الاتحاد

دنيا

شيخة الجابري: أطمح أن يحضر تراثنا في المنهاج الدراسي

الجابري: تحتفظ الإمارات بمخزون غزير من التراث

الجابري: تحتفظ الإمارات بمخزون غزير من التراث

فتح عالم التراث بابه في مطلع الثمانينيات، محتضناً ابنة الإمارات شيخة الجابري، التي عملت في ميادينه واجتهدت وجاهدت إلى أن اكتسبت خلال ربع قرن خبرات عديدة، وأصدرت مجموعة مؤلفات وأبحاث، فضلاً عن إشرافها على الدورات التراثية التدريبية، وإلقاء المحاضرات الخاصة بالدورات كجمع الحكايات الشعبية وتوثيقها، وتدريب الباحثات في ''مركز زايد للتراث والتاريخ'' على جمع مادة معجم الألفاظ الخاص بالإمارات، والإشراف على دورة ''توثيق الحياة الشعبية البحرية'' إضافة إلى تكليفها بمهام بحثية وإصدارات في مجال الموروث الشعبي، بما فيها تقديم أوراق عمل في المؤتمرات المتصلة به·

تعد بذلك شيخة الجابري، إحدى أبرز الأسماء النسائية التي تشكلت لديها تجربة كبيرة في الأدب والتراث، الأول من خلال كونها شاعرة وعضو رابطة أديبات الإمارات، والثاني من خلال كونها باحثة ومؤلفة في التراث الشعبي، عبر ''مركز زايد للتراث والتاريخ''·
رحاب التراث
عن بداية اهتمامها بمجال التراث، تقول الجابري: ''جاء الشعر أولا، وكان بداية الرحلة وما زال مستمراً، أما دخولي إلى عالم التراث فكان في بداية الثمانينيات حين رُشحت للعمل ضمن فريق البحث العامل على مشروع ''العادات والتقاليد المرتبطة بمرحلة الميلاد في الإمارات'' وهو أول مشروع نفذه ''مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية''، بعدها توالى عملي في هذا المجال، وكنت وقتها أعمل في جامعة الإمارات، وأستفيد مما تبقى من وقت في الزيارات الميدانية لإجراء المقابلات مع كبار السن من أصحاب الخبرة· وتوالت المشاريع في رحاب التراث وعملت على إنجاز ''مشروع العادات والتقاليد المرتبطة بالزواج'' وأيضاً مشروع ''زينة وأزياء المرأة في الإمارات'' وكذلك مشروع ''دورة العام'' الذي كنت مشرفة على فريق العمل فيه وكاتبة لتقريره النهائي· وفي أثناء ذلك كانت لي مشاركات ومحاضرات ومساهمة في تدريب الطلاب والطالبات من خلال بعض المؤسسات التي كانت ترشحني لمثل هذه النشاطات''·
الصدفة الجميلة
انشغال الجابري بالشعر الشعبي وعوالمه الإبداعية لم يحل دون أن تتسلل الصدفة من نافذة مشرعة على التراث·· وعنها تقول:
''وحدها الظروف قادتني إلى مجال التراث الرائع عن طريق الصدفة، وذلك حين شاركت في مشاريع ''مركز التراث الشعبي لدول الخليج'' ومنذ ذاك الوقت وأنا أعمل في أبحاث ومشروعات عديدة خاصة بالتراث، ما يحمل من عادات وتقاليد وحرف وصناعات وفنون شعبية وغير ذلك الكثير، وقد مكنني هذا الحب للتراث من حضور العديد من الفعاليات والاجتماعات وورش العمل داخل الدولة وخارجها، كما مكنني من الغوص أكثر في شعاب هذا العالم الذي يكاد يفر من بين أيدينا بغياب من يحملونه في صدورهم، وبين ضلوعهم، فقد غيّب الموت العديد من الرواة وأصحاب الخبرات ممن كان يمكن أن ندون مالديهم من مخزون غزير، فالتراث يضيع بموت رواته ومعاصريه، لذا من المهم جداً اليوم تفعيل اللجان العاملة على جمع التراث كي لا يتلاشى ويرسخ في الذاكرة''·
