الاتحاد

دنيا

الوجه البشري مغارة والإنسان الحالي يعيش بالحد الأدنى من الروح


الاتحاد ـ خاص:
الكتابة العاصفة وراءها رجل عاصف، هذا ما يستدعيه كاتب مثل البريطاني 'هارولد بنتر' الذي يبدو كأنه لا يزال يعيش في الأيام الجميلة، حيث كانت القضايا، بما فيها قضية الكائن البشري، تلعب بكل أنواع الواقع·
تراجع الضجيج الذي صاحب نيله جائزة نوبل، وأصيب بمشكلة صحية حملته إلى المستشفى، لكنه استطاع أن يتحدث إلى بعض زواره من المثقفين الأوروبيين بصراحته المعهودة،
بنتر وصف العديد من مثقفي العصر بـ 'الخيول المطهمة'، ترى من يمتطي هذه الخيول؟
هارولد بنتر رجل واحد في هذا العالم يعلن الحرب على أميركا··· وبعض النقاد في الولايات المتحدة تعاملوا بفظاظة، وإلى حد 'الاغتيال' معه لدى إعلان الأكاديمية السويدية اختيارها له لجائزة نوبل، وصفوه بـ 'الكلب الانجليزي العجوز الذي لا يصلح حتى لحراسة منزل مهجور'، وأنه الكاتب المصاب بالزهايمر الثقافي، وبأن كتاباته تشبه الطاعون لأن الجرذان فقط هي التي تقرؤها·
اللورد الثائر
لم يفاجأ 'اللورد الثائر' كما وصفته 'التايمز' فقد اعتاد على ذلك النوع من الحملات، وفي نظره أن السبب لكل هذا هو 'كوني لا أستطيع أن أكون مجرد طبق هوت دوغ'·
بنتر يقف ضد منطق 'الامبراطورية الرومانية': تعلمون أن تشارلز داروين أطلق نظرية النشوء والارتقاء، وهذه النظرية استندت الى فرضيات بيولوجية· أنا شخصياً، أقر بالنظرية، ولكن من زاوية أخرى لا يمكنني قبول أن يقفز ذلك المخلوق من حالة ما قبل الإنسان إلى الإنسان، وما نراه أمامنا مختلف تماما، تصوروا أن يُطلب مني، ومن أي شخص آخر، أن يجلس القرفصاء داخل قنينة كوكاكولا·
الرجل ليس حاقداً على الولايات المتحدة، فهناك تجليات مذهلة للخيال البشري، كما للعبقرية البشرية، ولكن نوعا من الدمج جرى بين الظاهرة الاقتصادية ـ العسكرية والإنسان الذي لم يعد، في المفهوم الأخلاقي، أكثر من سلعة للتداول، وعلى هذا الأساس ظهر كتاب الاحتجاج من 'وليم فولكنر' إلى 'جون شتاينبك' و'ارنست همنغواي' و'جيمس بولدوين' و'توني موريسون' كلهم، في نظره، اعتبروا أن من مقتضيات التطور، إذا ما أخذنا بالجدلية الفلسفية لهذا التطور، أن يزداد الإنسان إنسانية كي لا يدع التكنولوجيا تحطم كل شيء، بما في ذلك الثقافات الجميلة، شيء آخر حدث تماماً، الكائن البشري في أميركا، الآن، هو ناطحة سحاب، أو طائرة بوينغ، أو مكوك فضائي، أو حتى علبة 'تشيكلتس'·
الكاتب البريطاني 'الذي ينفث اللهب'، حسبما كتب أحدهم، يعتبر أن من الطبيعي أن تكون القيم الأميركية مختلفة، نحن أمام مخلوقات جاء معظمها من القاع، أو من الظل، أو من اللاجدوى، ووجدت نفسها فجأة أمام تلك الثروات الهائلة، يعترف بأنه كان يتابع، بشغف، أفلام الغرب الأميركي وكان يؤخذ بصهيل الخيول، وبوحشية الطبيعة، وسحرها، لكنه كان يشعر بالغثيان، كلما شاهد فوهة المسدس فهو يعتقد أن هذا هو المرض الأميركي·
