الاتحاد

حديث الروح

أحس عبر السنين الطويلة بالنداوة اللينة تحت قدمي الحافيتين والهواء المبلول على وجهي، أجد الشوق مثل نزوع الموج، يرتمي على الشط ممدود اليدين بلا تحقيق، مثل اندفاع الماء، مستنفداً من بعد رحلة طويلة مع العمر، ينتكس محسوراً الى اليم العميق، يعلو تارة وينحسر ، حلمه يأتي ويعود لا يهدأ الى راحة، وكأنه لم يترك خط النهاية المتعرج·· لحظة واحدة·
في تلك الساعة، لم يكن هناك غيري على الشاطئ الواسع الجميل، يصل الموج الطفيف الى قدمي ليترك غشاءً فضياً رقيقاً لا يكاد يجف، وهو يلمع، حتى يبتل من جديد بزبد يتقطع ويذوب··
جلست في أرض ناعمة الرمل تحت نخلة عجوز خشنة الحراشف بين النخيل المتناثر من غير نظام، وجعلت أنظر الى عناقيد البلح الأخضر الكثيفة تحت السعف العريض وهو يهتز من نسمة هواء بأطرافه الشوكية المسننة في صفاء الغروب وتكاد تكون السماء بيضاء!
فتذكرت عندما كنت طفلاً صغيراً، أعد الأيام لأنني سأدخل المدرسة بعد ذلك الصيف مباشرة وأفرح بكل يوم جديد، كنت أعبر الشارع، لكن بعدما يخلو من السيارات الثقيلة والكبيرة وأنا راجف القلب وأمشي قليلاً الى المحطة لأنتظر الحافلة، فإذا جاءت وقفت لي حتى ولو لم يكن بالمحطة أحد غيري·· فأصعد الدرجة الحديدية التي كنت أجدها عالية قليلاً·
كنت أجلس في مقدمة الحافلة بجانب الباب وهذا مكان دافئ لسخونة المحرك وفيه رائحة البنزين، وتسحرني أحياناً شارات منصة القيادة المسطحة وعقاربها الصغيرة المضيئة بنور أحمر باهت اللون·
كانت تجلس بجانبي، كبرنا معاً وغدونا شباباً، رأيتها بعد طول فراق، انها هي، هي التي نسيت عنها كل شيء، ولكنها تبدو أصغر سناً بكثير؟ خفق قلبي· من هي، هل هي أخت لها، صغيرة لم أرها من قبل؟ لكن كنت موقناً انها هي، هي، أم هي الأخرى التي سوف أعشقها وأفتقدها·
تعلقت روحي وعيناي بها، مسحوراً وغائباً، وعندما دارت رأيت وجهها المستدير الخمري، مغمض العينين تحت نور القمر، طافياً اليّ وكان شعرها الناعم القصير حول رقبتها مبلولاً وداكن السواد، وذراعاها تضربان الماء بحركة خلفية منتظمة إيقاعها، هادئ وهي تبتعد·
وعرفت أني سأحبها الى آخر العمر، حباً ملازماً لي وان قلبي هو ساحة بحرها الجياش الذي لا يعرف الهدوء·· 'كم كانت جميلة الغفوة!···'·
أحمد وحيد حجازي
الإمارات

اقرأ أيضا