الاتحاد

دنيا

أمراض الهـــواء تحيّر العلمــاء


صلاح الحفناوي:
عندما سألت جراح القلب العالمي البروفيسور مجدي يعقوب، قبل سنوات، عن اخطر التحديات الصحية التي يواجهها الانسان المعاصر، أجاب بكلمة واحدة: التلوث· وعندما طرحت نفس السؤال على جراح القلب المتميز الدكتور يحيى بلبع أستاذ جراحة القلب بطب القاهرة، قبل أسابيع، وضع التلوث على قمة التحديات، ووجه إليه الاتهام بالمسؤولية عن معظم متاعبنا الصحية· وتكرر نفس السؤال ونفس الإجابة مع عدد كبير من أساتذة الطب في مختلف التخصصات الطبية·
الحديث عن العقم الذكري والأنثوي يبدأ بالتلوث، الكلام عن السرطان ينطلق من تأثيرات التلوث، الفشل العضوي، الضعف الجنسي، متاعب القلب، مشاكل التنفس، عشرات المشاكل الصحية المزمنة والحادة البسيطة والقاتلة يبدأ الحديث عنها بالتلوث وينتهي إليه·
التلوث أصبح هاجس العصر وسر متاعبه، ومراكز الأبحاث تجري كل يوم عشرات الدراسات التي ترصد تأثيره الفتاك على صحة الانسان، والمشكلة الحقيقية في كل ما نطالعه عن التلوث بكل أشكاله وألوانه انه لا يقدم لنا البديل ولا يشرح لنا ماذا نفعل حتى نحمي أنفسنا منه·· يقول الأستاذ الدكتور قاسم العوم استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد ومدير مستشفى النور إن الوقاية من الكثير من المتاعب الصحية تبدأ بتجنب اسباب وعوامل التلوث البيئي بكل أشكاله بدء من دخان السجائر القادم إلى غير المدخنين من أنوف وافواه المدخنين وانتهاء بالكيماويات الصناعية مرورا بالكيماويات الغذائية وآلاف الأصناف والمسببات الاخرى·· وظاهريا تبدو وصفة الوقاية سهلة ولكن فعليا هي أصعب بكثير مما نتصور·· وبرغم ذلك نطالع باهتمام كل يوم نتائج أبحاث جديدة ودراسات عديدة تؤكد التأثيرات الضارة والخطرة للتلوث على الصحة وتضيف اليها المزيد·
أمراض مرورية
ففي الولايات المتحدة حذر خبراء البيئة من تزايد معدلات الإصابة بالربو بين الأطفال بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض وتلوث الهواء، مشيرين إلى انه كلما ارتفعت حرارة الجو زاد انتشار محفزات الحساسية مثل الغبار والفطريات في الهواء وتفاعلها مع الملوثات المنبعثة من المدن مثل الأوزون والسناج لتؤجج انتشار وباء الربو المتنامي بالفعل، مما يتسبب في إتلاف الجهاز التنفسي خاصة بين الأطفال· وأشار العلماء إلى أن معدلات الإصابة بالربو بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات في الولايات المتحدة زادت بنسبة 160% بين عامي 1980 و ،1994 وأن تسعة ملايين طفل أصيبوا بحساسية في الجهاز التنفسي عام ·2002
وقال علماء أن التلوث الناجم عن الازدحام المروري يزيد من تعرض الأطفال للإصابة بالربو وصعوبة التنفس والسعال· وأثبت فريقان من الباحثين في تايوان وألمانيا أن الكيمياويات الموجودة في عوادم السيارات تؤدي لزيادة خطر تعرض الأطفال الذين يقطنون مناطق مزدحمة بالسيارات لأمراض الجهاز التنفسي· وقام العلماء بمقارنة مستويات التلوث في الهواء وحالات الإصابة بحساسية والتهاب الأنف أو ما يعرف باسم حمى القش في دراسة شملت 800 مدرسة بتايوان· واكتشف الباحثون أن الصبية الذين تعرضوا لمستويات عالية من التلوث الناجم عن السيارات زاد لديهم خطر الإصابة بحمى القش المرتبطة بنسبة 16% مقابل 17% لدى البنات·
وفي دراسة منفصلة نشرتها دورية الجهاز التنفسي الأوروبية قارن توماس نيكولاي من مستشفى الأطفال الجامعي بميونخ في ألمانيا وفريق من الباحثين بين الكثافة المرورية والتعرض للملوثات والسجلات الصحية الخاصة بنحو أربعة آلاف طفل· وتوصل إلى أن الأطفال الذين يعيشون في نطاق 50 مترا من طرق تمر بها أكثر من 33 ألف سيارة يوميا يزداد لديهم بنحو المثلين احتمال الإصابة بالربو مقارنة بغيرهم·
وتوصل المعهد النرويجي لأطباء الصحة العامة بعد دراسة للتاريخ المرضي والبيانات البيئية لحوالي 16200 رجل في منطقة أوسلو إلى أنه توجد صلة إحصائية بين سرطان الرئة وارتفاع تركيز غاز ثاني أكسيد النيتروجين في الهواء· وجاء في الدراسة التي نشرتها مجلة 'ثوراكس' البريطانية الطبية المتخصصة أن التلوث الناتج عن الغازات المنبعثة من السيارات ربما يكون سببا في الإصابة بسرطان الرئة، وأن كل زيادة بمقدار 10 ميكروجرامات من ثاني أكسيد النيتروجين في كل متر مكعب من الهواء تقابلها زيادة بنسبة 8% في احتمال إصابة شخص بالسرطان·
