الاتحاد

دنيا

مبارك البريكي: عشق التراث لا ينقص بالتقادم

البريكي: قضيت سنوات طويلة في إنشاء قرى تراثية

البريكي: قضيت سنوات طويلة في إنشاء قرى تراثية

استهوى تراث الدولة بكل أنواعه؛ الوالد مبارك سعيد البريكي، منذ الثمانينيات، حيث كان حينها يعمل موظفاً في ميناء زايد، واستمر في عمله حوالى 30 سنة، يفخر أنه لم يحصل خلالها على إنذار واحد، ولم يتغيب عن دوام عمله يوما واحدا بمبرر أو دونه· وتقاعد عام 1994 ليتيح لغيره مجال العمل وخدمة الوطن، فهو لا يعتبر نفسه متقاعداً بل خادماً لوطنه، وأي عمل يكلف به يتمه على أكمل وجه·
يحمل البريكي العشرات من شهادات التقدير وجوائز التكريم، عن أعماله في خدمة التراث التي تكثفت إبان تقاعده، فعلى غير ما يعتاد الناس حين يتقاعدون، ازداد نشاطه في مجالات التراث، بخاصة إنشاء قرى التراث سواء للجهات الرسمية أو القطاعات الأهلية، فأقام العديد من القرى في مهرجانات محلية، ومعارض متنوعة، وفعاليات للاتحاد النسائي، وهيئات ثقافية، وشركات بترول، وكليات التقنية، التي تحرص جميعها على إقامة هذه القرى بالقرب من منشآتها، خلال مختلف المناسبات الوطنية والدينية والخاصة بكل مؤسسة أو كلية·

