الاتحاد

دنيا

من بيتك إلى بيت الله الحرام (7)


رمي الجمرات··· ساعات الخوف الأكبر عند الحجاج
د· محمد يونس:
يقترن أداء فريضة الحج بتوفر الاستطاعة، مما يجعل اتخاذ القرار بشأن هذه الفريضة يختلف من مسلم إلى آخر، خاصة وأن بعض الفقهاء يرى وجوب أداء الفريضة للمستطيع على الفور، بينما يرى البعض الآخر وجوبها على التراخي· فمتى يتخذ المسلم قرار الحج ؟ وما أولوية الحج بين القرارات المصيرية الأخرى في حياته مثل الزواج، وإتمام دراسته؟ وإذا اتخذ القرار فكيف يهيئ نفسه لأداء هذه الفريضة؟ وهل تجوز التجارة أثناء الحج؟ وكيف يمكن تجنب الأخطاء الشائعة في أداء المناسك؟
والحج الخمس نجوم هل ينتقص من الجزاء؟ وكيف يمكن أن يتم رمي الجمرات بدون إصابات؟
وتساؤلات أخرى عديدة تدور في ذهن المسلم بشأن هذه الفريضة، نطرحها ويجيب عنها علماء الدين، ضمن سلسلة موضوعات تنير الطريق لهذه الرحلة المباركة 'من بيتك إلى بيت الله الحرام' ونناقش فيها مختلف أركان الحج ومناسكه وأحكامه بما يقدم خلفية معرفية تساعدك على فهم هذه الفريضة واستيعابها على النحو الصحيح·
كل عام يتعكر صفو الحج يوم العيد والأيام التي تليه! حيث يلقى الكثيرون من الحجاج حتفهم أثناء رمي الجمرات· وقد بلغ الذين توفوا في العام الماضي 251 حاجا أثناء تدافعهم عند رمي جمرة العقبة، فضلا عن إصابة أكثر من مائتي حاج·
وعلى الرغم من الجهود التنظيمية التي يبذلها أولو الأمر في المملكة العربية السعودية، وآخرها ما أعلن هذا العام من إجراءات تنظيمية ووسائل إرشادية لتوعية الحجاج، إلا أن تدفق أكثر من مليوني حاج للرمي في منطقة محدودة المساحة، خلال مدة زمنية لا تزيد عن 6 ساعات -حسب الرؤية الفقهية الأكثر إتباعا- يفوق أي قدرة تنظيمية تقليدية· إذ أن الأمر يتطلب حلولاً من المنبع، تعتمد على ما يحتويه الفقه الإسلامي من رخص ووسائل للتيسير على الناس· بعبارة أخرى، إذا كان جانب من الحل بيد السلطات ويقع ضمن حدود 'التنظيم'، فإن الجانب الأكبر بيد الفقهاء وعلماء الدين ويقع في إطار 'الإفتاء' ···كيف؟ هذا ما نحاول مناقشته في السطور التالية:
لا ننكر أن الأعداد الكبيرة من الحجاج التي تزيد عن المليوني حاج سنوياً جزء أساسي من المشكلة، و يساهم بقوة في حدوث هذه الكوارث· إلا أن الأسباب ليست فقط في الزيادة الكبيرة في أعداد الذين يؤدون المناسك، وإنما تكمن أيضا في فهم المناسك وطريقة تأديتها، ومرجعية هذا الفهم· ذلك أن مظنة الهلاك تقع في توافد الحجاج على منطقة الجمرات في أوقات مخصوصة ومحددة من طلوع الشمس حتى غروبها لرمي جمرة العقبة يوم العيد· ومن زوال الشمس حتى غروبها لرمي الجمرات الثلاث أيام التشريق، أي من بعد الساعة الثانية عشرة ظهراً وحتى الساعة السادسة مساءً بتوقيت مكة المكرمة، ذلك حسب الرؤية الفقهية الأكثر إتباعا وإفتاءً·
يعني ذلك على أحسن تقدير أن متوسط أعداد الذين يدخلون هذه المنطقة المحصورة والمقطوع بحدودها، ويخرجون منها خلال 6 ساعات فقط، يزيد على 340 ألف حاج في الساعة الواحدة!