أورام المدن
وأفادت دراسة أميركية أن التعرض مدة طويلة للهواء الملوث الشائع في كثير من مناطق الحضر يزيد مخاطر الإصابة بمرض سرطان الرئة وأمراض القلب والرئتين· وقال باحثون من جامعة بريجهام يونج في بروفو بولاية يوتا الأميركية إن 'نتائج هذه الدراسة تمثل أقوى دليل حتى وقتنا الحالي على أن التعرض الطويل المدى للهواء الملوث بجسيمات دقيقة والشائع في كثير من المناطق الحضرية هو عامل خطورة مهم في وفيات أمراض القلب والرئتين'·
وأضاف الباحثون أن 'ثمة علاقة بين التعرض المتزايد للهواء الملوث بجسيمات دقيقة وبين زيادات ملحوظة في وفيات سرطان الرئة'· وقال مؤلفو الدراسة إنهم استندوا في نتائجهم إلى تحليل لبيانات جمعها المجلس الأميركي للسرطان عن ما يقرب من 1,2 مليون أميركي بالغ بدءا من عام ·1982
وحذرت دراسة طبية جديدة من أن التلوث الجوي يرتبط ارتباطا قويا بزيادة خطر الإصابة بأزمات ومشكلات قلبية بين المرضى المصابين بأمراض القلب·
فقد وجد الباحثون في فنلندا بعد متابعة 45 شخصا ممن يعانون من أمراض القلب لمدة ستة أشهر، بحيث خضع المرضى كل أسبوعين لفحص يستغرق ست دقائق على الدراجة الرياضية ومراقبة معدل ضربات القلب لديهم باستخدام جهاز تخطيط القلب الكهربائي مع قياس درجات التلوث الهوائي في المناطق التي يسكنون فيها، وجدوا أن تلوث الجو بالجسيمات الجزيئية يترافق مع زيادة خطر الوفيات القلبية والوعائية بين المرضى المصابين بمرض القلب التاجي· وأوضح الباحثون في الدراسة التي نشرتها مجلة 'سيركيوليشن' الصادرة عن جمعية القلب الأميركية، أن التلوث الجوي بالجسيمات الجزيئية الناتجة عن عمليات الاحتراق أو من الغيوم الغبارية وأدخنة السيارات والمركبات، يسبب مشكلات صحية خطرة لأن هذه الجسيمات دقيقة جدا ويمكنها الدخول إلى الرئتين أثناء عملية التنفس والاستقرار فيها وتعطيل وظائفها·
ولاحظ الباحثون أن واحدا من خمسة مخططات للقلب خضع لها المرضى أظهرت موجات قلبية غير طبيعية، مما يدل على تعرض القلب للجهد الذي يزيد احتمالات الإصابة بنوبات قلبية أو تزيد الحالة المرضية مثل الذبحة الصدرية سوءا·
ووجد هؤلاء أن الموجات القلبية غير الطبيعية كانت أعلى كثيرا بعد يومين من تعرض المريض للتلوث الجوي أي عندما كانت الجزيئات الملوثة في أعلى مستوياتها، مما يدل على أن التلوث يشجع إصابة المرضى بالأزمات القلبية والوفاة، لذلك يطالبون الحكومات بفرض معايير محددة وشديدة لنوعية الهواء في المدن بهدف حماية الناس من الأمراض·
وكشف باحثون أميركيون النقاب عن أن تلوث الهواء يسبب انسداد الأوعية الدموية لدى الأشخاص الأصحاء· وأشار الباحثون في دراستهم إلى أن اكتشافهم يساعد على توضيح سبب ارتباط نسبة التلوث في الهواء بالنوبات القلبية ومشاكل الأوعية القلبية الأخرى·
وأوضح الباحثون أن دراستهم تتوافق مع بحث آخر يظهر أن تلوث الهواء يمكن أن يسبب ليس فقط مشاكل في التنفس وإنما مشاكل في القلب أيضا· وقام الدكتور روبرت بروك أخصائي الأوعية الدموية في جامعة مشيجان وشقيقه الدكتور جيفري بروك من جامعة تورنتو بإجراء اختبار على 25 متطوعا يتمتعون بصحة جيدة بمتوسط عمر وصل إلى 35 عاما· وقال الدكتور بروك إن المتطوعين جلسوا في غرفة ضخ إليها هواء نقي في بعض الأحيان وهواء احتوى على أوزون وجزيئات ملوثة أخرى يسببها وقود السيارات ومحطات الكهرباء وصناعات أخرى· وأشار الدكتور بروك إلى أنه بعد ساعتين من تنفس الهواء الملوث تقلصت أوعية المتطوعين ما بين 2% و4% ، في حين لم تتقلص أوعيتهم الدموية حين تنفسوا هواء نقيا ونظيفا· مشيرا إلى أن الرئتين قد تستنشقا جزيئات صغيرة جدا مثل الكربون ومواد أخرى موجودة في قطع الحديد والمنغنيز· وأن نظام مناعة الجسم قد يخطئ في هذه جزيئات حيث تفرز خلايا الدم البيضاء مواد كيماوية تحريضية تسبب تقلص في الأوعية الدموية·

اقرأ أيضا