الاتحاد

عربي ودولي

2005 عام التوتـر

إيطاليــا··هواجس أمنية وملفات عالقة
روما - منار محمد :
في الوقت الذي اعتبر فيه الإيطاليون العام 2005 'عام التوتر' فإنهم يأملون في أن يكون العام الجديد أقل إضطراباً، وذلك لأن العام المنصرم قد شهد تسلطاً من الهاجس الأمني على العقل الإيطالي بسبب تزامن العديد من الحوادث الداخلية المقلقة مع وصول موجة الإرهاب إلى المدن الأوروبية، وازدياد حدة التهديدات، في وقت عادت ملفات أمنية عالقة إلى دائرة الضوء، بينما اضطرب الاقتصاد متأثراُ بأحداث داخلية وأخرى عالمية في مقدمتها ارتفاع سعر النفط وتقلب المناخ الحاد، وتزايد موجات الصقيع والأمطار الغزيرة وبينما كان المناخ السياسي الداخلي يمر بحالة مخاض تنذر بتغييرات هامة خلال الأشهر المقبلة بقيت العلاقات مع الولايات المتحدة كورقة هامة في المعادلة السياسية، لكنها لم تنج أيضاً من الاضطراب والتوتر·
وقد تزامن ارتفاع أسعار الوقود مع كثير من التوترات على مستوى الأمن الداخلي، والمخاطر التي تحيط بالجنود الإيطاليين في العراق وأفغانستان، والتهديدات من قبل جماعات مرتبطة بالقاعدة، ثم صعود ملف الجاليات العربية والإسلامية إلى بؤرة الاهتمام الإعلامي بعد الأحداث التي شهدتها فرنسا، لكن كل ذلك لم يمنع الإيطاليين من الاستعداد لاستقبال العام الجديد ببعض التفاؤل، وهو ما فسره البعض بتفسيرات متباينة، بعضها مرتبط بتقييم مختلف للعام ألفين وخمسة يأخذ في الاعتبار الأداء الإيجابي للأمن الإيطالي خلال هذا العام، ويقظته في مواجهة تهديدات عجزت دول أوروبية أخرى عن مواجهتها، إلى جانب الخطوات التي اتخذتها السلطات لاحتواء مشكلة الجاليات المهمشة حتى لا تتكرر أحداث فرنسا في إيطاليا، وكذا انتهاء أزمة البنك المركزي الإيطالي باستقالة فاتزيو بعد شهور من الضغوط والتصعيد بين جميع الأطراف·
مع بداية العام ألفين وخمسة اتسع نطاق الحوادث والجريمة فخلال الأسبوع الأول من العام قتل ثمانية عشر شخصاً وأصيب آخرون في تصادم مروع بين قطارين أحدهما للركاب والآخر مخصص لنقل البضائع، وذلك قرب مدينة بولونيا في شمال إيطاليا، وكان الضباب الكثيف قد أعاق جهود الإنقاذ وصعب هبوط مروحيات الإنقاذ، ثم سرعان ما سيطرت تفاصيل محاكمة مجموعة ممن عرفوا بعبدة الشيطان على الإعلام الإيطالي، وفي منتصف فبراير حكم بالسجن ثلاثين عاماً على أندريا فولبي الرأس المدبر لجرائم قامت بها تلك الجماعة بين عامي ثمانية وتسعين وألفين وأربعة، وكانت فرقة موسيقى 'الهارد روك' التي تطلق على نفسها اسم 'وحوش الشيطان' قد نفذت عدداً من الجرائم هزت الرأي العام الإيطالي، منها إطلاق أحد أعضاء الفرقة النارعلى الإيطالية ماري أنجيلا بيزوتا ثم دفنها حية، وكذلك قتل أعضاء الفرقة مراهقاً يدعى فابيو وصديقته المراهقة شيارا، في ميلانو بعد حفلة موسيقية مغلقة شهدت تناول المخدرات وممارسة جماعية للجنس قام بها أفراد الفرقة، وذلك عام ثمانية وتسعين·