هوية الوطن
وأمضت الجابري سنوات طويلة في عالم البحث في مجال الموروث الشعبي، أتاحت لها تشكيل رأي و رؤية حيال تراث بلدها، وأهمية الاشتغال عليه والتعريف به·· تقول:''الإمارات وطن عظيم يزخر بالتراث والآثار منذ الآف السنين، وهذا ما تؤكده أعمال التنقيب في الآثار في كافة إمارات الدولة· أما التراث فهو هوية هذا الوطن وماضيه وحاضره الفخور بأصالة وقيم والزمن الجميل الذي مضى، ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى توثيقه، وتقديمه للأجيال بكل الوسائل المتاحة، وليس من وسيلة أهم وأسرع في إيصال المعلومة من التكنولوجيا''·
وتسترسل الجابري، وتقول: ''تحتفظ الإمارات بمخزون قوي وغزير من التراث المادي والمعنوي، يحتاج الاشتغال على تضمينه قوائم الجرد للتراث العالمي، هذه خطوة مهمة يجب العمل على إنجازها قبل نهاية هذا العام، حيث تستضيف الإمارات اجتماعات منظمة ''اليونسكو'' بخاصة في مجال قوائم الجرد للتراث الإنساني· وثمة اهتمام رسمي بهذا الأمر من قبل سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، وذلك من خلال أنشطة وبرامج ''هيئة أبوظبي للثقافة والتراث'' التي قدمت الكثير بإشراف وتشجيع من سموه· كما برز اهتمام رسمي آخر من خلال اللقاء الوطني السنوي الذي نظمته مؤخراً وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وكان مخصصا للتراث وهموم المشتغلين عليه، وسبل تطوير وسائل حفظه، وقد حضر اللقاء العديد من المعنيين في التراث، لكن مشكلتنا الكبرى تقع في أننا نضع توصيات ولاننفذها لذا يضمر الأداء في بعض المؤسسات''!
نشاط فعال
يلاحظ المتابعون لأندية ومراكز التراث، تفوق عدد المشتغلين في مجاله على حساب حضور المشتغلات فيه، إذ يندر وجود النساء في هذا المجال الحيوي، كما لا نجد الكثير من باحثات التراث من بنات الإمارات، فتكاد شيخة الجابري تكون من أبرزهن· عن هذا تقول الجابري: ''أنا واحدة من مجموعة باحثات في التراث، وقد يكون عددنا قليل، وربما أكون أكثرهن حضورا بفعل النشاط المستمر في هذا المجال، أضف إلى إصداراتي· لكني لست أولهن، فهناك من سبقتني من الزميلات الباحثات في التراث، ومازلنا إلى اليوم نلتقي ونتحاور ونتعاون، ونشارك في الملتقيات التراثية، وكان آخرها مؤخراً في ''ملتقى الحِرف الثالث'' الذي نظمته دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، حيث قدمت ورقة عمل حول الحرف والصناعات النسائية التقليدية، والتقيت مع فاطمة المغني، وصافيه القبيسي، وهما من المشتغلات في هذا المجال منذ سنين خلت''·
وعن سبب عدم وجود شابات يدخلن عالم البحث والدراسات في الموروث الشعبي، لأنه -ربما- علم دقيق يتطلب كفاءة عالية ووقت متاح·· تنفي الجابري ملاحظتنا تلك، وتقول: ''لا بالطبع ليس الوقت ولا الدقة هما السببان المباشران لأنهما مطلوبان لكل عمل يؤديه الإنسان سواء في التنقيب عن التراث أو غيره، لكن الأمر يتعلق في عدم وجود جهات تهتم بتدريب الطالبات الراغبات في ذلك، وعدم حضور التراث كمادة في المنهاج الدراسي، وفصل كبار السن عن صغاره·· هناك فجوة كبيرة بين الماضي والحاضر نحتاج لردمها من خلال تعويد الشباب على الاتصال بالماضي وما يتصل به من عادات وموروثات''·