الغول التكنولوجي
هي الفوهة التي ظلت تتضخم حتى تحولت إلى غول تكنولوجي، لكي تكون مواطناً صالحاً، يفترض أن تكون مواطناً قتيلاً، كيف! أن يتباهى المرء مع كل ما حوله، مع الثلاجة، والباب الخشبي للحديقة، والأطباق الباردة، وما يسبب الذهول للكاتب البريطاني أن كل هذه يتم تغليفها بنصوص من الكتاب المقدس، يحدث هذا لكي يقال للعالم أن الروح لا تزال تقف على قدميها في أميركا، لا أظن هذا صحيحاً، لقد أعجبني كثيراً 'نورمان مايلر' وهو يكتب عن حوار متأخر مع الروح، قال إن الأميركي يعيش بالحد الأدنى من الروح، أنا أفهم الأمر هكذا 'بالحد الأدنى من··· الإنسان'·
الفرنسيون الذين يؤخذون، عادة، بأي كاتب ينتقد الظاهرة الأميركية، يصفقون لـ 'هارولد بنتر' مع أنهم يعتبرون أن الانجليز الذين مازالوا يستعملون 'وليم شكسبير' بكثافة حتى الآن كما لو أنه كتب عنهم جميعاً 'ولا داعي لكي يكتب أحد بعده'، يصنعون الكتابة كما يصنعون الشاي، للمتعة الخفيفة بعد الظهر، مع بعض الحلوى، وليس من أجل 'إعادة تركيب الهيكل العظمي' كما يفهم 'رينيه شار' الكتابة·
تنظيم القهر
بنتر الذي دخل إلى المستشفى أخيراً يعتبر أن البشرية تتدهور: 'أنا هنا في امبراطورية الرولزرويس، رجل من العالم الثالث' إلى حد كبير يمكن أن يشبه 'غانتر غراس' في ألمانيا، حيث لا معنى لكلمة 'الجنسية' على جوار السفر· هذه بدعة مقيتة كان الهدف منها ليس تنظيم أمور البشر، وإنما 'تنظيم القهر'، إذ كيف يمكن لإنسان ولد في هذا الكون أن يربط بحيز جغرافي محدد لهذا آثر 'هارولد بنتر' أن يكون عبارة عن لقلاق أحمق، ولأن مكانه الهواء، فهو في كل مكان·
خلافاً للذين يعتبرون أن التلفزيون أدى إلى تعليب الخيال، وإلى فرض العزلة، وإلى إرساء قيم فلسفية معينة، فإن الكاتب البريطاني يعتبر أن ثمة دوراً آخر للكاميرا، قال إنه شاهد، أخيراً شريطاً وثائقيا عن الصومال، كان يقرأ ما يحدث هناك وكانت لديه فكرة ما عن الخراب، لكنه لم يكن يتصور أن البشر يمكن أن يتعذبوا، وأن يضيعوا إلى هذا الحد ' 'شعرت أن المنازل المهدمة تدعو قلبي إلى التدخل، كيف لنا أن نغفو، وأن نهزج، وان نختال، وأن نتباهى بكل تلك الإنجازات، إذا كانت هناك مجتمعات مربوطة، كلياً باللحظة··· اللحظة القاتلة تحديداً·
في نظره، إن القتل لا ينحصر في أناس معينين· المثقف اللامبالي فيه شيء من القتل، الصحافي الذي يتعاطى ميكانيكياً مع الحدث البشري، صاحب القرار الذي لا يأخذ بالاعتبار أن ثمة عالماً خارج جدران مكتبه· إذاً، الشاشة يمكن ألا تلعب دوراً تدميرياً ، الخيال وسط هذا الضجيج، أو وسط هذا الزحام، بحاجة إلى من ينفخ فيه، بين الفينة والأخرى، كي لا يصدأ· القراءة تفعل فعلها، التجول والتأمل في وجوه الناس التي هي عبارة عن مرايا، محطمة أحياناً، زاهية أحياناً، ولكن في كل الأحوال، هناك 'مغارة تدعى الوجه البشري'، ويمكن إذا ما دخلت اليها أن تتعرف على كل الأشياء الغريبة، وفي آخر هذه المغارة تعثر على الإنسان، بالأحرى على الوضع الإنساني الذي تحدث عنه الفيلسوف الفرنسي 'اندريه مالرو' فلسفياً، وبإسهاب·