وتمثل اشتغاله في التراث بشكل رسمي عبر انضمامه إلى جمعية تعنى بالموروث الشعبي، يقول البريكي:''دخلت مجال التراث منذ مطلع الثمانينات، ثم في عام 1990 انطلقت عبر ''جمعية إحياء التراث'' وشاركت رسمياً في أول فعالية في الجمعية، عبر عمل جماعي تمثل في إقامة معرض ملحق به قرية تراثية ·وتوالت بعدها مشاركاتي، فساهمت في تنظيم مسيرات الطلبة في الأعياد الوطنية، بخاصة الجانب التراثي فيها، ولعل أهم مسيرة شاركت فيها، تلك التي حملت فيها مشعل الاتحاد، مع ستة من زملائي، وانطلقنا بالمشعل من ''المجمع الثقافي'' إلى كافة إمارات الدولة، على سبعة من الهجن، واستمر مسيرنا حوالى أسبوعين، كان في وداعنا الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية، وقد أوصاني حين سلّمني المشعل ''احذر لا يطيح'' فقلت لسموه ''يطيح راسي ولا يطيح المشعل''· وقد استقبلنا الحكام في كل الإمارات التي استقبلت مسيرة المشعل''·
مسؤوليات جمة
ويحصي البريكي ما يستطيع من المسؤوليات والمهام التي اضطلع بها خلال تلك السنوات، وبحماس يقول: ''قمت مع زملائي في الجمعية بتأسيس''قرية زايد للتراث'' وأقمناها في أرض المعارض بأبوظبي، بهدف إبراز الجانب التراثي في الدولة أمام الزائرين من كل الجنسيات، حيث كانت تضم نماذج حية لمبان تراثية تشير إلى تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها أبناء المنطقة قديماً· وقد تم تشييدها بأسلوب هندسي يناسب عراقة الماضي، إذ سعيت أن يكون تصميمها وفق نمودج زمان أول، وبحسب أجدادنا، بكل ما في البيئة البرية من بيوت الشعر ومستلزماته، والأدوات المستخدمة في الحياة اليومية آنذاك، وكذلك البيئة البحرية بدءاً من بيوت ''العريش'' المصنوعة من سعف النخل، والسفن الصغيرة وشباك الصيد· إلى جانب إقامة سوق شعبي يضم مجموعة من الحرف اليدوية ومنتجاتها· كما كنت مسؤولاً عن ''قرية زايد''، ثم نائب مدير القرية، ثم مدير قسم الإعلام فيها، ثم المشرف العام على المعارض، واستمر ذلك نحو عشرة أعوام، إلى أن صرت المعني رسمياً بإنشاء القرى التراثية، وإقامتها في العديد من مناطق الدولة''·
إنشاء القرى
ويتجاوز عدد القرى والأسواق الشعبية التي أقامها البريكي؛ مئة قرية تراثية، وذلك في غضون 14 أو 15 سنة· في ذلك يقول: ''خلال أقل من 15 عاماً، نظمت حوالى 100 قرية تراثية ومعرض وسوق شعبي في أنحاء الدولة، بخاصة مدن (أبوظبي و العين والختم والسلع والرويس)· كما شاركت في تنظيم أجنحة الدولة أثناء مشاركاتها في المعارض والتظاهرات الاقتصادية وغيرها· ومن ضمن القرى التي أقمتها، قرية التراث في منطقة ''الختم'' المخصصة لاستقبال طلبة ''تعليم بلا حدود'' حيث يقصدها إلى جانب الطلبة، مجموعات من الزوار والسياح، يأتون من كل أنحاء العالم· وهي قرية دائمة راعينا أثناء بنائها فصلي الصيف والشتاء، وفيها أسواق يشارك العارضون بها لعرض منتجاتهم''·
مواقف مؤثرة
وخلال إنشاء القرى التي تزدهر بمعروضاتها وتستقطب آلاف الزوار إليها، حدثت مواقف كثيرة مع البريكي، منها الطريف ومنها المبهج ومنها المؤثر، يتحدث عن إحداها ويقول: ''حدثت معي بعض المواقف المؤثرة التي تحفظها الذاكرة، إذ أذكر أنه بعد انتهاء احتفالات الدولة بالعيد الوطني، قمنا بتفكيك القرية التراثية التي أقامتها الجمعية احتفاءً بالمناسبة، لئلا يتساقط عليها المطر فتتهاوى· وإذ بي أرى إحدى السيدات العاملات في قرية التراث تصيح (تبكي) لأننا سنفك القرية، فقد عاودتها ذكريات أهلها وأجدادها حيث كانوا يسكنون ويرتحلون بحسب أحوال الطقس''·
أسئلة السياح
وتعد فئة السياح إحدى أكثر الفئات التي تحرص على زيارة المعالم التاريخية والقرى التراثية، بخاصة وأن السائح لا يملك وقتاً مفتوحاً كما المواطن والمقيم كي يزور هذه المعالم في أي وقت· لذا تشكلت لدى البريكي ذكريات مع بعض السياح، وصداقات طيبة مع بعضهم الآخر، يقول عنها: ''كان السياح يأتون إلينا وليست لديهم أية فكرة عن الإمارات وشعبها، وحين يجدوا أننا شعب طيب وكريم وأمين ونحب وطننا، ونطمع فقط في إبراز عاداته وتقاليده، يسألوننا عن الحياة التي عاشها أجدادنا، فنريهم القرى التراثية التي نبنيها كنموذج مصغّر عن حياة أهلنا، ليروا ما تحويه من تفاصيل ومستلزمات تستوقفهم جميعها فيسألون عنها مهما صغرت، كأسئلتهم عن ''الدلة'' و ''الجفيرة'' و ''المندوس''· لكن حدث أن سألتني مرة إحدى السائحات: ''ما معنى التكنولوجيا بالنسبة لك؟ فأجبتها باسماً: ''لقد قام الشيخ زايد رحمه الله، بتزويد شعبه بكل ما يلزمه من عوامل وأسس العلم والمعرفة والحضارة والنهضة، فوجه رحمه الله بإيصال التكنولوجيا لنا إلى قلب الصحراء، وقد عرفنا أن التكنولوجيا أشبه بطبق فيه كل أنواع الفاكهة، وعلينا كشعب حضاري وملتزم بأخلاقياته أن نتناول ما يناسبنا منها، ونسخره لخدمة بلدنا· فاستحسنت إجابتي وأبدت إعجابها بهذا المفهوم الذي ننطلق منه في الدولة''·