إصدارات متنوعة
وعن أحدث ما في جعبتها من البحوث والدراسات وربما المؤلفات التراثية، فضلاً عن إسهاماتها ومشاركاتها مع مجموعة باحثين في إصدارات متنوعة، تقول: ''في مجال الإصدارات، صدر لي مؤخراً كتاب ''زينة وأزياء المرأة في الإمارات، وعلى الدقة '' فلسفة الجمال لدى نساء الإمارت'' وقد صدر عن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وكان باكورة سلسلة تراثيات، والثاني كتاب مشترك كانت مهمتي فيه تدريب الجامعيات، وجمع المادة وتصنيفها وهو كتاب ''معجم لهجة أهل الإمارات'' الذي استمر العمل فيه لأكثر من أربع سنوات، وشارك في تأليفه كل من الأستاذ الدكتور عبدالفتاح الحموز، والدكتور فايز القيسي من الأردن الشقيق، وراجعه الأستاذ محمد المر، وقد سبقهما إصدار ديوان موزه بنت جمعه المهيري، عن مركز زايد للتراث والتاريخ''·
قريباً جداً
ولا يتوقف نشاط الجابري، إذ تعكف حالياً على إنجاز بحوث وكتب تأمل أن تصدر قريباً، وتقول: ''أعمل الآن على كتاب دورة العام، وكذلك قاربت على الانتهاء من ديوان الشاعر عيد المريخي، وكتاب ''مرورا بذاكرة خاصة'' وهو عبارة عن مقالات لي ودراسات في التراث الشعبي· كما سأنجز بإذن الله ديواني الأول هذا العام، إضافة إلى إصدار مجموعة خراريف نشرت في صحيفة ''الاتحاد''·
فضلاً عن متابعتي ملف الشعر والتراث في مجلة ''زهرة الخليج'' وكتابتي لعمود أسبوعي، وأنشطة أخرى تصب جميعها في خدمة الشعر والتراث الشعبي''·
تقدير و تكريم
حظي اهتمام الجابري في التراث الشعبي، بالتقدير الرسمي، وتوّج جهدها بتكريم من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، مع عضوات المجلس الوطني الاتحادي، ومجموعة أخرى من سيدات الدولة· كما تم تكريمها خلال فعاليات ''يوم الرواي''· فيما حازت قبل عدة سنوات على جائزة ''راشد بن حميد للثقافة والعلوم'' في مجال البحث الثقافي العام، عن بحثها ''أثر العاطفة الدينية في شعر أحمد شوقي'' ونالت عدة شهادات تقدير من مجموعة مؤسسات رسمية، عن أثر تلك التكريمات، تقول الجابري: ''شكّل تكريمي في العديد من المحافل العلمية والتراثية داخل وخارج الدولة، وحصولي على عدد من شهادات التقدير والتميز في مناسبات مختلفة، وكان أهم تكريم أحصل عليه، تكريم صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة في احتفالية يوم الراوي ،2008 في مجال البحث في التراث، دافعاً لي نحو مزيد من العمل المخلص الدؤوب''·
أمنيات وطموحات
تتابع الجابري رحلتها في عالم التراث، متمسكة بأحلام تسعى إلى تحقيقها·· تصفها فتقول: ''أشكر الجهود الرسمية المبذولة لخدمة تراث الدولة، وأتمنى أن يحظى تراث بلدي الحبيبة باهتمام أكثر، وأن لايقتصر الاهتمام به على جهودنا كأفراد في غالب الأحيان· كما أطمح إلى وجود معهد خاص بتدريب الحرفيين من الشباب، وفي وجود فعالية ثقافية اتحادية موحدة سنوية للتراث· وأتمنى الاهتمام بالرواة وكبار الخبرات، وتخصيص جائزة سنوية لهم''·
و تضيف في ختام الحوار: ''كلنا مستعدون لوضع خبراتنا تحت تصرف الوطن في كل زمان ومكان''·

اقرأ أيضا