وما أن هدأت قصة عبدة الشيطان حتى وقعت جريمة مروعة أخرى في الشمال الإيطالي كانت بطلتها أم في الثلاثينيات من العمر قامت بقتل طفلها، وقد تزامن وقوع هذا النوع من الجرائم مع إعادة فتح عدد من الملفات العالقة حتى بدا وكأن الجريمة هي السمة الغالبة للعام ألفين وخمسة في إيطاليا·
ملفات عالقة
وقبيل أسابيع من وفاة البابا يوحنا بولس الثاني أعلنت السلطات الإيطالية عزمها إعادة فتح باب التحقيق في محاولة اغتياله عام واحد وثمانين، بعد تعهد بلغاريا بإطلاعها على وثائق سرية، وذلك بعد أن تحدثت تقارير إعلامية إيطالية عن أدلة تثبت أن الهجوم كان من تدبير جهاز الاستخبارات السوفيتي السابق 'كي جي بي'، بل وتثبت أن جهاز الخدمة السرية فيما كان يعرف سابقاً بألمانيا الشرقية، ونظيره البلغاري ضالعان في المؤامرة أيضاً، وقيل إن عملاء سريين بلغار قد جندوا قاتلاً مأجوراً تركياً، يدعى علي أغا، لاغتيال البابا، وهو الذي يقضي حالياً عقوبة السجن في تركيا·
وقال القاضي الإيطالي إمبوزيماتو إنه يأمل في أن تساعد التطورات الجديدة في حل قضية إمانويلا أورلاندي، ابنة مسؤول الفاتيكان، التي اختطفت وهي مراهقة عام ثلاثة وثمانين ولم يعثر عليها قط، ويعتقد كثيرون أنها اختطفت للضغط على إيطاليا وعلى الفاتيكان، ومنعهما من الكشف عن عناصر حساسة وصلتا إليها أثناء التحقيق، غير أن وفاة البابا وانتخاب خلفه بينيديتو السادس عشر قد استحوذت على الاهتمام الإعلامي حتي خرجت محاكمة عشرة ضباط ألمان نازيين إلى دائرة الاهتمام، وانتهت بالحكم بالسجن مدى الحياة على عشرة ضباط ألمان نازيين سابقين بسبب دورهم في قتل خمسمائة وستين مدنياً، بمذبحة بقرية إيطالية خلال الحرب العالمية الثانية، وقد حوكم المتهمون وجميعهم فوق الثمانين، غيابياً أمام محكمة عسكرية انعقدت بمدينة لاسبيتسا·
وكانت السلطات الإيطالية قد بدأت التحقيق في المذبحة، منذ عشر سنوات بعد أن تعثر صحفي في خزانة تحتوي على إقرارات الشهود، ثم تشكلت لجنة برلمانية للتحقيق في اخفاء تلك الملفات طوال ستة عقود، وقد استغرق المحلفون سبع ساعات للوصول إلى قرارهم بشأن المذبحة التي وقعت في أغسطس من عام أربعة وأربعين قبل يوم واحد من تحرير القوات البريطانية لفلورنسا، حين حاصرت القوات الخاصة القرية بالقرب من مدينة لوتشا·
سيارة كاليباري
كانت هذه الجرائم والمحاكمات تتقاسم الاهتمام الإعلامي مع التطورات التي شهدتها قصة مقتل ضابط المخابرات نيكولا كاليباري في العراق على أيدي القوات الأميركية، فقد وصلت السيارة التي قُتل داخلها رجل المخابرات الإيطالي، وهي من طراز تويوتا كورولا، على متن طائرة شحن إلى قاعدة جوية إيطالية قرب العاصمة روما لفحصها، وذلك بعد أيام من ذكر التقارير أن الولايات المتحدة برأت ساحة جنودها، مما ساهم في شحن معنويات الإيطاليين·
كان كاليباري قد أصبح بطلاً قومياً وتم تكريمه بأهم ميدالية شرف في إيطاليا بعد جنازة رسمية، وقد أضرت تطورات قصة مقتله بقوة بالعلاقات الأميركية الإيطالية، تلك العلاقات التي سعى بيرلوسكوني لدعمها على مدى سنوات، فقد كانت مشاعر الإيطاليين مشحونة عند تحرير جوليانا سيجرينا من أيدي مختطفيها، وكان من المنتظر أن يحصل الإيطاليون الذين هم حلفاء للولايات المتحدة على دعم القوات الأميركية، لكن محاولة قتل الصحفية عقاباً لها على معارضتها الحرب، وما نتج عنه من قتل لكاليباري الذي حماها بجسده من الرصاص الأميركي، قد استفز المشاعر الوطنية·
