الاتحاد

عربي ودولي

الشخصية الإسرائيلية·· وتأثير النفخ الأيديولوجي


'أورينت برس' ــ خاص:
الإسرائيليون يتساءلون الآن: هل يمكن أن يحدث هذا؟ 'ارييل شارون' يخرج من حزب الليكود ليشكل حزباً جديداً · 'شمعون بيريس' يخرج من حزب العمل ويلتحق به، شيء ما يبعث على الذهول: كيف يمكن لرجل كان ظلاً لــ 'دافيد بن غوريون أن يصبح ظلاً لــ 'شارون'؟
'القفز العالي على الخشبة السياسية الإسرائيلية عادة قديمة·· كل الذي حدث أخيراً يكاد يكون انقلاباً سياسياً، فهل يرقى إلى الانقلاب الايديولوجي؟
ذلك المسار الطويل من التراقص له أسبابه· ولكن، في كل الأحوال، ثمة مؤشرات على هزة سوسيولوجية في إسرائيل إلى أين تؤدي؟ تظل الأسئلة دون إجابة بسبب التلاطم السياسي الراهن··
'الاتحاد' تضيء هذه الحالة من الناحية التاريخية·· والفكرية، والسوسيولوجية، في التحقيق التالي:
'انظر وراءك' تجد، حتماً شمعون بيريس'!
هل يستحق الرجل كل هذه السخرية من 'عوزي لانداوش الذي يسأل: 'كيف يمكن لمن كان ظلاً لــ 'دافيد بن غوريون' (النبي المسلح) أن يكون ظلا لــ 'ارييل شارون'؟·
ما بات يدعى بــ 'القفز العالي' في السياسة الإسرائيلية، يطرح الآن سوسيولوجيا يقول المفكر الفرنسي 'باسكال بونيفاس' الذي اتهم باللاسامية بسب كتابه 'هل غير مسمح انتقاد السياسة الإسرائيلية' أن هناك مشكلة حقيقية في التشكيل السوسيولوجي الشخصية السياسية في الدولة العبرية·
المشكلة قد تكون نأت من طبيعة التربية، وسواء كانت في الكمبيوتر أم في الغيتو، النفخ الايديولوجي يأخذ منحى خطيرا للغاية، أي أن الطفل الذي أخذت أسرته بالمفهوم الصهيوني لأرض الميعاد، لم يشكل من أن يمارس ذاته، وهذه مسألة بالغة الأهمية بالنسبة إلى تكوين البنية النفسية للطفل الذي يفترض أن يكون له مداه في إطار عملية بناء الذات·
بمعنى آخر، لا يمكن وضع الطفل داخل قالب خشبي لأن من شأن ذلك أن يفضي، بالإضافة الى الصدأ الايديولوجي، إلى الانغلاق، والرؤية المجتزأة، والشلل في التحليل إلا في النطاق الذي يتسق مع القيم التي ترعرع عليها·
ولقد كان لافتا أن الخريطة الفكرية والسياسية في أوروبا حفلت بأولئك الرجال الذين ما أن بلغوا مستوى معين من الوعي حتى بادروا الى تمزيق العباءة الخشبية، وإذا كان هناك من يذكر الفيلسوف الكبير 'باروخ سبينوزا' في القرن السابع عشر، فإن القرن العشرين شهد العديد من هؤلاء الرجال الذين من أبرزهم 'ناعوم تشومسكي' و'نورمان مايلر' و'الفرد للينتال' الذي استخدم ذات يوم عبارة 'الفالس الايديولوجي' في وصفه للتراقص السياسي في اسرائيل·
أتحول لتتحول إسرائيل
'شمعون بيريس' اعترف لأصدقاء بأنه 'يتحول لكي تتحول إسرائيل'، ملاحظاً أنه رغم كل المعاهدات والاتفاقات والاتصالات والحوارات لا تزال الكراهية 'تتكدس في الوجوه' قال إنه من المبكر أن تصل الأمور الى النقطة التي وصلت اليها العلاقات الألمانية ــ الفرنسية لن نرى وحدة عسكرية مصرية تشارك في استعراض عسكري إسرائيلي، كما أننا لن نرى طائرات إسرائيلية تقوم بزيارة صداقة لقاعدة أردنية، ولكن من الضروري أن يتشكل وضع في اسرائيل يمكن أن يؤسس لبناء ثقة في إطار بعيد المدى·
