الاتحاد

دنيا

المراهق.. يرفض السيطرة ويسعى لإثبات الذات

القاهرة (الاتحاد)

 تمثل الفترة الزمنية من عمر الطفل قبيل ولوج مرحلة المراهقة أهمية كبيرة في تشكيل الشخصية وبلورة اتجاهاتها ومعالمها، وليس غريباً أن يطلق عليها علماء النفس والتربية، مرحلة «الولادة الثانية» لما لها من خصائص وتغيرات تنتاب الفرد في هذه المرحلة من جميع النواحي الجسمية والانفعالية والجنسية والعقلية والنفسية والاجتماعية والدينية... إلخ. هذه التغيرات من شأنها أن تجعل الفرد يتقدم نحو النضج بطريقة تدريجية طبيعية. فالطفل بلا شك يتأثر إلى حدٍ كبير بالعلاقات العائلية المختلفة، وبدورها تؤثر في قدرته على التلاؤم والتكيف مع بيئته التي يعيش فيها، فكثيراً ما يدرك أن طريقة معاملته لا تتناسب مع ما وصل إليه من نضج، وما طرأ عليه من تغيير، ويشعر أنه غريب عن البيئة الخارجية الممثلة في المدرسة والأسرة والمجتمع، ومن الطبيعي أن يبدأ في الانسلاخ من صداقاته القديمة.

إنه يبدأ في اختيار أصدقاء جدد، إنه يبنى عالماً جديداً، وهذه الأنواع من السلوك تؤكد أنه يعيش في قلق وارتباك شديدين، وهو في معظم الأحيان يحتاج إلى صداقة الأب والأم أكثر من أي وقت مضى. وهو يشعر في الوقت نفسة أن أسرته لا تعطية كل ما يطلبه من الحرية، ويتأكد لديه إحساس بأن واجباته أكبر من حقوقه، رغم أن أي إنسان موضوعي يمكن أن يقول عن الأسرة إنها تحاول أن تمنح الابن الفرصة كاملة للتعبير عن نفسة وعن حريته.

 

إرشاد هادئ

تلفت الدكتورة رباب عيسى، اختصاصية الطب النفسي، إلى أن الأب والأم مطالبان خلال هذه المرحلة الانتقالية بإرشاد الأبناء وتوجيههم بأساليب هادئة ومقنعة وحاسمة أيضا، إلى ما هو صواب، وما هو خطأ، ولا بد من الالتزام بضرورة إرشاد الابن أو البنت إلى السلوك المعقول والمقبول اجتماعياً، لا لأن الآباء يريدون السيطرة والتحكم في تصرفات الأبناء، ولكن لأنهم يعرفون جيداً بأن الطفل في هذه المرحلة الحرجة والحساسة تنقصه الخبرة، ويرى في الوقت نفسة أن إرشاد الوالدين هو نوع من السيطرة مهما كان هذا الإرشاد ضرورياً. ويقع بعض الآباء في الخطأ عندما يتشددون في بعض الأمور، ويتساهلون في بعضها، دون تبرير مقبول أو منطق ما، وهكذا يجد الصبي ما يمكن أن يتهم به الآباء بعدم المعقولية أو عدم المصداقية أو التناقض.

كائن مستقل

وتقول الدكتورة رباب عيسى: «من البديهي أن الكبار ينظرون إلى الأطفال على أساس أنهم يعتمدون اعتماداً مطلقاً على الأب والأم، فمثلاً يهرول الطفل إلى أبيه عندما يخاف، وتطلب الفتاه من أمها الحماية عندما تجد نفسها في ورطة، وهذا أمر طبيعي للغاية. وليس غريباً أن يفكر الطفل في طلب المساعدة من الأم أوالأب، وليس غريباً أيضاً أن يصغى الأطفال لأوامر الآباء والأمهات، ليوضحوا ويشرحوا لهم القيم وألوان السلوك التي يسيرون عليها، ولا تحدث مناقشة أو معارضة من الطفل لوالديه إلا في بعض التفاصيل الصغيرة مثل إصرار الطفل على شراء لعبة ما أو اختيار أنواع ملابسه. لكن ما أن يبدأ الطفل ولوج سن المراهقة حتى نفاجأ نحن الآباء والأمهات بأنه يقدم لنا أكثر من طلب يومي لاعتباره كائناً مستقلاً، وأنه جدير بذلك، وأن الاستقلال حق له، وأن احترامه مسألة مقدسة، وأن له قرار اختيار المستقبل. إنه يقدم لنا هذه المفاجأة في كل لحظة، ولا يمكن أن يتنازل عنها، بل ويصر على الحرية والاستقلال، ولا يمل من الجدل والمناقشة والتفاوض، ونراه يحارب على جبهتين في وقت واحد، الأولى هي جبهة عدم استقراره على الثقة بنفسه وتردده، والمخاوف التي تملأ أعماقه، والجبهة الثانية ضد عالم الكبار؛ لذا نراه يحارب من أجل إثبات صحة نظريته ورأيه، وإذا لزم الأمر فإنه يطلب الاستقلال وإذا قررنا نحن الكبار أن نعطيه الاستقلال فجأة، فإننا نلاحظ أنه يرفض هذا الاستقلال، إنه يفضل أن يغتصب استقلاله منا دون أن نمنحه إياه».

 إرهاصات

وعن تضارب وارتباك مشاعر الطفل قبل مرحلة المراهقة، تقول: الصبي هنا قد نراه لا يقبل نفسه بحسناته وسيئاته كما كان يحدث في السابق، ونراه يحرص على معرفة رأى الآخرين في صفاته الحسنة وصفاته الرديئة. إنه يريد أن يكون مثالياً باهراً لامعاً، ويرغب في أن يعرف الجميع أنه جذاب وذو بصيرة نافذة، ويجيد أكثر من مهارة. إنه يريد أن يفرض نفسة كإنسان قادر على تطبيق المثل العليا. لهذا نجد الإنسان تحت العشرين يحاول أن يظهر للآخرين أنه محيط بالعالم، وأنه يعرف الكثير، ودائماً يكتشف أن له مشاعر وليدة وأحاسيس جديدة، ولا تظهر هذه المشاعر والأحاسيس إلا عندما يجد نفسه مقبلاً على تغيرات جسدية كبيرة وواضحة، ولا يعجبه في معظم الأحيان أنفه أو عيونه. نراه يستغرق كثيراً في أحلام اليقظة، ويغرق في الخيال، إنه يحلم بأنه قادر على أن يقول أجمل الكلام، وأن يتصرف بأرق أسلوب، لكن عندما يواجه الواقع يرتبك، ويشعر أنه لا يزال في حاجة لدعم ومساندة الكبار.

اقرأ أيضا