الأميركيون من ناحيتهم دعوا إيطاليين اثنين لحضورالتحقيق، لكن المحققين الإيطاليين سرعان ما انسحبا وعادا إلى روما احتجاجاً على انعدام الموضوعية في التحقيق الأميركي، ثم خرج التقرير الأميركي حول الحادث ليبرئ الجنود الضالعين في مقتل كاليباري، وبعد أن نشرت وسائل الإعلام الإيطالية أجزاء معتمة من التقرير الصادر عن وزارة الدفاع الأميركية،عادت لتنشره كاملاً بعد ما تم كشف الكلمات المخبأة، بما في ذلك أسماء الجنود الأميركيين الذين هم على علاقة بمقتل نيكولا كاليباري، وهو ما ألقى بمزيد من الضوء على القضية، وقد سارعت حكومة بيرلوسكوني بإصدار تقرير يعبر عن وجهة نظرها، رافضة دعم التقرير الأميركي في الحادث، ومؤكدة على أن الجانب الإيطالي قد قام بكافة الاتصالات اللازمة مع واشنطن لضمان مرور الرهينة بأمان، وأن السائق قد توقف على الفور حينما انطلق ضوء على بعد عشرة أمتار، وأن الرصاص الأميركي رغم ذلك قد أطلق على السيارة ولمدة تتراوح بين عشرة وخمسة عشر ثانية لكن التقرير الإيطالي الرسمي عاد ليؤكد على أنه من الصعوبة بمكان إلقاء مسؤولية الحادث على طرف بعينه·
الولايات المتحدة·· الرقم الصعب
وبينما كانت قصة كاليباري تزداد تعقيداً خرج الإعلام الإيطالي بتسريبات حول قيام عملاء لوكالة المخابرات المركزية الأميركية باختطاف رجل دين مصري على الأراضي الإيطالية عام ألفين وثلاثة، ونقله إلى مصر للتحقيق معه للاشتباه بصلات إرهابية له، وسرعان ما استدعى رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برليسكوني إلى مقره الرسمي السفير الأميركي لدى روما ميل سامبلرلإبلاغه بضرورة احترام الولايات المتحدة لسيادة إيطاليا الكاملة على أراضيها، ثم أصدرت الدولة مذكرات توقيف بحق ثلاثة عشر شخصاً تقول عنهم إنهم عملاء للمخابرات المركزية، بينما نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين سابقين في المخابرات المركزية قولهم إن مدير محطة الوكالة في روما كان قد أخبر المسؤولين الإيطاليون بالعملية قبل وقوعها، لكن وزير العلاقات مع البرلمان 'كارلو جيوفاناردي' قال لأعضاء مجلس الشيوخ إنه لا الحكومة الإيطالية ولا جهاز مخابراتها كانا على علم بالعملية، ومضى الوزير الإيطالي إلى القول إنه من المستحيل أن تكون روما قد صدقت عليها·
