الاتحاد

عربي ودولي

مدافن أم النار وخناجرها ··التاريخ والسياسة

وفّر لنا عصر المعلومات تحديات وفرصا جديدة أثرت على حياة كل منا· فلقد تغيرت بشكلٍ جذري أساليب جمع المعلومات ونقلها للآخرين، كما مكنتنا التقنيات الحديثة من مشاهدة الأحداث الرئيسية حال حدوثها في أي مكان من هذا العالم، وبتنا نعرف ردود الأفعال على هذه الأحداث بسرعة مذهلة· وهكذا فإن الأخبار والتقارير التي تردنا من وسائل الإعلام عبر الأقمار الصناعية وشبكات الألياف البصرية والإنترنت، طغت على كل شيء، وصارت تشكل ملامح العالم الذي نعيش فيه· وفي ضوء الاتجاه القوي والسائد للاعتماد المفرط على وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، سواء كانت محطات تلفزة أو إذاعة، أو صحف ومجلات، أو مواقع إلكترونية، وإمكانية تأثيرها في الحد من التركيز على الحقائق وتحليلها، تبرز الحاجة إلى توفير رديف يتمثل في مادة تستند إلى البحث الجيد والمكثف، وتساعد على التعلم والفهم وطرح الأسئلة والتخيل· في هذا السياق يأتي الكتاب السنوي لدولة الإمارات العربية المتحدة ليقدم عرضا مفصلاً وواقعيا للأحداث التي عشناها على مدى الأشهر الاثني عشر الماضية، وكلنا أمل أن يكون ، كما نريده ، تواصلاً بين الماضي والحاضر، وأن يحظى هذا الكتاب بالاهتمام الذي أظهره القراء في الأعوام الماضية·
عبد الله بن زايد آل نهيان
وزير الإعلام والثقافة
أرض الأفيال ··ومستوطنـــــات البشــــــر
عرض -خالد عمر بن ققة:
تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة إرثاً غنياً ومتنوعاً يتضمن تاريخا ضاربا في القدم من المستوطنات البشرية وتنوعا في البيئات الطبيعية والحياة البرية الحيوانية والنباتية، هذا بالإضافة إلى تراث وتقليد بشري حيوي من الموسيقى والآداب ، والشعر، والصناعات اليدوية والشخصية الفريدة لشعبها· وعلى الرغم من الأولويات الاقتصادية وعمليات التنقيب عن النفط والماء إلا أنه كانت هناك أيضا اهتمامات اجتماعية وفكرية قوية فيما يتعلق بالآثار والحياة البرية·
ويوجد بدولة الإمارات أكثر من 330 مبنى وموقعا أثريا وتراثيا ،و تنتشر فيها الكثير من المواقع الأثرية الممثلة للعصور الحجرية خاصة المستوطنات والمدافن في المنطقة الساحلية قرب أبو ظبي ورأس الخيمة ومضيق هرمز، حيث تشير هذه المكتشفات الأثرية إلى وجود حياة حضرية مستقرة تأثرت بالحضارات المجاورة مثل حضارة وادي الرافدين والسند وبلاد اليمن·
وتضطلع بمهام التنقيبات عن الآثار في الدولة، العشرات من الفرق الوطنية والبعثات الأثرية العربية والأجنبية، من بينها بعثات من العراق وبريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان وإسبانيا وأستراليا وبلجيكا والدانمارك وغيرها·
العصرالمتأخر
وتوصلت فرق من المسح الأثري لجزر أبوظبي ' أدياس' إلى اكتشافات اثرية مهمة خلال العام 2003 ، من بينها اكتشاف ثلاثة مواقع بها آثار أقدام الأفيال وحيوانات أخرى قديمة في المنطقة الغربية يعتقد أنها تعود لحوالي 6 8 - ملايين عام في منطقة ' بينونة' شرقي غياثي ، والعثور في منطقة ' الرويس' بالمنطقة الغربية على أضخم سن فيل أحفورية يتم اكتشافها على الإطلاق في منطقة الشرق الأوسط ويبلغ طولها 2,54 متر ، ويعتقد أنها تعود إلى العصرالمتأخر أي إلى حوالي 6 إلى8 ملايين عام ، حينما كانت المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي منطقة سهول سافانا غنية بالأشجار والأنهار البطيئة الحركة· كما أعلنت فرق المسح الأثري لجزرأبوظبي في بداية شهر يناير 2004 العثور على مجموعة من المنازل الصخرية القديمة ، التي يعود تاريخها إلى حوالي سبعة آلاف عام في جزيرة مروح في المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي، فيما يعتبر الاكتشاف الأقدم من نوعه على الإطلاق في دولة الإمارات·
كما تم العثور أيضا خلال الحفريات على رمح ورأس سهم من حجر الصوان، بالإضافة إلى حطام يد هاون حجري ربما كان يستخدم لطحن المواد الغذائية ·