يذكر كيف أن مشروعه حول الشرق أوسطة لاقي معارضة هائلة من قبل اليمين، أحد الحاخامات قال إنه الرجل الذي يقودنا إلى حبل المشنقة، قال آخر إنه 'ينوي تذويبنا في ثاني أوكسيد الكربون ولعلمكم فإن الحاخام يعني العرب بذلك الغاز السام·
لماذا لا يعمل 'بيريس' مفكراً بدل أن يعمل سياسيا؟ يضحك حين يسأله أحد الصحافيين 'ماذا تتصور أن يقال عنك بعد موتك؟'، ويقول: 'يمكن أن يعتبروني أكبر انتهازي في التاريخ'، هل هو حقاً كذلك؟ في رأيه أن الوضع الذي تواجهه إسرائيل يجعل من الصعب على أي كان أن يبقى كما هو، هذا ينطبق على الصخور فقط، الأنهار تتغير، الغيوم، والبشر، بطبيعة الحال، إذا لم يتغيروا لا بد أن يتآكلوا، تماماً كما حدث للديناصور 'شمعون بيريس' قال إنه يمكن أن يشبه الديناصور أحياناً ــ وكما يصفه بعض خصومه ــ ولكن 'غالبا ما أشبه الكائنات البشرية'·
الجنرالات يقفزون
دون أن يثير حذق الجنرالات، يلاحظ أن العيش بين هؤلاء يعني العيش بين الخنادق ليس هناك من جنرال إلا ويود أن يقفز فوق الآخرين، هل غلب الجانب الفكري على الجانب السياسي في شخصية 'شمعون بيريس'؟
من زمان، قال الباحث السوسيولوجي الإسرائيلي 'يوسي آدري': 'إن بعضنا ترعرع فوق الرماد، بعضنا الآخر ترعرع فوق النار'، هذه الثنائية تندمج ببعضها البعض، أو ترتطم ببعضها البعض لتشكل حالة دائمة التوتر، هذا ليسأل 'أدري': 'هل هذا يعطينا قابلية أكثر للتكيف أم للاصطدام'، ملاحظاً أن المد الثقافي الهائل داخل الجماعات اليهودية الغربية، وحيث اليهود يمسكون بمحاور فكرية أساسية، انعكس بصورة تراجيدية على اليهودي في اسرائيل الذي عليه أن يعيش، ايديولوجيا في قرون حضارية في القدم، فيما هو ينتج الآن ثقافة تذهب بعيدا في اللاأدرية واللاانتماء' والعبث·
استطراداً ذروة التلاشي في النص، وذروة 'القتال' ضد النص، بالطبع هذا يفضي إلى نوع غريب من الازدواجية التي بذلت جهوداً هائلة لإبقائها تحت السيطرة، لكن الأمور تتفاقم، يقول 'مارك هالتر': 'إذا افترضنا أن العالم يزداد شفافية، وإننا خرجنا من ثقافة الغابات أو من ثقافة المداخن، وإذا كان لا مجال من أن يكون الواحد منا نصفين، فالحصيلة أننا امام احتمالات مرضية خطيرة، ليضيف 'لندع وجوهنا من دون أقنعة'، لكن المشكلة في الدولة التي قامت على نوع معين من التعبئة، هذا ما أوضحه 'بنحاس سافير' عندما كان رئيساً للوكالة اليهودية العالمية، قال ما معناه أنه 'كان علينا أن نضع كل تلك الأزمنة داخل زجاجة'، كلام على قدر كبير من الأهمية، وهو يعني أنه لابد من بذل جهود هائلة للحيلولة دون حصول تصدع جيولوجي داخل الشخصية الإسرائيلية، لأن هذا يستتبع، حتماً، تصدع الدولة، مع ما لذلك من انعكاسات على المؤسسة اليهودية نفسها التي باتت مرتبطة بمستوى التماسك الداخلي في إسرائيل·
الدموع في اتجاه واحد
لقد حدث شيء مثير حين اندلعت حرائق الضواحي في فرنسا، الفيلسوف اليهودي الفرنسي 'آلان فنكلكروت' استخدم مفردات عنصرية فظة ضد المشاركين في أعمال الشغب، كلمات لا يمكن أن تصدر عن مثقف بهذا الحجم مازال يستخدم المحرقة 'لإعادة تأهيل دقات قلبي' دون أن يتوقف عن التركيز على 'ليلة الكريستال' وعلى 'ليلة السكاكين الطويلة' إبان الرايخ الثالث، مع ما لذلك من تداعيات على 'كل الذين تحطموا على الأرصفة، أو داخل منازلهم'، إلى ما هناك من عبارات تستثير الدموع فقط، هل تسير الدموع في اتجاه واحد فقط؟