ولم يتوقف الجدل حول العلاقات مع الولايات المتحدة عند قصة عملاء المخابرات بل تخطتها إلى العلاقات العسكرية معها، فخلال ألفين وخمسة ازداد الجدل حول وجود القوات الإيطالية في العراق والتي هي رابع أكبر قوة بين قوات دول الائتلاف هناك تأسيساً على كونه ورقة انتخابية ما بين كل من يمين الوسط المتمثل في رئيس الوزراء سيلفيو بيرلسكوني، ويسار الوسط المتمثل في رومانو برودي، الأمر الذي ازداد تعقيداً مع اقتراب موعد الانتخابات العامة القادمة، وفي حين أعلن برودي عزمه الانسحاب من العراق إذا فازت كتلته في الانتخابات المقبلة، اختلط موقف بيرلوسكوني بين البقاء الفعلي في العراق وبين تصريحات متناقضة حول انسحاب وشيك، فمن الإعلان في مارس عن نية الانسحاب، وهو الإعلان الذي علقت عليه جماعة أبي مصعب الزرقاوي في حينه بأنه دليل على أن الجهاد في العراق بدأ يحقق أهدافه، ثم التصريح حول ضرورة استعداد العراقيين لاستلام مهام حفظ الأمن قبل انسحاب الإيطاليين فعلياً من العراق، وأخيراً تصريح بيرلوسكوني خلال زيارته لتونس بأن الانسحاب ممكن مع نهاية عام ألفين وستة، بعد التنسيق مع العراقيين، وهو ما جعل موقف اليمين ملتبساً بعض الشيء إزاء تلك القضية·
اليسار كان واضحاً منذ البداية في اعتراضه على التواجد العسكري الإيطالي في العراق معتبراً إياه تكلفة بشرية ومادية لا مبرر لها، أما اليمين فكان يراه ضرورة أخلاقية وعملية، فمن ناحية هو مساندة لما يعتبره اليمين إقراراً للسلام في العراق، ومن ناحية أخرى هو دفاع عن المصالح الإستراتيجية المرتبطة بالنفط والعلاقات مع أميركا، أنصار بيرلوسكوني دافعوا عنه بإبراز أنه كان قد عارض الحرب في بدايتها، وطالب بإيجاد مخرج سلمي للأزمة، وأنه لم يرسل قوات إيطالية للالتحاق بالقوات الأميركية والبريطانية التي قامت بالإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين في مارس ألفين وثلاثة، وأنه قد بدأ بإرسال القوات فقط بعد سقوط بغداد، أما معارضوه ففسروا موقفه ذلك بالانتهازية والسعي الدائم لأن يكون مع الرابحين دون أن يدفع التكلفة اللازمة·
الأمن ثانية
لم يكن يتوقع أحد أن تتحول تفجيرات لندن في يوليو إلى قضية أساسية في الساحة الإيطالية حتى أعلن الأمن الإيطالي إعتقال عثمان حسين البريطاني الجنسية الأريتري المولد والمعروف أيضا باسم حمدي إسحق وتحوله إلى متهم أول في القضية، وكان الإيطاليون قد تعقبوا حسين من لندن إلى شقة أخيه في روما يوم الجمعة الماضي بعد تتبع إلكتروني لمكالمات هاتفه المحمول ليصبح أول مشتبه به تطبق عليه إيطاليا القواعد الجديدة المتعلقة بأمر الاعتقال الأوروبي، اعترف حسين بتنفيذ تفجيرات لندن، بل وبنيته المبيتة لتنفيذ اعتداء مماثل في الأراضي الإيطالية·
ألقت أحداث لندن بظلالها على الوضع الأمني في إيطاليا وأعلنت الحكومة عن خطط لاتخاذ إجراءات خاصة لمواجهة تهديد الهجمات الارهابية، وأعلن وزير الداخلية الإيطالي جوسيبي بيسانو أنه سيتم تعزيز إجراءات الأمن في المواني وشبكة النقل العام وسيتم مراقبة شبكات التليفون المحمول والإنترنت إذ أن هناك مخاوف متزايدة من أن تصبح إيطاليا الهدف المقبل للعمليات الارهابية في أوروبا بعد الهجمات على كل من مدريد ولندن، وقد شملت الإجراءات التي حظيت بموافقة البرلمان لاحقاً: مضاعفة الوقت الذي يمكن إبقاء المشتبه فيهم رهن الاحتجاز خلاله إلى أربعة وعشرين ساعة، والتحقيق مع المشتبه فيهم دون حضور محامين عنهم، فضلاً عن تعزيز الإجراءات لمنع الارهابيين من تمويل عملياتهم، وتغليظ عقوبة حمل وثائق مزيفة·