ذكريات لا تنضب
ويلاحظ أن السياح يحبون زيارة الدولة لمناخها الدافئ، كما تتوفر فيها عناصر بيئية يندر وجودها في بلدانهم، كالصحراء والنخيل والصقور وبيوت سعف النخل، فضلاً عن الشعور بالأمان· مما يجعلهم يفكرون ويعدون بالقدوم مرة أخرى· فيما يعتدل البريكي في جلسته، ويستعيد ذكرياته، ويقول: ''زارت أبوظبي سفينة تدعى ''الحياة'' وكان جميع ركابها من كبار السن الذين تقاعدوا عن العمل، ويريدون الاستجمام والتعرف إلى بلدان العالم· فاستقبلناهم وأطلعناهم على أهم معالم المدينة التاريخية منها والتراثية، وكذلك الحديثة· وأهديناهم هدايا تذكارية تمثل تفاصيل عن تراث أجدادنا، ومجسمات وقطع من شتى المشغولات اليدوية، وكتب ورسوم وصور·
وحين أوشكت سفينتهم على مغادرة أبوظبي، صار بعضهم يبكي تأثراً، والبعض الآخر يريد البقاء ليومين آخرين، لأننا عرفناهم علي تاريخ المنطقة وتراثنا بكل حب وصداقة، وأكرمناهم واحتفلنا بقدومهم، حيث جلبنا لهم فرق الفنون الشعبية، وقدمنا لهم ''الفوالة'' وأنواع ''التمور'' وشتى أصناف الضيافة بالمجان، تأكيداً على أصالة الكرم العربي· وكانوا قد ظنوا أننا سنأخذ منهم مقابل مادي، كما يحدث في باقي البلدان التي يزورونها''·
استمرار الرحلة
وعلى الرغم من تقاعده رسمياً من عمله الوظيفي، لا يعترف البريكي بالتقاعد المعنوي والحركي، لذا لا يزال يواصل حتى اليوم رغم تجاوزه الستين من العمر، إنشاء القرى التراثية، واضعاً حصيلة خبراته ورؤيته في مجال التراث الشعبي، في خدمة البلاد وتحت تصرف المسؤولين خلال الاحتفال بالمناسبات الوطنية والدينية والرسمية· يقول: ''يسعدني أن العديد من قرى التراث التي تقيمها الوزارات والمؤسسات والهيئات، وترونها في جوار أبنية تلك المؤسسات لاستقبال المهنئين والزائرين، هي من تصميمي وأشرف على تنفيذها بنفسي حرصاً على جودة إنجازها ودقة وتطابق مواصفاتها مع زمان أول· حيث يطلع الزائر على واقع وتفاصيل الحياة اليومية لأجدادنا، من خلال عرض كل ما كان يرتبط بتلك الحياة من أدوات ومستلزمات، كالمجالس والغرف ومستلزماتها، والأدوات الزراعية، والأسلحة، وأدوات صيد اللؤلؤ، ودلال القهوة العربية، والأزياء الفلكلورية، والحلي وأدوات الزينة عند المرأة، فضلاً عن معرض لصور قديمة تجسد مراحل الحياة في الدولة، ومجموعة من المسكوكات والعملات المعدنية والورقية· وكل ذلك بوجود شياب وشباب من الجنسين، يمارسون العمل في السوق الشعبي الصغير المرفق بالقرية، بدافع التعريف بأهم الحرف اليدوية النسائية، والمهن التقليدية التي كانت سائدة قديماً''·
هوايات أخرى
ولا تقتصر اهتمامات البريكي في مجال التراث على إقامة القرى التراثية والأسواق الشعبية· فهواياته المتصلة بكل ما هو قديم لا تقف عند حدّ· يشير إليها ويقول: ''أنا من هواة'' المقناص''- صيد الصقور، وكنت أقوم برحلات مع أصدقائي لممارسة هذه الهواية الرياضية القديمة، ولي كذلك اهتمامات بسباقات الهجن، ومسابقات الإبل· فضلاً عن هوايات أخرى تنتمي جميعها إلى التراث وحياة البر والبحر''·
ولدى البريكي سبعة أبناء وثمانية بنات، منهم من يخوض بحر العلم، ومنهم من يخوض بحر العمل، وقد عمد في تربيته لهم أن يعلمهم حب التراث، فورثه لهم، يقول: ''ابني سيف متولع بالتراث كثيراً، ويلازمني أحياناً في عملي، فيشرف على العاملين في القرى التراثية وتنظيم محال العارضين''·
وانطلاقاً من مشاعر الأبوة، يختم البريكي الحوار بتوجيه نصيحة إلى شباب اليوم، ويقول: ''كل شيء في الحياة يحتاج إلى صيانة، سواء من رب العالمين أو الإنسان، لذا أنصح الشباب أن يتطلعوا بحب واحترام إلى دينهم ووطنهم وولاة أمرهم، وأن يكرسوا حياتهم للعلم والعمل، والاهتمام بتراث أجدادهم لأن الماضي هو أساس للمستقبل· فالتمسك بالعادات والتقاليد هو الأهم· وعلى كل مواطن يسافر خارج الدولة أن يعتبر نفسه سفيراً لها ويقدم صورة مشرقة ومشرّفة عن بلادنا قديماً وحديثاً، فيعكس قدر الإمكان تراثها، ومن ثم نهضتها الشاملة· لأن الشعوب تُعرف بعاداتها وتقاليدها·

