الاتحاد

عربي ودولي

الحرية في العالم العربي في تقدم ·· لكن غير كافٍ


غادة سليم:
في تقريرها السنوي لقياس مستوى الحريات السياسية والمدنية على مستوى العالم، اعتبرت مؤسسة بيت الحرية أن عام 2005 هو أكثر الأعوام تميزاً في مجال الحريات في الشرق الأوسط منذ بدء نشاطها في رصد الحريات قبل 33 عاماً· فما شهدته عدد من دول المنطقة من تطورات في الحقوق السياسية والمدنية اعتبرته المؤسسة خطوات إيجابية إلا أنها غير كافية لزحزحتها عن موقعها المتخلف من مسيرة الحرية التي تتقدم فيها الأقاليم الجغرافية الأخرى·
وكان التقدم الذي سجلته مؤسسة بيت الحرية في دول الشرق الأوسط قد تمثل في الأنشطة التي تمارسها الجماعات المدنية بالإضافة إلى الإصلاحات التي قامت بها بعض الحكومات العربية في الفترة من 1 ديسمبر 2004 إلى 30 نوفمبر ·2005
لقد شهدت لبنان ومصر والعراق والأراضي الفلسطينية تقدماً ملحوظاً في الانتخابات· وقامت السعودية بتطوير البيئة الإعلامية كما نجحت سيدتان سعوديتان في انتخابات غرفة التجارة بجدة لأول مرة، أما في الكويت فحققت المرأة جانباً من حقوقها السياسية هذا العام بتصويت النساء في مجلس الأمة، وقامت المغرب بعد خمسين عاماً بالإفراج عن الكثير من المعتقلين السياسيين وتشكيل لجنة الإنصاف والمصالحة،كما قامت مصر بتعديل مادة من الدستور المصري لكي يسمح لأكثر من مرشح بالتنافس على منصب رئيس الجمهورية بالانتخاب الحر المباشر،وسمحت لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية لأول مرة منذ تأسيسها في مطلع القرن التاسع عشر، وحققت اليمن مستوى ملموسا في إعطاء المرأة حقوقاً سياسية، في حين أخفقت تونس في تحقيق نتائج جيدة في مجال الحقوق السياسية إلا أنها حققت قدرا من التقدم في بقية الحقوق ·
دول غير حرّة
كما أن صفقة السلام بين الشمال والجنوب في السودان نتج عنها حراكا ملموسا في مجال الحريات· إلا أن هذه الدول العربية التي اعتبرتها مؤسسة بيت الحرية قد خطت خطوات جادة نحو الحرية في المنطقة لا يزال أغلبها يصنف تحت مسمى ' دول غير حرة ' تتساوى في ذلك مع الدول العربية الأخرى التي لم تحرك ساكنا في مجال الحقوق المدنية والسياسية· فلقد فشلت كل من ليبيا وسوريا والجزائر والسودان بالإضافة إلى ثمان دول أخرى في إحراز أي تقدم في كشف تقييم الحريات السياسية والمدنية واكتفت بالمبيت في خانة الدول غير الحرة طبقا للتقرير السنوي للمؤسسة لعام ،2005 بينما صنف التقرير كلا من الأردن والبحرين والكويت والمغرب واليمن بأنها دول حرة جزئياً·
وحقق لبنان تطورا في تصنيفه فأصبح 'حر جزئيا ' بعد أن كان 'غير حر' لسنوات طويلة وذلك نتيجة للتحسن الذي طرأ على الحقوق السياسية والحريات المدنية إثر انسحاب القوات السورية، بينما طلب من السلطة الفلسطينية تقديم المزيد من الإصلاحات الأمنية حتى يتم تحسين وضعها في جدول الحريات·
ويعد أبرز ما جاء في تقرير بيت الحرية لعام 2005 هو اعتراف ضمني بعدم وجود أي تعارض بين الديمقراطية والإسلام، وإقرار المؤسسة بأن التقدم الديمقراطي في العالم الإسلامي يؤكد عدم تعارض الإسلام مع الديمقراطية· لقد أشار التقرير إلى أن عدداً من الدول الإسلامية خلال العشر السنوات الماضية شهدت تطورات ملحوظة في مجال الحريات، وأشار جدول مؤشرات الحرية إلى زيادة عدد البلدان الإسلامية من حيث الحرية من ( دولة واحدة حرة و 13 دولة حرة جزئياً و 32 دولة غير حرة) عام 1995 إلى ( ثلاث دول حرة و20 دولة حرة جزئياً و 23 دولة غير حرة) عام ·2005
الدول درجات
وطبقاً لتقرير المؤسسة الأمريكية فإن 89 دولة فقط في العالم تندرج ضمن فئة الدول الحرة· ويمثل سكانها 46% من سكان العالم يتمتعون بمنافسة سياسية مفتوحة، وأشار التقرير أن أياً من هذه الدول الحرة غير موجودة في الشرق الأوسط عدا إسرائيل ،فيما صنفت 58 بلداً بأنها حرة جزئياً ويمثل سكانها 18% من سكان العالم· وعزا ذلك إلى ضعف سلطة القانون وانتشار النزاع العرقي أو الديني وهيمنة الحزب الواحد على السلطة· بينما صنفت 45 دولة بأنها ليست حرة ويشيع فيها ضيق الحريات السياسية والدينية والتذبذب بين الحكومات الدكتاتورية والعسكرية· وتشمل الدول غير الحرة على 35% من سكان العالم·