الفيلسوف اياه ما لبث أن اعتذر، شن حملة عشواء على نفسه، ووصف كلامه بالقذر، وحتى بالبربري، قال إنه أخطأ، وأن هذا لا يمكن أن يكون شعوره حيال المهمشين، الى حد ما جعلنا نشعر كما لو أنه، في الحالتين، كان في نوع ما من الهذيان لكن ما يفترض استنتاجه هو أن ثمة التباساً، ولعله الالتباس العاصف، بين المثقف ونفسه، إذا كان هذا هو وضع فيلسوف يقدم، عادة على أنه أحد كبار فلاسفة العصر، فما بال اليهودي العادي الذي يجد نفسه وسط تلك الرياح·
الأسباب سياسية، شخصية، ايديولوجية، لكنها سوسيولوجية أيضا يقول الروائي 'علموس كينان' كما لو أن ثمة نقصاً في الإنسان، 'إذ كيف يمكن تبرير حرمان الفلسطيني من أرضه، ومن منزله، بحجة توراتية، أو بحجة أمنية؟ لا مجال لتبرير ذلك لا أخلاقياً، ولا إنسانياً، بعبارة أخرى أن المواطن الإسرائيلي حين يتعاطى السياسة لا بد له من أن يكون 'أقل انسجاماً مع وضعه الإنساني' ينسى كل شيء، ويعتبر نفسه داخل دائرة الخطر دون أن يكون ذلك واقعياً، فثمة بلدان عربية أبرمت معاهدات سلام مع الدولة العبرية، كما أن المجتمعات العربية عرفت بالتسامح، حتى إذا ما أخذنا بالاعتبار، تلك 'اللحظة الأندلسية' التي دامت زهاء سبعة قرون، لتبين أين كان 'موسى بن ميمون' داخل البلاط الى حد كبير كان النجم الفلسفي والثقافي لسنوات طويلة، فيما كان يهود آخرون يحتلون مواقع متقدمة في إدارة المال والديبلوماسية فضلاً عن الشؤون العلمية المختلفة·
الفاتيكان اليهودي
لكن رجلا مثل 'زئيف جابوتنسكي' الذي طالما قيل أنه وضع قدميه في رأس 'مناحيم بيجن'، وكان مرشده الروحي، قاد تلك الحملة الايديولوجية التي لا تأخذ بالاعتبار المعنى الإنساني في أي عملية سياسية مهما كانت معقدة يفترض أن يوضع الإنسان جانباً، وبقوة هذا أثار في وقت لاحق جداً، حتى أعصاب 'ناجوم جولدمان' أحد آباء الدولة، الذي لاحظ أن الفترة الانتقالية لا يمكن أن تستمر الى الأبد، فالدولة العبرية أصبحت من القوة بحيث لا مجال لتهديدها إلا بالقدر الذي تشعر فيه أي دولة أخرى بأنها مهددة·
بالتالي، لابد من إعادة غسل الضمير ليتشكل ذلك الضمير السياسي الذي باتت إسرائيل بحاجة ماسة اليه، قال هذا 'جولدمان' في 'اللوموند ديبلوماتيك' منذ نحو عقدين، داعيا الى التخلي عن المنطق الاسبارطي في التعاطي مع الأمور، فحتى الامبراطوريات الكبرى، وعلى رأسها الامبراطورية الرومانية، لم تستطع قوتها أن تحميها من الاندثار، كيف الحال بالنسبة الى دولة بقياس إسرائيل تستند، بصورة أساسية، الى المعونات المالية والعسكرية والسياسية، لا بل إن بقاءها نفسه يرتكز، أساساً، على هذه المعونات، أن تصعد في وجه تقلبات دولية، إذا ما أخذنا بالاعتبار أنه منذ مطلع القرن السادس عشر وحتى مطلع القرن العشرين، عقدت ستة آلاف معاهدة واتفاقية ذهبت جميعها أدراج الرياح بفعل التحولات ـــ الحتمية ــ التي حصلت في معادلات القوة·
ذات يوم سأل 'الفرد للنيتال' 'لماذا يفترض بنا أن نذهب إلى الجحيم' على خطى 'ناحوم غولدمان'، قال إن الحل النهائي لبقاء إسرائيل أن تتحول إلى 'فاتيكان يهودي' العرب يستطيعون أن يتقبلوا ذلك على الرحب والسعة، لا مشكة لديهم قطعا ، وإذا أكدوا في قمة بيروت العام ،2002 على أن السلام هو خيار استراتيجي للجميع، كما أنهم ارتضوا تقسيم مدينة القدس، وحتى إعلانها مدينة مفتوحة للجميع، مادامت تحتضن مقدسات عائدة للأديان الثلاثة·
