يقول نيتشه: لولا الخيال لمتنا من الواقع! أتأمل هذه المقولة وأنا أقرأ تفاصيل سرد الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة فأنعم بدهاليز السر الداخلي للكتابة، والعالم الافتراضي الذي يحول مواقع الأشياء حتى لا تستمر في واقعيتها كما هي، لأن الأدب يحول ويستبدل الأماكن. إنه يرى القطط كائنات تتغذى هي أيضاً بعنف الدين والسياسة. ولذا تخصى القطة الناعمة «عنبر» في رواية «ربيع حار»، فهذه القطة الصغيرة التي يحبها الولد أحمد المصور الموهوب الذي يثأثئ ولا يستطيع أن يبني جملاً سوية، تمثل بالنسبة له عالما من الأمل والحلم، لكنها حين تخصى من عائلة ميرا اليهودية الجميلة، ينزع هذا الفعل الحب الطفولي من صدره ويعيد إليه الخوف. وتعود كلماته عرجاء. إن القطة عنبر كما يقول النص: «تذكر عينيها وفروتها. تذكر ملمسها الناعم جدا جدا، الدافئ جداً، الحنون جداً، وقلبها يدق وهي تبربر كالأرجيلة. يحملها كطفلة على صدره فتلحس يده وتعضعض أصابعه بأسنانها عضات صغيرة». إن الطفل يشبه هذه القطة المخصية، فهو يتحدث بأنصاف الجمل، ولا يستطيع أن يدون تاريخاً واضحاً للكلمات كي تلبس الجمل، لكنه يبدأ بالتصوير ليصور كل الألوان والأحاسيس وينقل الحزن والخوف، إنه «الخوّيف» كما يصوره الجميع، لكن هذا «الخويف» سيتحول إلى مسجل لكل التاريخ الذي يمر، يقتحمه بعيون لا تخاف. الواقع بعيون حالمة هل كفت بطلات سحر خليفة عن الحلم ؟ لا أعتقد ذلك، فمن يكتب لا شك في أنه يرسم الشخوص التي تحني الرأس قليلاً، لكنها لا تنفك تعود لتبحث عن الذات وهي تستعيد تفاصيل أحاسيسها الصغيرة. منذ زمن السبعينيات كانت عفاف بطلة روايتها الجميلة «مذكرات امرأة غير واقعية» تحلم بتغيير الإرث الزمني الذي يفصل بين الذكورة والأنوثة، لكن الحلم تبخر في نهاية النص ليستكين قليلاً ثم يصعد عبر شخصيات أخرى تشدو بالقوة والأحاسيس. ما نحسه ونحن نقرأ هذا الأدب أن الكاتبة بصدد بناء تاريخ للكائن العربي عبر تقاليده الكثيرة التي تسكنه، والتي تمرر له في حياته اليومية إرثاً كبيراً وفي نفس الآن تقارنه بالتاريخ الغربي وأفكاره. لكننا أيضا نقف على ذلك البناء العائلي الذي يهيمن على النصوص، فحين نقرأ، نشعر بأن الزمن يعيد كل الإرث الماضي، وكأن الحل يكمن في الماضي وليس في الحاضر، ولذا تقبض الكاتبة سحر خليفة على الأرواح القلقة وهي تتجادل فيما بينها، وتتزاحم داخل النص الواحد، فهناك عالمان: عالم الأسلاف وعالم الأخلاف وهما يتحاوران ويحاول كل منهما أن يعدم الآخر. إن الأدب الآن يحاول أن يعيد بناء أصوله؛ ولذا نجد هذه الرغبة في استعادة الأصول والشك فيها أيضاً، فالشجرة العائلية يستعيدها الأدب ليرتق ما انفتق فيها، وفي الآن نفسه يعمل على تثويرها كي يصعد بناء جديد، وهنا لا بد من أن أشير إلى كتاب «المداد اليتيم» للكاتب رولان دامانز، وهو يرى أن الإبداع بني على اليتم، يتم الانتماء لكل انتسابه العائلي؛ ولذا فإن سر الفرد يكمن في المحكيات الجينيالوجية، غير أن الهويات أصبحت مفتتة، غير واضحة المعالم؛ ولذا أصبح سر الفرد غير مدرك، منذ أن تاه محكي الأصول. من خلال هذا الافتراض، أصبحت العودة للأصول ضرورية للكتابة؛ لأن الطفولة أملاها الآخرون، كما يقول مارسيل بنابو في كتابه «لماذا لم أكتب أيا من كتبي؟»، وينبغي بناء عالم جديد من خلال النبش في الصور الأولى، وهي تتخلق أو ترسم ملامح الفرد؛ لأن عبره يبنى النص الجماعي. تاريخ للعودة هل يعود الزمن الأول؟ هل يعود الحب الأول؟ تلك أسئلة يسائلها الأدب الجميل لسحر خليفة، تقول الكاتبة في هذه الرواية: «ما ظل هنا سوى هذي الدار. لهذا عدت هنا من جديد، لأجعل من الدار دار العيلة، بيتي الأول هو بيتي الأخير، جاليري، متحف، صور ورسوم، وبراويز مثل المعرض». الأدب تاريخ للعودة؛ ولذا فهو يسأل أسئلته القلقة بشان هذه العودة، ومن الغريب أن العديد من الأديبات العالميات يستعدن الزمن الأول في مرحلة متقدمة من زمن الكتابة ومن العمر، فنتالي ساروت تكتب روايتها «طفولة» وهي في سن الثالثة والثمانين، وأيضاً تبدأ يورسنار ثلاثيتها العائلية في سن الواحدة والستين. إن الذهاب إلى النهاية يستعيد البداية؛ لذا تعمد الشخصيات إلى إعادة تأريخ للأحاسيس الأولى والدهشة الأولى كي لا تنفلت من الزمن. إن الأدب الحديث حول تجربة الذات أيضا إلى تجربة للغة، وفي أدب سحر خليفة لم يعد الواقع رغم أسئلته المباشرة هو المتكلم، بل الذوات بما تستحضره من تاريخ خاص وخيال شاسع لتصبح الذوات الفردية هي الإنسان بشكل عام، وتصبح حل القضية / الوطن من خلال الذات؛ ولذا نجد هذه التفاصيل الكثيرة لبناء الشخصية وكأنها بصدد نحت دقيق لكل الأشكال غير المرئية. إنها تفرش تاريخاً جديداً للكتابة، بحيث لا نشعر بأننا بعيدين عن الشخوص أو الأحداث أو التفاصيل. إننا حين نقرأ عوالمها نشعر بأنها قريبة جدا من كل الأمكنة والناس وحركاتهم وثأثآتهم وخوفهم وحلمهم وحزنهم والكثير من أجسامهم المفتتة، إنها الربيع الحار الذي يستعيد الحب الأول كي يكتب ميراثاً جديداً لزمن قادم.