وسرعان ما بدأ التنفيذ الفعلي لتلك الإجراءات مما أسفر عن ترحيل بويرقي بوشتا الذي كان قد نصب نفسه منذ فترة إماماً لمدينة تورينو، وذلك في أول تطبيق فعلي لقانون مكافحة الإرهاب، الذي كان قد أقره وزير الداخلية بيزانو قبل أسابيع، وخلال شهر نوفمبر اعتقلت السلطات الإيطالية ثلاثة جزائريين في نابولي وبريشيا في إيطاليا للاشتباه في تخطيطهم لهجوم إرهابي، وأضافت الشرطة أن الموقوفين وهم محمد لاربي، ويمين بوهراما، وخالد سيراي، كانوا على اتصال مع الحركة السلفية الجزائرية التي يعتقد أنها مرتبطة بتنظيم القاعدة، وكانت السلطات الايطالية قد قامت بعدة توقيفات استهدفت مسلمين متطرفين كما اعتقلت إماماً وخمسة رجال آخرين في شهر يونيو للاشتباه في أنهم على علاقة مع السلفيين·
وفي تطور آخر تم إحياء مادة قديمة في القانون الإيطالي تعرض الذين يخفون ملامح وجوههم عن العامة - ومن بينهم اللاتي يرتدين البرقع - التعرض للعقاب، ما أسفر عن حالة من القلق في أوساط الجاليات الإسلامية، لكن الحكومة سارعت أيضاً لخلق نوع من التوازن إزاء تعاملها مع الجاليات الإسلامية، وخرج وزير الداخلية باقتراح يتضمن تعيين مجلس إسلامي يعبر عن المسلمين، ويساعد الحكومة على التعامل معهم، الاقتراح أضاف المزيد من اللغط إلى ما يثار اليوم حول مستقبل الإسلام في أوروبا عامة، وإيطاليا خاصة·
أحداث فرنسا وتهديد جديد
وكما فوجيء الفرنسيون بثورة الأحياء المهمشة التي تسكنها أغلبية من أصول عربية فوجيء الإيطاليون أيضاً، واستشعروا الخطر مما يمكن أن يسفر عنه تزايد الضغط على الجاليات العربية والإسلامية، وهنا سارع وزير الداخلية بيزانو ووزير الخارجية السابق والنائب الحالي لرئيس المفوضية الأوروبية لعقد اجتماعات مع ممثلي الجماعات العربية والإسلامية مشددين على الفصل بين كل من المسلمين المعتدلين والمتشددين، كما ظهرت أفكار حول دعم مشروعات صغيرة تستوعب أبناء تلك الجاليات·
اليمين أم اليسار؟
شهد العام ألفين وخمسة احتداماً في المعركة الانتخابية بين اليسار واليمين بسبب عودة رومانو برودي إلى الساحة بعد غيابه أثناء توليه رئاسة المفوضية الأوروبية، فضاعف اليمين من جهوده لمحاصرة التأثير القوي لرجل يسار الوسط مما أنتج تعديلاً في قانون الانتخابات فرضه اليمين ليأخذ بنظام القوائم النسبية، أي عدم وصول العضو المنتخب إلى البرلمان إلا في حال فوز حزبه بنسبة معينة من المقاعد، أنصار حزب إلى الأمام يا إيطاليا الذي يتزعمه رئيس الوزراء الحالي سيلفيو بيرلوسكوني أكدوا على أن التعديل في قانون الانتخابات كان بالأساس لتفادي الاضطرار إلى تكوين ائتلاف من مجموعة غير متجانسة من الأحزاب، لأن إيطاليا قد عانت كثيراً ـ قبل مجيء بيرلوسكوني ـ من سقوط الحكومات السريع، أما اليسار فأكد على أن التعديل إنما فرضته أغلبية آنية بغرض تجاوز الأصوات المتفرقة المعارضة لها، وهو ما يتعارض وفكرة الديمقراطية· وقبيل انقضاء العام عاد اليمين ليطالب بلائحة