الاتحاد

دنيا

العالم بعيون مكعَّبة وألوان دافئة


رسول محمَّد رسول: تصوير ـ أنس قني:
يضم معرض الفنان الليبي بشير حمودة الذي يقام حالياً بالمجمع الثقافي في أبو ظبي نحو خمسة وأربعين لوحة، وتعتبر مشاركة الفنان في معرضه هذا هي الثانية له في منطقة الخليج العربي، بعد مشاركته في معرض فني بدولة الكويت عام ·1977 في حين كانت للفنان معارض شخصية ومشاركات كثرة في معارض فنية أُقيمت بدول أوروبية وعربية منذ عام ،1967 وهو العام الذي أقام الفنان حمودة أول معرض شخصي له في صالة الودان بمدينة طرابلس الغرب بالجماهيرية الليبية· ومنذ ذلك التاريخ كان عطاء الفنان مستمراً حتى حاز على جوائز محلية وعربية ودولية عدة وضعته في مقدمة المشهد التشكيلي بالجماهيرية الليبية·
في رحلته الفنية الطويلة، ظلت البيئة الليبية بكل ما فيها من مكونات بشرية وطبيعية وقيم إنسانية وجمالية وتاريخية وثورية موضوعاً مغريا للفنان حمودة، وانعكس كل ذلك في أغلب لوحاته الفنية؛ سواء المشاركة منها في هذا المعرض أم غيرها·
وتبدو لوحاته، في مشهدها العام، ذات منحى انطباعي، لكن هذه الانطباعية سرعان ما تتوارى خلف هيمنة الأسلوبية التكعيبية التي هيمنت على أعمال حمودة، ومن الناحية الموضوعاتية يستأثر وجه الإنسان باهتمام الفنان الليبي؛ فلوجوه البشر حضورها القوي في لوحاته، نساء ورجال، وجوه ليبية دافئة متطلعة في نظرها إلى العالم الخارجي، إلى الحركة فيه، وإلى الأشياء من حوله، جسَّدها الفنان كوجوه أولية من الناحية الانطباعية، لكنه نظر إليها بعينٍ فنية تكعيبية ليمنحها بُعداً جمالياً أخرجها عن شكلها المعتاد، وليضفي عليها بعداً دلالياً تقول ما تريد قوله عبر ريشة الرسم التكعيبية·
ورغم هيمنة الأسلوبية التكعيبية على أعمال بشير حمودة إلا أنه في بعض لوحاته لجأ إلى أسلوب الانطباعية الرمزية في التعبير عن أفكاره في لوحات بدت مستقلة في موضوعاتها، خصوصا تلك اللوحات التي وضعها في خانة ما أسماه بـ (الطبيعة الصامتة) في إشارة إلى سكونية الأشياء كاللوحات الخاصة بالفواكه أو بالأزقة الليبية وبقية الأمكنة التي استأثرت باهتمام ريشته، وفي لوحات أخرى منها اللوحات التي رسم فيها حمودة أقنعة لوجوه كائنات فيها نوع من الغرابة في أشكالها في عودةٍ منه إلى الأشكال الأكثر بدائية لما فيها من تعبيرات ودلالات رمزية مؤثرة على المتلقي·
لقد مكَّن لجوء حمودة إلى ما هو رمزي من تجسيد مدلولات الصراع لدى الإنسان في عدد من اللوحات المشاركة في هذا المعرض؛ صراع الإنسان مع نفسه ومع غيره، خصوصا صراع المرأة مع الحياة·
لقد بقي بشير حمودة في أجواء ليبيا الدافئة والهادئة، وهي بيئة على ثرائها وتعددها الدلالي، منحته القدرة على تجسيد صور من الحياة الليبية بألوانها الأفريقية الأخّاذة، وبعادتها وتقاليدها الشعبية ما جعل خطابه التشكيلي من الناحية الموضوعاتية أكثر اقترابا من الواقع وأبعد عن تجريده عن سياقات هويته الواقعية·
يذكر أن الفنان بشير حمودة درس فنون الرسم في كلية الفنون الجميلة بروما حتى حصل على درجة الدكتوراه في فنون الرسم· وكان لذلك أثره الكبير في اتجاهه الفني بالرسم، وعلى ما يبدو أنه تأثَّر بالاتجاه التكعيبي في الرسم، وصارت الأسلوبية التكعيبية أكثر جذبا له عن غيرها من اتجاهات الرسم الحديثة·

اقرأ أيضا