخور يرتادها آلاف السياح سنويا للاستفادة من المواصفات العلاجية لمياهها· وهناك لا يوجد مطاعم، ولا أخصائيين في الطب، ولا حمامات مترفة تمتلئ بأنواع شهيرة من الشامبو ومستحضرات العناية بالبشرة· بل ما يتوفر هو مجرد موقف للسيارات محاذ للشلالات الكبريتية التي تهبط مياهها بقوة هائلة لتصل الى الأسفل وتصب في سلسلة البرك الحجرية الطبيعية· عند السباحة في هذه البرك والتوجه نحو مكان سقوط مياه الشلال تتولى الطبيعة نفسها القيام بعمليات التدليك لتحسين دوران الدم في الجسم من خلال حركة المياه المتدفقة·
هناك أسطورة حول منشأ ساتورنيا تقول أن الاله ساتورنو قد غضب من سكان المنطقة بسبب حروبهم المستمرة مع بعضهم البعض، لذلك أرسل صاعقة الى الأرض التي عاشوا عليها ومنح القوة السحرية لينابيع المياه الكبريتية كي تهدىء من روع الناس هناك· ويقال أيضا أنها أقدم مدينة في توسكاني ويعتقد أنها بنيت في مكان مدينة قديمة تعود الى القرن الثاني عشر قبل الميلاد· وقد استفاد سكانها على مد العصور من وجود المياه الكبريتية فيها· وفي القرن الثالث عشر أصبحت ساتورنيا مخبأ للمنفيين والفارين· وفي العصور الوسطى ظهرت حولها الكثير من الأساطير بسبب سحب الدخان الكثيف التي تخيم في سمائها والمتشكلة من البخار المتصاعد من المياه الحارة· وكان يقال أن الشيطان خرج من تلك البلدة وأنها المكان الذي يعقد فيه السحرة والمشعوذون اجتماعاتهم ويقضون فيه أوقات الفراغ·

اقرأ أيضا