وقد أثبتت نتائج الدراسة أن المباني كانت تستخدم قبل حوالي 6500 إلى 7000 سنة·
إذن ، نحن نتحدث على تاريخ قديم لدولة الإمارت نشترك فيه مع التاريخ البشري ، حيث الحضارات الكبرى ، لذلك علينا عند قراءة أو بحث هذا التاريخ
أن لا نعزل الإمارات عن تاريخها الإنساني ،و لا أن نعتبرها وليدة السياسة والحاضر - أقصد إنشاء الدولة في 1972- إنما يعود تاريخها كما تبينه الحفريات والآثار والأنثربولوجيا ، ما يدلل على ذلك ما جاء في أحدث تقرير لهيئة المسح الأثري لجزر أبوظبي في 15 مارس 2005 ، حيث ذكرت أنها قامت ، بدعم من شركة دولفين للطاقة وبالتعاون مع قسم الآثار والسياحة بالمنطقة الشرقية لإمارة أبوظبي ، بعمليات حفر ومسح آثاري واسعة غطت مناطق خرينات خور المناهل ومناطق خور المناهل الواقعة شمال أم الزمول ، وهي المنطقة التي تلتقي فيها حدود دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية·
جزيرة بلغيلم
وقد تم التعارف خلال المسح الميداني الذي تم بالمنطقتين في العام 2004 على عدد من المواقع الأثرية التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري ، أي قبل حوالي سبعة آلاف سنة ·
كما اكتشفت الحفريات الأثرية التي أجريت بجزيرة بلغيلم شمال شرقي أبوظبي ، بدعم من شركة 'بريتش بتروليوم' العالمية في مطلع العام 2004 عن أن الجزيرة كانت مستوطنة قبل أكثر من أربعة آلاف عام ، فيما أثبتت حفريات أخرى ، قامت بها هيئة المسح الأثري لجزر أبوظبي بجزيرة دلما ، وجود أحد أقدم المستوطنات البشرية التي كانت مأهولة قبل حوالي 6500 سنة إلى سبعة آلاف و 500 سنة · وقد تمكن اثنان من علماء الجيولوجيا ، يقومان ببعض الأبحاث لصالح هيئة البيئة، من جمع نماذج صخور من الجزيرة التي يجري الآن تحديد تاريخها في جامعة ' ساوثهامبتون البريطانية'· وتساعد هذه الاكتشافات على تحديد تاريخ تطور الشريط الساحلي للجزر والمناطق الساحلية المجاورة لأبوظبي خلال السنوات الآلاف القليلة الماضية، مما سيضيف بيانات معلومات ثمينة لمعرفة نمط حياة المستوطنات البشرية في المنطقة·
زايد·· وكشف النقاب
الكتاب يربط الحاضر بالماضي لجهة التأكيد على أهمية التاريخ لفهم الانجازات الراهنة حيث يقول : إن قلة من الناس يمكن أن يتخيلوا، أن دولة الإمارات التي قامت في الثاني من ديسمبر 1971 ، تمتلك إرثا تاريخياً يعتد به، أو أن هذا الكم الهائل من الاكتشافات الأثرية الهامة يمكن أن يتحقق في هذه الفترة الزمنية الوجيزة· فمنذ الأيام الأولى لتوليه مقاليد الحكم كرئيس للدولة الناشئة الفتية ، كان اهتمام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وحماسه لفهم كل ما يتعلق بهذا الأرض الطيبة وشعبها، إيذانا ببداية الاهتمام والحرص على سبر أغوار هذا الماضي العريق، وكشف النقاب عما طواه الزمن واندثر تحت هذه الأرض· يواصل الكتاب السنوي حديثه عن التاريخ قائلا : لقد شهد العقد الماضي تواصل مسيرة البحث الأثري بخطى ثابتة ومتسارعة ، مما أسفر عن العديد من الاكتشافات الأثرية الهامة، التي تضمها حاليا المتاحف الأثرية في أنحاء البلاد كافة· واليوم ، يمكن لشعب الإمارات أن يشعر بالفخر والاعتزاز بهذه الاكتشافات التي تعبر عن تاريخ وماض أثري عريقين يزيل كل الأفكار التي تشكك في عدم أهمية هذه المنطقة من الناحية التاريخية ·
ويطرح الكتاب سؤالا ذا بعد حضاري وتاريخي : فإذا كان ما يشاع صحيحا، فلماذا إذن تكبد قدماء الأكديين أو الأخمينيين أو الأباطرة الساسانيين مشقة توسيع حملاتهم العسكرية ومحاولة مد نفوذهم إلى هذه المنطقة؟
ويجيب الكتاب عن السؤال السابق بما يلي : إن عدم وجود سجل محلي مكتوب ، مقارنة بالسجلات المسمارية الآشورية في بلاد ما بين النهرين، أو الحروف الهيروغليفية الفرعونية، يجب ألا يعمي، أبصارنا عن حقيقة ، أن منطقة ما يعرف اليوم بدولة الإمارات كانت في العصور القديمة جزءا من الحضارة المتنوعة والمتعددة العناصر لمنطقة غرب آسيا القديمة ، غنيا بالموارد وهاما من الناحية الاستراتيجية ·