مستلزمات القريـة

يستلزم بناء قرية تراثية، توفر مواد خام عديدة، كالأخشاب والحديد والطين والجص وسعف النخل والخوص والحصير والحبال، بحسب البيئة التي ينتمي إليها البيت، فإن كانت بيئة برية، تنصب خيمة ''بيت شعر'' بكافة مستلزماته، وإن كانت بيئة بحرية، فيقام ''بيت العريش''·
ويتطلب بعد بناء القرية؛ توفر كافة مستلزمات البيت، كمفروشات المجلس المصنوعة من ''السدو'' مثل (الأرائك والحصائر، والأغطية) وكذلك أدوات المجلس (الجرار الفخارية، ومنقل ودلال وفناجين القهوة، ومجموعة الضيافة- فوالة حلويات وتمور وفاكهة وأكلات شعبية) وأدوات غرفة النوم (الحصائر والفرش والوسائد والأغطية، ومندوس الثياب وأدوات الزينة والعطور)· فضلاً عن أدوات المطبخ· وتوفر حظيرة جانبية للإبل والمواشي والدواجن والصقور· وإلى مقربة منها يكون ''الطوى'' بئر الماء· هذا باستثناء ''البارجيل'' الذي يجلب الهواء·
كما تضم القرية التراثية عادة، متاجر صغيرة تشكّل ''السوق الشعبي'' فيطوف الزائر على كل ما كان يشكل الصناعات الحرفية واليدوية والتقليدية، يستمتع بمشاهدتها واقتناء بعض منتجاتها كهدايا تذكارية· فضلاً عن مشاهدة سباقات الهجن والخيول، وعروض لفرق الفنون الشعبية، بكامل زيها الرسمي وآلاتها الموسيقية· بينما تضفي كل تلك التفاصيل مجتمعة جمالاً أخاذاً على المكان·

اقرأ أيضا