ويذكر أن مؤسسة 'بيت الحرية' هي مؤسسة أمريكية مقرها نيويورك ومدعومة جزئيا من قبل وزارة الخارجية الأمريكية· وأن التقرير السنوي لحالة الحرية في دول العالم الذي تصدره يتضمن تقييماً لمدى توافر الحقوق السياسية والحريات المدنية في كل دولة·
ويتخذ التقرير مستوى الممارسات السياسية الداخلية معياراً للقياس· وتشمل هذه الممارسات شفافية الأداء الحكومي واستقراره وعدم مركزية الدولة، ودرجة الفساد الحكومي ونزاهة الانتخابات، بالإضافة إلى عدد مؤسسات المجتمع المدني وقوة حضورها ومدى تمويل الحكومة لها ومدى شرعيتها ونسبة تمثيلها السياسي في المجتمع·
وتصنف دول العالم إلى درجات بحسب مستوى الممارسات الديمقراطية فيها· وتمنح كل دولة عدة نقاط تجعلها إما دولة حرة أو حرة جزئيا أو غير حرة وذلك من خلال مقياس رقمي يتكون من سبع فئات تتراوح بين رقم 1 ويعبر عن أعلى مستوى لتوفر الحرية ورقم 7 ويعبر عن الغياب التام للحرية·
استياء عربي رسمي
ولمؤسسة بيت الحرية حضور قوي في مختلف القضايا العربية ويتمثل تواجدها في إطار ندوات وورش عمل وتقارير ومؤتمرات، وعلى الرغم من حرصها على تقديم نفسها في ثوب منظمة غير ربحية ومحايدة إلا أن هناك الكثير من الشبهات تحوم حول شفافية بيت الحرية ومدى حياديته عن توجهات الإدارة الأمريكية تجاه أجندتها في المنطقة·· فهناك عدد من المراقبين العرب والأوروبيين يرون أن معظم محاولات تقييمها لمؤشر الإصلاحات في المنطقة العربية كانت مدفوعة سياسيا أكثر منها بالتحليل المحايد، بالإضافة إلى أن بيت الحرية أقحمت نفسها في عدد من القضايا الحساسة في الشرق الأوسط أضافت المزيد من الشكوك على نواياها وتوجهاتها· فلا زالت مصر تشعر بالاستياء من تبني المؤسسة لمؤتمرات أقباط مصر في الخارج ومساهمتها في تأجيج نيران الفتنة الطائفية· والمملكة السعودية مستاءة من قيام مركز الحريات الدينية التابع للمؤسسة بنشر تسعة بيانات تهاجم المملكة وتدعو لاتخاذ 'إجراءات صارمة' لمواجهة الأنشطة الإسلامية السعودية في الولايات المتحدة ،واستياء السودان من تصنيفها أدنى دول العالم حرية بدعوى خضوعها لقيادة تشمل عناصر إسلامية راديكالية وعناصر من الجماعات العسكرية ·
فضلاً عن تركيزها على التشاحن العرقي الذي تعيشه بعض الدول العربية مثل العراق وسوريا والسودان والمغرب، والتوترات الدينية التي تعيشها بعض الدول مثل لبنان ومصر والحساسيات المذهبية داخل عدد من الدول العربية الأخرى· واعتماد بيت الحرية لأسلوب الدعم الانتقائي الذي يسهم في إبراز بعض أحزاب المعارضة الليبرالية في بعض الدول العربية دون غيرها من أحزاب المعارضة، بما يتفق مع علاقة هذه الأحزاب وتوافق أجندتها واستراتيجيات الإدارة الأمريكية·
أولبرايت··ورايس
ويزيد من الشكوك المحيطة ببيت الحرية كون القائمين على المؤسسة مجموعة من المثقفين غالبيتهم من يهود الولايات المتحدة الأمريكية ويرأسهم مايكل هوروفيتز وهو محامٍ يهودي عمل في إدارة الرئيس الأسبق ريجان· بالإضافة إلى أن تدعم من قبل مكتب الإعلام الخارجي بوزارة الدفاع الأمريكية وتعمل كأداة مساعدة للحرية من خلال ما تقوم به من تحليلات ودفاع وعمل، إلى جانب تمويلها من قبل عشرين مؤسسة من المؤسسات ذات المصالح الفردية الخاصة وعلى رأسها مؤسسة الملياردير اليهودي جورج سورس، المعروف بضخ الأموال لخدمة أجندته السياسية· ومن أبرز الشخصيات النسائية التي تدعم مؤسسة بيت الحرية هما مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة ونظيرتها الحالية كونداليزا رايس·
ويرى المراقبون أن العالم العربي والدول المتفككة عن الاتحاد السوفييتي تشغلان مكانة شديدة الحساسية على خريطة اهتمام بيت الحرية هما· وقد حلت المنطقتان محل دول أمريكا اللاتينية ودول أوروبا الوسطى اللتين كانتا مركز اهتمام المؤسسة خلال عقد الثمانينيات· أما عن أسباب اهتمام بيت الحرية بالمنطقة العربية فهناك نظريات كثيرة طرحت من قبل المتخصصين في هذا الشأن إلا أنها تباينت من رأي يتهم بالاختراق الأمريكي لأبحاث ومنظمات المجتمع المدني وجمعيات لحقوق الإنسان في العالم العربي ورأي آخر يرى فيها عوناً على الحكومات الاستبدادية في الصراع الداخلي الأزلي نحو الحرية·

اقرأ أيضا

الادعاء الهولندي يوجه تهمة الإرهاب لمنفذ هجوم أوتريخت