الاتحاد

عربي ودولي

الانتخابات المصرية الأخيرة···هزيمة الأحزاب أمام التوجهـــات الشعبية

حسين هرهره:
اعتبر كثير من المحللين السياسيين العرب والمراقبين الدوليين أن الانتخابات البرلمانية المصرية قد فتحت بوابة التغيير ليس في مصر وحدها بل في المنطقة العربية بشكل عام، ويرى هؤلاء أن التوجه الاسلامي الجارف في الدول العربية والإسلامية بات يسبب قلقاً لجميع الإطراف الخارجية التي تنظر إلى هذا المد الشعبي نظرة فيها الكثير من الريبة والشك، وقد ألهمت التجربة الإسلامية التركية الدوائر الغربية في مد الحبل للحركات الإسلامية المعتدلة والتي تحظى بشعبية كبيرة مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر التي يعتبرها كثير من المراقبين الحركة الأم لكل الحركات الإسلامية لإعطائها المزيد من حرية الحركة لإنتاج توجه إسلامي معتدل يزيل التخوف من قيام سلطة إسلامية تؤدي إلى خلط الأوراق في المنطقة وتتسبب في عدم الاستقرار ·
من ناحية الممارسة الديمقراطية كانت أكبر المفاجآت في الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة هي سقوط التيارات الليبرالية والعلمانية ليس لأنها مرفوضة حسب بعض المراقبين بل لأن أصحابها غير ملتزمين بما يدّعوه، فالليبراليون المصريون قامت قيامتهم لأن الأخوان المسلمين فازوا بعدد من المقاعد أكثر منهم وتناسوا أنهم يدعون إلى الديمقراطية وحرية الرأي واحترام رأي الشعب مهما كان، أما العلمانيون فقد علت أصواتهم في كل المنابر الإعلامية يحذرون الناس مما يخبئ لهم المستقبل إذا فاز الإسلاميون ·
ويقول بعض المراقبين أن السقوط المدوي لأصحاب هذا التيار دليل على إفلاسهم الفكري، فبدلاً من إعادة تقييم منهجهم والبحث عن الأسباب الحقيقة لسقوطهم ثم القيام بإصلاحات جوهرية تعيد ثقة الشارع المصري بمنهجهم قاموا بالهجوم وتوزيع الاتهامات على المنتصرين، وهم بذلك لا يعلمون أنهم يزيدون من قناعة الناخب المصري بأنهم غير جديرين بالثقة·
ويرجع أكثر المحللين والمتابعين للشؤون السياسية المصرية النتائج المتقدمة التي حققها الأخوان المسلمون في الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة إلى أسباب وعوامل نفسية وموضوعية عديدة أثرت على الناخب المصري أكثر من كونها تقييم لوزن الإخوان في الشارع المصري ، فنظرة سريعة إلى تاريخ الأحزاب المصرية الحالية ابتداء بالحزب الوطني الحاكم مرورا بالناصريين والليبراليين واليساريين وغيرهم نجد أن جميع هذه الأحزاب بدون استثناء لم تقدم للشعب المصري الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم على المستوى الداخلي أما على المستوى العربي والدولي فقد تراجع دور مصر الإقليمي والدولي ولم تعد تلك الدولة التي تعول عليها الشعوب العربية باتخاذ مواقف مبدئية تخدم قضاياهم ·
هزيمة الناصريين
لقد مثلت نتائج الانتخابات الأخيرة ضربة موجعة لكل الأحزاب المصرية ومنها الحزب الناصري الذي يرفض تغيير صورته المرسومة في أذهان الغالبية من أبناء الشعب كحزب كانت سلبياته أكثر من حسناته ، ويرجع الكثير من المتابعين للشؤون السياسية العربية انهيار الحريات في البلاد العربية كلها إلى المنهج الناصري - باعتباره مثل نظام الحزب الواحد- الذي يتهمونه بتدمير البنية السياسية وإلغاء الأحزاب وانتهاك الحريات الشخصية وتأميم ممتلكات الناس بحجة الملكية الجماعية التي كانت وبالا على كل النظم الاقتصادية العربية··ويبقى السؤال المهم وهو وضع الناصريين اليوم في الساحة السياسية المصرية؟
والإجابة على هذا السؤال فيها الحل لمشكلة الحزب الناصري الذي مازال يعيش بعقلية الماضي ولم يطرح للجمهور تصوره السياسي في الوقت الحالي، فهو بوضعه الحالي ضمن تصوراته القديمة لا يمكن أن يقنع أحداً بل سوف يؤدي به الحال إلى الاندثار من الحياة السياسية المصرية، ويقول احد المحللين السياسيين المصريين إن الناصرية مرفوضة خارجيا ولن تسمح بها الدوائر الغربية لأنها تعتمد على الدعاية الإعلامية المؤثرة في صفوف الجماهير ضد الغرب كما كان يفعل عبدالناصر بخطاباته الحماسية، وهذا المنهج يمكن أن ينتج عنه مزيد من المشكلات في المنطقة بالرغم أن هذا الأسلوب لم يؤد إلى أي نتيجة ايجابية للأمة، أما داخليا فيعتبر أن ما قام به الحكم الناصري من انتهاك لحقوق المواطنين واعتماد مبدأ الدولة الأمنية والمخابراتية يجعل التفكير في تأييد الحزب وانتخابه من قبل الناخبين المصريين من المستحيلات· ويرى المتابعون أن على قيادة الحزب الناصري تقديم خطاب سياسي معتدل يظهر مدى التطور الفكري الذي طرأ على الحزب معتبرين أن مشكلة الحزب الناصري الرئيسية تتمثل انه كان حزبا حاكما وقد اتضحت سياساته خلال فترة حكمة، وعملية تغيير الصورة الذهنية لفترة حكم الحزب التي شابها الكثير من السلبيات تتطلب عملا حزبيا كبيرا في أوساط الجماهير لإثبات التغيير الايجابي في منهج الحزب في الحياة العامة·