من ناحية التنظيم أعلنت وزارة الحج السعودية عن ضوابط جديدة بهدف منع تزاحم الحجاج عند جسر الجمرات، تشمل وضع ملصقات للتوعية ببرنامج التفويج، ومطويات تعريفية تحث الحجاج على الإلتزام بهذا البرنامج، إضافة إلى محاضرات لتوعية الحجاج بمنى لتوضيح أسلوب أداء المناسك، والحث على استخدام الرخصة الشرعية في التوكيل للرمي عن كبار السن والنساء والضعفاء، فضلا عن إستخدام الإذاعة الداخلية بالمخيمات لبث رسائل التوعية المناسبة لتنبيه الحجاج بمواعيد الخروج لرمي الجمرات والإرشادات التي يجب الالتزام بها·
مرة واحدة
من جانبه ينبه سماحة السيد علي الهاشمي مستشار الشؤون الدينية بديوان صاحب السمو رئيس الدولة، إلى ضرورة تقليل عدد الحجاج من خلال توعية المسلمين بأداء الفريضة مرة واحدة، وحثهم على عدم تكرار الحج، لتقليل التزاحم، وإتاحة الفرصة لغيرهم لأداء المناسك بشكل ميسر وأكثر انسيابية وسهولة·
ويضيف الهاشمي: دائما أنصح من أدى فريضة الحج أن يجعلوا حجتهم لمن لم يحج، لتلافي ازدحام الأماكن المقدسة بالحجاج الذين يحرص بعضهم على الحج كل عام· ويدعو القادرين الذين أدوا الفريضة إلى أن يتبرعوا بتكاليف حج النافلة لغير القادرين لا أن يكلفونهم بالحج عن أحد المتوفين أو بحج البدل· ففي مذهب الإمام مالك لا يوجد حج البدل، ولا الحج عن الميت· فمن مات فقد قامت قيامته وأجره على الله· وإذا مات وهو لم يستطيع فهو أيضاً غير مطالب بأداء هذه الفريضة، لا سيما وأن أداء الفرائض العينية لا يكون عن طريق شخص آخر· فالذي يصوم رمضان لا يكلف شخصاً آخر بصيامه عنه، لأن هذه الفريضة من الفروض التي تسمى بالعينية·
وحول قيام البعض بالحج عن أبيه الميت الذي كان باستطاعته أداء الفريضة، ولكنه لم يفعل، يقول المستشار السيد علي الهاشمي: أن الحج يتوقف على أمور بينها الفقهاء· فبعضهم يقول بوجوب الحج على التراخي، وبعضهم الآخر يقول بوجوبه على الفور، ولا شك ان كل إنسان يعرف متى يستطيع أن يحج؟، فالحج أحد أركان الإسلام الخمسة، فإذا استطاع المسلم أن يحج ولم يفعل ينطبق عليه الحديث الشريف' من استطاع أن يحج ولم يحج فما عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا'· والمقصود بذلك حجة الفريضة، فمن أداها فنناشده ألا يزاحم الناس في الطواف والسعي والوقوف في عرفة، وإنما يمكنه أن يعتمر· وحتى الإعتمار في رمضان مع فضله العظيم، ولكن إذا أدى إلى الزحام فننصح بتأجيل العمرة إلى وقت آخر، وترك المجال للغير· فكما يجب ألا يكون الطمع في المال، فإنه يجب أن يكون التعفف في العبادة تيسيراً على الآخرين·
الخطر القائم
ومع أهمية هذه التوعية لمنع الحج المتكرر وبالتالي تقليل التزاحم، فإنه يبقى الخطر قائماً أثناء رمي الجمرات، لذا تظل الحاجة إلى البحث عن حلول فقهية للتيسيرعلى الناس أثناء الرمي· ويتأسس هذا القول على ما استقر لدى العلماء من أن الدين يسر ولن يشاقه أحدٌ إلا غلبه، بيسره وسماحته، ومراعاته لحرمة النفس البشرية وسلامتها·
