أحمد محمد (القاهرة)   عندما اتخذ بنو عمرو بن عوف، مسجد قباء، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فصلى فيه، فحسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، وقالوا نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله ليصلي فيه كما صلى في مسجد إخواننا، وليصل فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية وتنصر، ولبس المسوح، وأنكر دين الحنيفية لما قدم الرسول المدينة وعاداه، وخرج أبو عامر إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن أعدوا واستعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر، فآتي بجند الروم، فأخرج محمدا وأصحابه، فبنى اثني عشر رجلا مسجدا، وأتوا رسول الله فقالوا إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فدعا بقميصه ليلبسه فيأتيهم، فنزل القرآن وأخبره الله عز وجل خبر مسجد الضرار، فدعا رسول الله، أربعة من الصحابة، فانطلقوا وأشعلوا فيه نارا، فحرقوه وهدموه، وتفرق عنه أهله، وأمر النبي أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيها الجيف والنتن والقمامة، وأنزل الله تعالى: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى?، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» (التوبة: 107). قال البغوي، نزلت الآية في جماعة من المنافقين، بنوا مسجدا يضارون به مسجد قباء، وكانوا من أهل النفاق، بنوه مضارة للمؤمنين، وكفرا بالله ورسوله، وتفريقا بين المؤمنين. ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، قال له أبو عامر، ما هذا الذي جئت به؟ قال: «جئت بالحنيفية دين إبراهيم»، قال أبو عامر: فإنا عليها، فقال النبي: «إنك لست عليها»، قال: بلى ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها، فقال: «ما فعلت ولكني جئت بها بيضاء نقية»، فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا، فقال النبي: «آمين»، وسماه أبا عامر الفاسق.  وفي يوم أُحد قال أبو عامر لرسول الله: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن يئس وخرج هاربا إلى الشام فأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، وابنوا مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآت بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه، فبنوا مسجد الضرار. وقال محمد رشيد رضا في تفسير «المنار»، نزلت الآية في واقعة حال من مكائد المنافقين للرسول وللمؤمنين، وقد بين الله تعالى أن الأغراض التي بنوا المسجد لأجلها أربعة، لمضارة المؤمنين أي محاولة إيقاع الضرر بهم، وتقوية الكفر، وتسهيل أعماله كتمكين المنافقين من ترك الصلاة، والتفريق بين المؤمنين، والإرصاد لمن حارب الله ورسوله، أي الانتظار والترقب أن يجيء محاربا.  أنهم سيحلفون ما أرادوا ببنائه إلا الخطة التي تفوق غيرها في الحسن، وهي الرفق بالمسلمين وتيسير صلاة الجماعة على أولي العجز والضعف ومن يحبسهم المطر منهم، ليصدقهم الرسول ويصلي لهم فيه، والله يشهد إنهم لكاذبون، حانثون بيمينهم. وقال الشوكاني في «فتح القدير»، لما ذكر الله أصناف المنافقين، وبيّن طرائقهم المختلفة، عطف على ما سبق هذه الطائفة منهم، وهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا، فقد أخبر الله سبحانه أن الباعث لهم على بناء هذا المسجد أمور الضرر لغيرهم، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، وهي الرفق بالمسلمين، فرد الله عليهم بقوله، والله يشهد إنهم لكاذبون فيما حلفوا عليه، ثم نهى الله عن الصلاة في مسجد الضرار: لا تقم فيه أبدا، ثم ذكر سبحانه علة النهي بقوله: لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، ولا يزال بنيانهم الذي بنوا شكا ونفاقا في قلوبهم.