ويقول أحد المتابعين إن ما رشح من ردات الفعل الأولية على النتائج السلبية التي حققها الحزب الناصري في الانتخابات البرلمانية المصرية تدل على أن الحزب بحاجة ماسة إلى تغيير قيادته الحالية، حيث ظهر العديد من هذه القيادات على شاشات القنوات الفضائية وهم يكيلون الاتهامات للحزب الوطني وحركة الإخوان المسلمين، ويرى البعض أن الأمر يجب أن يتوجه إلى إعادة هيكلة الحزب وتجديد دمائه بدلا من تعليق أسباب الفشل على شماعة الآخرين·
أحزاب تاريخية
لقد وقعت الأحزاب السياسية جميعها في نفس المشكلة التي وقع فيها الحزب الناصري، فباستثناء الحزب الحاكم الذي مازال يسيطر على مفاصل السلطة ولا يبدو انه سيتخلى عنها، فإن الأحزاب المصرية تعاني من عدم قدرتها على التجديد والعمل في أوساط الجماهير، فباستثناء الحزب الحاكم وحركة الإخوان المسلمين لايوجد لهذه الأحزاب أي نشاط سياسي جماهيري، ويدلل المراقبون على نجاح الإخوان في السيطرة على كثير من النقابات المهنية مثل نقابة الاطباء والمهندسين والاتحادات الطلابية والمحامين بل وصل نفوذها إلى محاولة السيطرة على نقابة الصحفيين التي هي من المعاقل الرئيسية للحزب الحاكم·
لقد كانت نتائج الانتخابات البرلمانية المصرية إلى نهاية جولتها الثانية صورة حقيقة عاكسة للساحة السياسية المصرية التي يتصدرها الحزب الحاكم بنفوذه وسيطرته وحركة الإخوان بنشاطها السياسي المنقطع النظير·
ويقول المتابعون أن بقية الأحزاب تعاني من مشاكل مزمنة متشابهة منها تسلط الحرس القديم على قيادة هذه الأحزاب وعدم إعطاء الشباب المؤهلين والقادرين على العمل في أوساط الجماهير فرصة لقيادة هذه الأحزاب، أما المشكلة الثانية التي تعاني منها هذه الأحزاب فهي أن منهجها يتصادم تماما مع القيم والأخلاقيات التي يؤمن بها الشعب المصري، فعلى سبيل المثال يتصادم العلمانيون مع التوجه الجماهيري في هجومهم المستمر على القيم الإسلامية· ويعتبرونها سببا للتخلف وهم بذلك كناطح للصخر لان انتشار الصحوة الإسلامية بين الجماهير العربية أصبحت ظاهرة منتشرة في الدول العربية كافة، وهي مثار دراسات وسياسات وتقارير غربية تهتم بها كثيرا للتعامل معها بعيدا عن مبدأ التصادم الحضاري، فالعلمانيون العرب يتعاملون معها باستخفاف واضح بل يتعارضون فكريا مع التوجه العلماني الغربي بدخولهم طرفا في الصراع مع التوجه الاسلامي بكل أنواعه المتطرف والمعتدل ويظهرون عداء واضحا للدين الاسلامي من خلال طروحاتهم المتطرفة المطالبة بإقصاء الدين تمام من الحياة العامة وقد كانت النتيجة هذا السقوط المريع في الانتخابات·
أما الليبراليون الذين صموا آذان الجماهير بتأكيدهم على القيم الغربية الديمقراطية فتتمثل مشكلتهم أن خطابهم الإعلامي يتصادم مع القيم التي يؤمنون بها، احد المتابعين يقول إن الليبراليين تستند شرعيتهم السياسية على تثبيت القيم الغربية المتمثلة في الديمقراطية وحق الشعوب بانتخاب ممثليها في البرلمان بحرية وشفافية كاملة مع التأكيد على حقوق الانسان، ولكنهم انكشفوا على حقيقتهم عندما سقطوا في الانتخابات البرلمانية واتضح لكل المراقبين أنهم يطلقون شعارات في الهواء، حيث انبرت الكثير من قيادات هذا التيار في الهجوم على التيار الاسلامي في مختلف وسائل الاعلام،احدهم حذر بشدة الشعب المصري مما يعنيه هذا الصعود للاسلاميين، وآخر اعتبر أن فوز الاسلاميين انتكاسة في الشارع المصري ·
اما اغرب ماقيل في هذا السياق الاتهامات التي اطلقها بعض الليبراليين من أن الاسلاميين يسعون إلى الوصول إلى السلطة، وقد علق على ذلك احد الصحفيين المعروفين قائلا: ماهي فائدة الأحزاب السياسية والجهود المبذولة في المعارضة والمعاناة التي يتحملها الحزبيون اذا لم يكن الهدف منها الوصول إلى السلطة لتطبيق برامج الحزب في خدمة الشعب؟ وأضاف: كيف يسمح الليبراليون لانفسهم بهذا الحق ويمنعونه عن غيرهم؟ وأعتبر أن هؤلاء لم يبلغوا مرحلة النضج السياسي وتصريحاتهم تعمل لصالح المخالفين لهم، كما اعتبر أن تصرفات قادة هذه الأحزاب هي التي اوصلت الإخوان إلى هذا الفوز في هذه الانتخابات·

اقرأ أيضا

«النواب الأردني» يقر مشروع قانون يحظر استيراد الغاز من إسرائيل