تفجير الكائن
هل يكفي أن تضيء شمعة هناك؟
يقول 'هارولد بنتر' بـ 'تفجير الكائن البشري' لكي لا يعود هو هو··· يا للغرابة! ألم يكتشف صاحبنا أن ذلك الزمان الذي كان يقرأ فيه 'فرانز فانون' بنوع من الهستيريا الثورية قد انقضى، وإلى الأبد·
في رأيه، انه اذا ما استمر الإنسان في 'الأوديسة' الراهنة لا بد أن يزداد تآكلاً وإلى حد الاضمحلال التام، هل يفترض أن نحفر الخنادق إذا؟
أجل، يقول بنتر، لكنه لا يقصد بالخنادق العودة الى 'الثورة البلشفية' لأنه يرفض العنف ويعتبر ان الغطرسة الامبراطورية هي التي تنتج مثل تلك الحالة الهمجية، إذاً ماذا يصنع المحطمون سوى أن يلملموا أشلاءهم ويصرخوا، اصرخوا هذه هي دعوته للمثقفين الذين يغتسلون بالفضيحة أحيانا· يبلغ به الغيظ حد اتهام هؤلاء المثقفين بـ 'الخيول المطهمة' من يمتطي ظهور المثقفين؟
الجواب جاهز دائما لدى هارولد بنتر الذي اذ يتوقف أمام مخرجين بارعين عن أمثال 'فرنسيس دو كوبولا' و'سيدني بولاك' و'سام باكنباد' و'ستيفن سبيلبرغ' يشتم رائحة التواطؤ لدى البعض خصوصاً هذا الأخير 'الذي يحاول اقناعنا بأن الحل هو في المتاهة'·
ورشة الصراخ
رغم ذلك، لا يبدو بنتر متفائلاً إلى الحد الذي يدعو فيه إلى ورشة جماعية لإنقاذ ما تبقى من العالم، ثم إنه لا يصنف المثقف أكاديمياً، بل إنه يصنفه من حيث درجة الوعي بالآخر، ويعتقد أنه لا بد أن تكون هناك مجموعة ما، فريق ما، ينتمي إلى أجناس مختلفة، وثقافات مختلفة، ويعلن القطيعة مع ذلك الطوفان الامبراطوري·
حين يطرح على 'هارولد بنتر' اسم الكاتب الكولومبي 'غابرييل غارسيا ماركيز' الحائز جائزة نوبل، للمشاركة في 'ورشة الصراخ' يقول إنه كان مفتوناً بكتابات 'ماركيز' إلى الحد الذي جعلني أضع كتابه 'مائة عام من العزلة' تحت وسادتي كما لو أني أضع الكتاب المقدس، لكن 'ماركيز' تغير· وذهب ذلك الفقر المدقع كلياً إلى النسيان، الآن بات يرتدي معطفاً من الفرو· لو فعلت أنا هذا لظهرت كأي دب قطبي· حتماً ستسخر مني الدببة القطبية، وتشير إليّ بأصابعها: انظروا إلى هذا الأحمق، إنه يقلد الإنسان·
الكاتب البريطاني بارع جدا في تشكيل الصور··· الصور الغاضبة تحديداً··· لا صلاة تقدم للقيصر· ويدعو أهل البلاط في الولايات المتحدة إلى 'لحظة أخلاقية' لأن 'القهر الثقافي' بلغ حد 'الإبادة'، والاستغاثة وحدها لا تكفي في نظره، لكنه لا يدعو إلى العنف فللموقف أظافر أيضاً!
أورينت برس

اقرأ أيضا