الإمارات

الاتحاد

شهادات دكتوراه.. للبيع

لم يتصور الأكاديميون ورجال العلم والبحث في القرون السابقة، أن الدنيا ستمتلئ إلى هذا الحد بحملة شهادات الدكتوراه، وأن المنافسة بين الجامعات الهزيلة والمؤهلات الوهمية ستحتد! لا لترفع من مستوى هذه الشهادات أو لتثري المجال الأكاديمي، بل على العكس، لاختلاق مسار موازٍ خادع للتعليم الجامعي برمته.. كما نرى اليوم. كانت هذه الشهادة ذات مكانة رفيعة عبر السنين في أوروبا وأميركا والعالم العربي..
قبل أن يجري لنا ما جرى!
ظهرت كلمة «دكتور»، والتي تعني باللاتينية «مدرس في زوروبا خلال العصور الوسطى، ومنحتها لأول مرة كلقب، مدينة «بولونيا» الإيطالية شمالي فلورنسا، التي اشتهرت بجامعتها التي تأسست عام 1088م.
كانت الجامعات الأوروبية في ذلك العصر تمنح ثلاث شهادات هي «البكالوريا» و«الليسانس» و«الماستر» أو «الدكتوراه»، التي تؤهل حاملها للدخول في «نقابة المدرسين»، يوم كانت المهن الأوروبية جميعها منتظمة في نقابات. مُنحت أولى شهادات الدكتوراه في أواخر القرن 12 في مجال القانون المدني، ثم في القانون الكنسي والطب وقواعد اللغة وغيرها.
وراج لقب «الماستر» أكثر في التعليم الفرنسي وإنْ كان لقب الدكتور رائجاً كذلك. وقد تبنى الإنجليز النظام التربوي الباريسي، إلا أن الأساتذة المتفوقين في مجالاتهم باتوا تدريجياً يحتكرون لقب الدكتوراه، تاركين لقب الماستر لمن كانوا أقل منهم علماً.
وفي ألمانيا استُخدم اللقبان بشكل متساو قبل أن تصبح الدكتوراه أعلى الشهادات في كل العلوم، حيث تبنت أغلب دول العالم النظام الألماني بعد ذلك. ويطلق لقب الدكتور في المجال الكنسي على القديسين الحكماء، ممن لكتاباتهم وأفكارهم مكانة رفيعة، وكان أبرزهم في الكنائس الغربية أربعة هم ابمروز وأوغسطين وجريجوري العظيم وجيرومي، كما تقول الموسوعة البريطانية. أما لقب «البروفيسور» Professor فهي كذلك من كلمة لاتينية الأصل profiteri بمعنى «يعلن» أو «يشهر علناً»، أو يعترف profess.
وكان يحق لمن يحمل هذا اللقب المساوي للماستر والدكتوراه أن يدرس في أي من الجامعات.
وقد ظهر أول ما تسمى بـ endowed professor ships، أي الألقاب الممنوحة بهذه التسمية في كامبردج ببريطانيا، للعلوم اللاهوتية عام 1502 ونجد في بريطانيا لقب «بروفيسور» واحداً، بينما نرى ثلاثة ألقاب من هذه التسمية في الأكاديميات الأميركية والكندية وهي Assistant professor، Associate professor، professor وتطلق كلمة بروفيسور في فرنسا على مدرس المرحلة الثانوية، أما الأستاذ الجامعي فيسمى في فرنسا Professeur de Luniversite.
ازداد الإقبال على التلقب بالدكتور في الدول العربية بما فيها الخليجية.
وصار البعض في الكويت مثلاً يحصل على اللقب بسهولة وبطريقة غامضة بين ليلة وضحاها، دون أن يدرس المواد المطلوبة أو يكتب الرسالة المعهودة أو يدخل في الاختبار الشامل أو النقاش الذي يقرر استحقاق المتقدم للشهادة.
وهكذا فقدت شهادة الدكتوراه مكانتها وهيبتها إلا لمن يثبت رسمياً أنه نالها حقاً وصدقاً، وضاع في أسواق العرض والطلب بعض الصادقين.
ويتبادل الكثيرون قصصاً لا تصدق عن الجامعات الوهمية في دول آسيا وأوروبا وربما أميركا، من التي تمنح «شهادات مضروبة»، والمعاهد التي لا تتجاوز مبانيها الشقة السكنية.
الكاتب والناشط الكويتي «بدر خالد البحر» قرر إثارة هذه القضية على مستوى الإعلام المحلي، وتنبيه المسؤولين إلي خطورته الظاهرة.
تحدث «البحر» إلي صحيفة «القبس»، منبهاً إلى «أن البعض يتسابق للحصول على لقب دكتور من أجل الوجاهة الاجتماعية والتفاخر»، وطالب الصحيفة بضرورة تطهير المجتمع من هذا الفيروس، الذي صار معولاً لهدم التعليم والعلم ومستقبل الأجيال».
«البحر» قدم كذلك «مشروع قانون» لحظر الشهادات غير المعادلة في المعاملات الرسمية، وقد ورد في المادة الرابعة من هذا القانون المقترح أنه «يحظر استخدام الألقاب العلمية في أي وسيلة من وسائل الإعلام، أو الإعلان عنها في أي وسيلة من وسائل النشر، قبل معادلة الشهادة». ومن الظواهر الإعلامية المتصلة بهذه الظاهرة، والتي تلفت النظر في الصحافة العربية توقيع المقالات من غير أهل الاختصاص بلقب الدكتوراه! فمن المعقول مثلاً أن يكتب أحدهم مقالاً في السياسة ويوقعه بلقبه العلمي إن كان أستاذاً في العلوم السياسية، فهذا مما يزيد ثقة القارئ بالتحليل، أو يكتب مقالاً في الاقتصاد أو المشاكل الاجتماعية أو التاريخ أو الطب، وأن يوقعه بلقب الدكتور إن كان يكتب في مجال شهادته. ولكن ما نراه في الصحافة العربية أوسع من هذا بكثير، ولا نرى الأوروبيين والأميركان يضعون كلمة Dr قبل أسمائهم عادة، حتى لو كانوا من حملة الشهادة.
وكم من كاتب مقال في صحافتنا من الأقلام الخليجية والعربية، بعيد عن مجال شهادته وتراه يضع «حرف الدال» قبل اسمه.
ومما يساعد في محاصرة ظاهرة شهادة الدكتوراه المزيفة أن تقوم الجهات المسؤولة في الدولة كوزارة التربية أو الجامعة بإنشاء مركز أو موقع إلكتروني يتابع بدقة أسماء وشهادات كل حملة الدكتوراه وغيرها بالتفصيل. ولا أدري إن كان هذا كافياً لردع المستميتين على هذا اللقب..
أم لا؟

خليل علي حيدر*
*كاتب ومفكر- الكويت

اقرأ أيضا

محمد بن زايد يوجِّه بإنشاء مراكز مسح على مستوى الدولة