كما أن رفع الحرج أصل مقاصدي في الشريعة الإسلامية، وأدلته من القرآن الكريم والسنة المطهرة أكثر من أن تحصر· منها قوله تعالى 'يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر' البقرة: ·158 وقوله تعالى 'ونيسرك لليسرى' الأعلى: 8 وقوله(يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) النساء:28 · وكذلك ما جاء في أن التكليف التشريعي يأتي على قدر وسع البشر المكلفين ممثلاً بقوله تعالى( لايكلف الله نفساً إلاوسعها) البقرة: ·286
في هذا السياق يؤكد الدكتور محمد عيسى الأستاذ بكلية الشريعة والقانون في جامعة الإمارات أن الشرع الحكيم لم يقف عاجزاً أمام مثل هذه المشاكل المتجددة في واقع المسلمين، فالإسلام دين يسر ويدعو أتباعه إلى أن يأخذوا بما هو سهل ميسور لهم ما دام ذلك في نطاق الشرع· ويضيف أنه يناط بأهل العلم والفقه في هذه الأمة التوسع في زمن الرمي ما وسع لنا الشرع في ذلك، حيث لا نستطيع أن نوسع المكان إذ المرمى صغير - كما هو معلوم - ولا بد وأن يكون الرمي من مسافة قريبة حتى يقع الحصى في المرمى ولا يصيب الناس فيؤذيهم· وما دام العدد كبيراً والمكان محدوداً فليس أمامنا إلا توسيع الزمان وهو إجازة الرمي من الصباح إلى ما شاء الله تعالى من الليل·
يوم النفر
ويستند الدكتور محمد عيسى في هذا الرأي على أن الإمام أبو حنيفة قد أجاز الرمي يوم النفر من منى منذ الصباح· فيرمى ثم يحزم أمتعته لينزل إلى مكة· ويضيف عيسى: إذا كان معظم الناس يتعجلون في يومين كما قال تعالى ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى)· فلم يبق إلا يوم واحد وهو اليوم الثاني من أيام النحر· وقد قال ثلاثة من الأئمة الكبار بجواز الرمي قبل الزوال وهم: عطاء فقيه مكة، وفقيه المناسك وأحد فقهاء التابعين، وهو من تلاميذ حبر الأمة عبد الله بن عباس· وطاووس فقيه اليمن وهو أحد الفقهاء التابعين· وأبو جعفر الباقر من أئمة أهل البيت وفقهاء الأمة المعتبرين· وهم أفتوا بذلك ولم يروا ما رأينا من الزحام وموت الناس فكيف لو شهدوا ما شهدنا؟!
ويقول د· عيسى: أن المحققين من علماء الأمة، قرروا أن الفتوى تتغير بتغير المكان والزمان وحال الإنسان والكل يؤمن بهذه القاعدة ويرددها ويعدها من محاسن هذه الشريعة··· فلماذا لا نطبقها؟
وينبه الدكتور عيسى إلى أن الرمي ليس من أساسيات الحج، فهو يتم بعد التحلل الثاني من الإحرام بالحج وتجوز فيه النيابة للعذر· وأجاز فقهاء الحنابلة أن يؤخر الرمي كله إلى اليوم الأخير، وكل هذا يدل على التسهيل فيه وعدم التشديد، ويشهد بذلك حديث عروة بن مضرس الطائي· وقد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - في مزدلفة وسأله عن حجه فقال: من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع - أي إلى منى وطواف الإفاضة، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً - فقد تم حجه وقضى تفثه· والرمي إنما يأتي بعد ذلك· وقد سجلت لنا كتب الفقه فتوى للشيخ عبد الله بن زيد المحمود - قبل أيامنا هذه بأربعين سنة - بجواز الرمي قبل الزوال وذلك في رسالته (يسر الإسلام)·
ويؤكد عيسى، إن حل أزمة الازدحام في رمي الجمرات يتحقق إما بتقليل عدد الحجيج أو الإنابة في الرمي - خاصة للنساء ومن كان صاحب عذر - أو مد المدة الزمنية للرمي، استنادا إلى ما ذهب إليه عدد من الفقهاء·

اقرأ أيضا