الاتحاد

دنيا

النخلة سيدة الأشجار والثمار

صاحب المزرعة يتابع المزارع خلال تشذيبه العذوق

صاحب المزرعة يتابع المزارع خلال تشذيبه العذوق

تعد النخلة المباركة من أقدم الأشجار التي عرفها الإنسان منذ آلاف الأعوام، إذ يذكر أن منطقة الخليج العربي وبلاد الشام بعض مواطنها، حيث تنمو فيهما أفضل أنواعها·· وهي الشجرة الأغلى لدى العرب -بخاصة أهل البادية- فما من شجرة استحقت مكانة أعلى من النخلة التي مجدتها كافة الأديان، وجاء ذكرها في التوراة والإنجيل· وذكرت في القرآن الكريم 21 مرة، منها قوله سبحانه وتعالى: ''والنخل باسقات لها طلع نضيد''· وقد ذكرت في نحو 200 حديث شريف· كما تجلت مكانة وقيمة النخلة، في العديد من الأمثال العربية بما فيها العامية، ومنها: ''بيت ما فيه تمر جياع أهله'' كما قال شاعر الإمارات الشهير الماجدي بن ظاهر:

''طهي نضي لا بشوي وطبخ مقات الضعافا وقوت السبيل

وقال شاعر آخر
''يا ليت عندي نخل تسقى بغرافه والقيظ لي من هدن واحمرت أطرافه''

واهتم أجدادنا كثيراً بزراعة النخيل وأولوها عناية متميزة، واعتمدوا عليها اعتمادا كلياً في حياتهم اليومية، من خلال ظلها وخشبها وسعفها وعذوقها وثمرها· وكانت شريكتهم في الصحراء وشظف العيش، ووجهاً جميلاً من وجوه كرمهم، إذ اعتبروا تقديم الأنواع الجيدة من تمرها مع القهوة دليلاً على إكرام الضيف·
ويمتد عادة موسم نضج الرطب من شهر يوليو إلى شهر ديسمبر، بحسب محمد سيف (صاحب مزرعة في واحات العين)، ويقول: ''أول ما يجمع هو ''النغال'' ويكون باكورة الإنتاج، ثم على التوالي يخرف ''الشيشي- الخنيزي- الجبري- الفرض- البرحي- الرزيز- المسلي'' وغيرها، حيث تعبر النخلة سفر عام كامل كي تتحول من بذار فرطب ثم تمر، ثم تمور مصنّعة نتلذذ بمذاقها، لذا تحتاج عناية تامة طوال العام حيث يبدأ الموسم بمرحلة ''الترويس'' وينتهي بمرحلة ''الصرام''·
فيما يوضح أبو أحمد- (مزارع في واحة) تلك المراحل بإسهاب، ويقول: ''يعتبر ''الترويس'' أول المراحل حيث يقوم المزارع بركوب (صعود) النخلة وقص الكرب المتخلفة، وكذلك قص الأشواك من الجزء السفلي لكل سعفة، لئلا تؤذيه عند صعوده النخلة· ثم يكون ''التنبيت'' وهو إذا خرج طلع النخلة يقوم المزارع بنثر شيء بسيط من طلع الذكر المطحون على طلع الأنثى· وتختلف المدة اللازمة للتلقيح باختلاف الأصناف، حيث يفضل إجراء التلقيح بعد مرور 4 أيام، لأن التأخير عن هذه المدة يقلل من عقد الأزهار وبالتالي قد يقل المحصول· ثم ''اللفاف'' الذي يأتي بانتهاء ''التنبيت'' لبعض أنواع النخيل مثل ''الشيشي والخلاص والخنيزي والحجوب والعماري'' وهو عبارة عن لف مكان العذوق الحديثة بالليف، حتى لا يتأثر الطلع بالشمس ويفسد· وبعدها يتم ''التفكيك'' وهو عبارة عن إزالة الليف من حول العذوق الحديثة، ثم تأتي مرحلة ''التحدير'' وفيها يصعد المزارع النخلة لجني العذوق (من أعلى إلى الأسفل) حتى تلامس السعف السفلي ويربطها بالحبال، وذلك حتى لا يشق عليه جني الرطب فيما بعد، كذلك يتم إزالة السعف القديم من موضع الكرب· بعدها يكون ''الخراف'' فإذا ظهر الرطب يجنى لأكله، أو تقطع العذوق كاملة أحياناً بغرض سلقها، كما في صنف ''الخنيزي''· بينما في المرحلة الأخيرة ''الصرام'' يجنى التمر من خلال قص العذوق من ''الشماريخ، فالصرام هو جذاذ النخل أي قطع الثمرة من النخلة''·
ولدى محاولة تصور حجم انتشار أشجار النخيل في الدولة، والتي يعدّ بالملايين سواء في صحاريها أو واحاتها أو مزارعها أو طرقاتها العامة، فلا شك أن الأجداد والآباء يتذكرون غابات وواحات النخيل التي كانت تمتد على طول الصحارى والرمال البيضاء القريبة من سواحل المدن في أبوظبي ودبي والشارقة، وكذلك البراحات الساحلية وسفوح الوديان ومساحات شاسعة من براري الإمارات·
وتتوزع أنواع عديدة من أشجار النخيل في إمارات الدولة، وتقسم حسب المناطق، إذ تذكر دراسة عن ''الزراعات القديمة في دولة الإمارات العربية المتحدة'' من إصدارات بلدية أبوظبي: ''يمكن القول أن واحات العين تشتهر بالنخيل من نوع ''الفرض- الخلاص- الجبري- بومعان'' وغيرها من الأنواع التي تحتاج إلى الجفاف وحرارة الطقس· حيث تتميز بغابات من أجود أنواع النخيل في المنطقة· وكذلك الأمر في ''ليوا'' والمنطقة الغربية· فالأنواع المعروفة للنخيل وفق مواسم نضوج ثمارها هي ''الجدم'' والتي تتقدم غيرها من النخيل وأكثرها انتشاراً، وثمة أنواع أسبق من غيرها في الإثمار وذلك بحكم حرارة الطقس· بينما تشتهر رأس الخيمة بعدة أنواع من النخيل، منها ''الحاتمي- جش ربيع- البقاتي- الصلاني- الخبيصي- الخنيزي''·
واليوم، لم يعد غريباً أن يحصى في الدولة من أصناف أشجار النخيل عشرات منها، ومن أنواع التمور نحو 125 صنفاً، فهي الأشبه بالإنسان، لها قبائل وأصلها واحد، تشبهه في الاستقامة والشموخ والعزة، وتضاهيه كرماً وصبراً وتفانياً وحناناً· وقد تعالت على الحرمان والبؤس، ورفعت رأسها إلى الله سبحانه وتعالى، فجعل في كل جزء منها خيراً للإنسان، وقيض لها أن تُفيده من ثمارها وأغصانها وجذعها وسعفها وجريدها، فتهادت عليه عذوقها الغنية بمقومات الغذاء من ماء وسكر وأملاح ومعادن وفيتامينات·· لذا تزين النخلة في عصرنا هذا كل مكان حولنا·

اقرأ أيضا