من ناحية أخرى يلاحظ أن المواطن الإسرائيلي لا يزال في 'حال التشكل' تماما كما هو حال 'الدولة الإسرائيلية' هناك 'بقاء' هذا يستند إلى ديناميات، ومفاهيم، ومعايير معينة، بالتأكيد لا يمكن للخوف أن يبرر أي وضع استراتيجي، في ظل المعادلات الدولية الراهنة، ومن يحمي اوزبكستان من روسيا إذا ما تذكر الاوزبك ماذا فعلت خيول القيصر 'الكسندر الثاني'؟ ومن يحمي كوريا إذا ما عدنا إلى الساموراي وهو يضع قدميه على شاطئ شبه الجزيرة؟
في أحيان كثيرة، وحين كان 'شمعون بيريس' يناقش مشروع الشرق أوسطية الذي كان بمثابة رهانه الفلسفي والاستراتيجي، كان يقول بصوت منخفض، أنه لا مجال للاستمرار في سياسيات القوة، لابد من وقت للتأمل في المستقبل الذي سيكون، حتماً مختلفاً في كل شيء إذاً، لماذا تبرير الدم بتلك الطريقة المأسوية؟
لا بل إن 'بيريس' الذي بدّل اسم عائلته 'من 'بيريز' إلى 'بيريس' أن النسر، والذي يصفه خصومه بــ 'طائر الليل'، همس في آذان البعض أنه من أقنع 'ارييل شارونش بأن يخرج من الليكود وبأن يستخدم عقله بصورة أفضل إذ أن القوة لا يمكن أن تأتي بالأمن والأمان لإسرائيل، ولكن هل حقا أن ثمة قوة في هذا العالم تستطيع تغيير جلد العقرب؟
انقلاب ايديولوجي؟
على الخشبة الإسرائيلية ثمة نقاش مستفيض الآن حول ما إذا كان الانقلاب السياسي يستتبع حكما، الانقلاب الايديولوجي صحيح أن العمليات الانتحارية مستمرة، لكن الثابت أن المناخ الفلسطيني، أو المناخ العربي، يميل، بصورة واضحة الى الحل التفاوضي اللغة التي يستخدمها العرب مختلفة كليا عن تلك 'اللغة البائدة' التي كانت سائدة في وقت من الأوقات هذا لا يقنع 'شاؤول موفاز' الذي وصف ذات مرة العربي بأنه أشبه ما يكون بالخنجر الذي يحاول الاقتراب من الظهر، هل هذا هو العربي فعلاً، وقد استذكرنا قول رئيس الأركان والوزير السابق 'رفاييل ابتان' الذي وصف العربي الجيد بــ 'العربي الميت' يفترض بنا أن نموت لنكون جيدين·
هذه سوسيولوجية في الدولة العبرية، من الصعب الرهان على تحول داخلي بعيد المدى في شخصية 'ارييل شارون'، ولكن عندما ينفصل الرجل، حتى وإن لغايات شخصية، عن حاخامات الليكود الذين يقولون بالحرب المفتوحة ضد الفلسطينيين، لابد أن يكون حدث شيء ما في طريقة تفكيره، وإن قيل ان الرئيس 'جورج دبليو بوش' أبدى استعداده لتوقيع اتفاقية تضمن الولايات المتحدة بموجبه أي اتفاق سلام (نهائي) يبرم بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وان اعتبر 'يونيل ماركوس' أن هذا ليس الحل يقول: 'السلام يحميه أهله'، أي سلام آخر يمكن أن يتهاوى أمام أي هزة، ولكن ألا يقول الفرنسي 'جاك جوليار' حين يتغير ارييل شارون فلا بد أن يكون حدث شيء ما في العقل السياسي داخل الدولة العبرية·
'شيشرون'، رجل القانون الشهير قال 'الأيام عيون' إنها هي التي تعطي، في نهاية المطاف، تقريراً وافياً حول ما يحدث وما سيحدث·
'أورينت برس'

اقرأ أيضا

الجيش الوطني الليبي يُنفذ عمليات نوعية ضد الإرهابيين في طرابلس