إصلاحات قد تسفر عن تغييرات رئيسة في الدستور هي الأولى منذ سقوط الفاشية في المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، وبمتقضى هذه التغيرات يحصل رئيس الحكومة على المزيد من السلطات، ويتقلص عدد النواب في مجلسي البرلمان، وتتمتع مناطق إيطاليا العشرين بحق إصدار العديد من القرارات، وقد دفع بهذه اللائحة حزب العصبة الشمالية المؤثر، وهو عضو أساسي في حكومة سيلفيو برلسكوني الائتلافية، ويتزعم العصبة الشمالية امبرتو بوسي الذي تقاعد قبل عامين إثر إصابته بأزمة قلبية دفعته للتخلي عن منصبه الوزاري، غير أنه عاد إلى روما ليشارك في التصويت على هذه اللائحة، وتعتزم المعارضة الدعوة لاجراء استفتاء على هذه اللائحة قبل إجراء أي تغيير أساسي وفقاً للقانون الجديد، ومن غير المتوقع نقل السلطة بشكل أساسي للأقاليم حتى عام ألفين واثني عشر·
غموض اقتصادي وإنذار رئاسي
ولم يكن الأداء الاقتصادي خلال العام ألفين وخمسة أفضل من سابقه ففي ظل حرية التجارة، وفي ظل التوجه العالمي نحو إلغاء الجمارك أو الحد منها، وهو التوجه الذي طرحه الغرب المتقدم كي يساعده في إحكام قبضته على أسواق الدول النامية والفقيرة، ظهرت المنتجات الصينية رخيصة الثمن لتكتسح ليس فقط تلك الأسواق، وإنما أيضاً أسواق الدول الغربية نفسها، وتسابق متنفذون غربيون على استيراد تلك المنتجات، وفتح الطرق أمامها عندما أدركوا أن ذلك سيعود عليهم بالثراء أسرع وأسهل من ممارسة الإنتاج محلياً، لينقلب السحر على الساحر، ولتهدد منتجات الصين وجود العشرات من المصانع والمؤسسات الإنتاجية الغربية ومنها الإيطالية، وقدرت إحدى الدراسات عدد العمال الذين فقدوا وظائفهم، وانضموا إلى طابور العاطلين خلال ألفين وخمسة بسبب غزو المنتجات الصينية بخمسين ألف عامل، مما اضطر رئيس الجمهورية الإيطالية إلى الدعوة لاتخاذ سياسة موحدة أمام الغزو الصيني من أجل تجنب وقوع كارثة اقتصادية كبيرة ليس في إيطاليا وحدها، وإنما في كل دول المجموعة الأوروبية· وقد اتفقت ردود فعل المعارضة والنقابات العمالية مع الإنذار الذي وجهه رئيس الجمهورية الإيطالي إلى دول المجموعة الأوروبية، وأسرعت ثلاث عشرة دولة من دول الاتحاد الاوروبي على رأسها ايطاليا وفرنسا بتقديم طلب إلى المفوض الأوروبي لشؤون التجارة الخارجية تطالب فيه بضرورة فرض إجراءات مشددة لمواجهة الغزو الصيني·
وفي حين بقي الملف الاقتصادي كأكثر الملفات تأثيراً في رجل الشارع الإيطالي، ارتفع سعر البترول عالمياً مما أدى إلى رفع أسعار البنزين والتدفئة والكهرباء بشكل جنوني، وقد تزامن ذلك مع موجة من العواصف والسيول والفيضانات مما زاد الموقف تعقيداً، وقد بدأ التدهور في حالة الطقس عندما ضرب إعصار متوسط القوة الشواطئ الإيطالية قرب مدينة نابولي، بينما ضرب زلزال بقوة أربعة وستة أعشار بمقياس ريختر المنطقة المحيطة بالعاصمة الإيطالية روما، وقطعت الأمطار الغزيرة في شمال إيطاليا العديد من الطرقات·

اقرأ أيضا

لبنان: الاتفاق على إنجاز الموازنة دون أي ضريبة أو رسم جديد