تراث الجزيرة ··ووادي الرافدين
من ناحية أخرى لاينسى الكتاب مسألة هامة هي النظر إلى تاريخ الإمارات ضمن السياق العام لتاريخ الجزيرة العربية حيث يقول : انهار العصر الجليدي الأخير قبل حوالي 10000 عام ونيف ، وكانت الأحوال الرطبة نوعا ما التي أعقبت خلال الفترة من 8000 ق · م ـ 3000 ق · م ، توصف في أحيان كثيرة كظروف مناخية مثلى · فخلال هذه الفترة بالتحديد ظهرت أول مستوطنات بشرية مؤرخة في هذه المنطقة · تم العثور على أدوات حجرية متعددة تعود إلى ما كان يسمى ' تراث الجزيرة العربية المتعدد الأوجه' ، فعدد كبير من المواقع في مناطق بيئية واسعة النطاق في جميع أنحاء الإمارات· وتشهد رؤوس السيوف الحادة، والرقائق والصفائح المعدنية، والأنصال والمدى والأدوات الأخرى على تنوع الأدوات التي كان يستخدمها المستوطنون الأوائل الذين ربما كانوا رعاة يمارسون الصيد أحيانا لتكملة واجباتهم أكثر مما هم صيادون لا يملكون الكثير من الحيوانات الأليفة المنزلية· ويضيف : قد تم أيضا اكتشاف أوان فخارية ملونة مستوردة من بلاد وادي الرافدين في عدد من المواقع الساحلية في دولة الإمارات، والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية ، وقطروالبحرين وجزر الكويت ، كشفت عن وجود اتصالات بين هذه المناطق وشعوب جنوب العراق في العصر الألفي الخامس قبل الميلاد· ولعله من المهم تأكيد حقيقة أن جلب هذه الفخاريات لم يؤد مباشرة إلى نشوء صناعة فخار محلية ، وهو أمر لم يظهر حتى القرن الألفي الثالث قبل الميلاد ·
حفيت وأملح ··والخرزات
وقد توصلت التنقيبات الأثرية التي أجرتها دائرة الآثار في الشارقة بالتعاون مع بعثة الآثار والإنثروبولوجي الألمانية لعدة سنوات في موقع جبل البحيص والتي أعلنت نتائجها الأولية في 25 أبريل 2001 إلى أن هذا الموقع يعود تاريخه إلى 7 آلاف سنة قبل الميلاد ويمثل مستوطنا في عصر ما قل التاريخ، وعثر فيه على بقايا المستوطن التي تتمثل في تركيبات حجرية بسيطة ومواقد نيران كثيرة ومقبرة واسعة تجاوز عدد الهياكل العظمية فيها 600 هيكل عظمي ، بالإضافة إلى جمجمة بشرية تبين بعد نتيجة الدراسات التي أجريت عليها أن صاحبها قد أصابه ورم في الدماغ أجريت له عملية لاستئصال هذا الورم وأكدت نتائج التنقيبات الأثرية أن هذه الاكتشافات تمثل وجود مقبرة تعد من اقدم المكتشفات في جنوب شرق الجزيرة العربية ، وتم استخدامها من قبل مستوطنين في هذه المنطقة خلال الفترة من 5200 إلى 4200 قبل الميلاد ، حيث عاش الناس في هذه المرحلة معتمدين على الزراعة وبعض الحيوانات المدجنة، وأن هذا الموقع لم يكن المستوطنون يقيمون فيه بشكل دائم بل حسب المواسم ، إلا أنه كان مهما جدا والسبب في ذلك أنهم كانوا يدفنون موتاهم فيه · القضية الأهم بالنسبة للتجمع البشري يوردها الكتاب في الفقرة التالية : ظهرت لأول مرة مدافن جماعية في شكل مقابر فوق الأرض ، ومشيدة من حجارة غير مصقولة في موقعين في دولة الإمارات العربية المتحدة هما جبل حفيت ' بما في ذلك مزيد ' وجبل أملح · وتعتبر هذه المدافن التي سميت على الموقع الذي اكتشفت فيه أول مرة ، غير مسبوقة بأكملها في التسلسل الأثري المحلي· وهي تتضمن فخاريات من نوع عصر جمدت نصر في بلاد وادي الرافدين· وإضافة للفخاريات، عثر أيضا على خرزات مستوردة مربعة عظيمة أو عاجية مع ثقبين مائلين· واليوم ، لا يزال يتعين اكتشاف مستوطنات السكنية المطمورة في مدافن حفيت التي تعتبر نموذجا لمناطق جنوب شرق الجزيرة العربية ' توجد نماذج أيضا على الجنوب في عمان'·
وعلى الرغم من أنه لا يوجد دليل مادي يعد، إلا أنه يفترض عموما بأن تجارة النحاس هي الدافع وراء الاتصالات التي تمت بين الإمارات وجنوب وادي الرافدين في عصر 'جمدت نصر'·

اقرأ أيضا

الاتحاد الأوروبي يوافق على تأجيل "بريكست" دون تحديد مدة