أرشيف دنيا

الاتحاد

الفراشة والأضواء

نورا محمد (القاهرة) - وقفت بين أكثر من خمسة آلاف طالب وطالبة في مسرح الجامعة الكبير أتابع الاحتفال الفني الذي أقيم بمناسبة العام الدراسي الجديد، واستقبال الطلاب الجدد كتقليد سنوي كل عام، من بين من قدموا الفقرات طالبة يبدو أنها ليست ضعيفة النظر، وإنما تستخدم نظارة طبية من باب الأناقة، فهي صاحبة بشرة بيضاء وعينين زرقاوين وشعر أسود فاحم فيها تناسق جمالي أخاذ، كنت أتابع وأنا أعتقد أنها تؤدي فقرتها الغنائية من أجلي أو تغني لي، لكن عندما عدت إلى صوابي اعترفت بالحقيقة أن بيني وبينها مثل ما بين المشرق والمغرب.
أنا لا أعرف عنها أي شيء، وهي كذلك ومشاعري من جانب واحد هي أقرب إلى الوهم أما الأهم، فإنني لست مستعداً على الإطلاق للزواج بأي شكل لا الآن ولا بعد سنين، فأنا يتيم وابن امرأة تبيع الخضراوات من أجل أن توفر لي بعض المصروفات أنا وأخي، ونحن نعمل منذ الصبا لنحاول أن نكون على هامش الحياة بين الناس، وكنت واقعياً مع نفسي بأن مثلي يجب ألا يكون تفكيره إلا في تدبير شؤون المعيشة، وليس من حقي الحب وان كان حلالاً على أقراني وزملائي، وأنا أصلاً أدرس اللغة العربية وآدابها وأحفظ الكثير من الشعر والغزل العفيف وأتأثر به، لكن هذا نقرة وتلك نقرة أخرى.
تناسيت الأمر برمته، وان كنت غير قادر على التخلص من صورتها التي تطاردني بين الفينة والفينة وأجدها مطبوعة فوق أوراق الكتب التي أستذكر فيها ومر عام كامل وأنا في السنة الرابعة النهائية كنت في طريقي إلى زميلي في كلية التجارة وهو من جيراني، نقيم معاً، ونعود إلى مدينتنا معاً أنا وهو في نهاية كل أسبوع، توجهت إليه لأستعجله، لأننا تأخرنا في ذاك اليوم، هُناك كانت المفاجأة المذهلة، الفتاة التي سحرتني تقف معه ومجموعة من زملائهما، لم أصدق عيني، توقفت لأتأكد أنني لست في حلم، واقتربت أقدم رجلاً وأؤخر الثانية، لا أدري بماذا أبدأ الكلام، حتى كلمات التحية المعتادة ضاعت من على لساني، ولا أعرف ما حدث بعد ذلك، إلى أن اصطحبت زميلي وخرجنا في طريق العودة.
لم أستطع أن أخفي ما بداخلي عنه، أخبرته به في محاولة للتخفيف عما يعتلج في نفسي منذ أكثر من عام وقد تجدد اليوم بشدة، وما أن عدنا حتى وجدته بطريقته الهزلية المعتادة يخبرها بما أفصحت عنه، وبعد عدة أسابيع وتكرار اللقاءات معها كان الاعتراف بالمشاعر المتبادلة، ما حدث هو إلى الخيال أقرب من الواقع لا يصدقه عقل، ولا يقبله المنطق لكنه حدث.
مازالت العقبة الكؤود أمامي، هي الفقر، كيف أتخلص منه، حتى وان كانت ظروفها قريبة من ظروفي ولا تمانع في الزواج، لكنها ليست على استعداد للمعاناة، ويكفي أنها وافقت على الارتباط بي، الخلاف الوحيد بيننا أنها تحلم بالشهرة وتريد أن تصبح مطربة وأنا أرفض ذلك، وهي تصر على أن تلك هوايتها ولا شيء في ذلك، مرة نتفق وأخرى نختلف، لكن ليس إلى حد الخصام أو الافتراق.
بعد التخرج عملت معلماً في إحدى المدارس، والتحقت هي بالعمل محاسبة في شركة معروفة، وعندما قررت أن أتقدم لخطبتها رسمياً، اصطحبت أمي وأخي وزميلي وتوجهنا إلى بيت أبيها، وبعد التعارف عدنا إلى منزلنا وفوجئت بأمي ترفض تلك الفتاة شكلاً وموضوعاً، ترى أنها وإن كانت جميلة إلا أنها مسترجلة، وليس لديها حياء الأنثى، علاوة على أنه من الواضح أنها ليست مناسبة لي، وقد أيدها أخي في ذلك، لكنني رأيت أن هذه انطباعات أولية لا يؤيدها الواقع ورؤية غير صحيحة.
كنت مثل الطفل الذي يريد لعبة أو حلوى ولا يبرح مكانه ويخبط الأرض بقدميه حتى يأتوه بها، وليس لديه استعداد للتفاهم لأنه ليس في مصلحته وضد رغبته وهواه، لذا لم أكن مستعداً لسماع أي وجهة نظر أو انتقاد، وما على أمي إلا الموافقة والباقي شأن يعنيني وحدي وأنا أدرى به، فوافقت على مضض وحذر بلا رضا.
من خلال دخلي أنا وخطيبتي استطعنا أن نستأجر شقة ونتزوج فيها مؤقتاً إلى أن نشتري مسكننا الدائم ونستقر فيه، السعادة ترفرف علينا بلا حدود، خاصة وهي تتمتم بالأغاني الجميلة من أجلي وأتذكر المرة الأولى التي سمعتها ورأيتها فيها وأستعيد تلك الذكرى الجميلة، وكثيراً ما ينتهي الحوار بخلاف لأنها تتمنى أن تحقق أمنيتها في الشهرة وعالم الطرب، حتى أنها مارست عليَّ الكثير من الضغوط كي أوافق على حضور حفلات غنائية لست مقتنعاً بحضورها، ولكنني تنازلت استجابة لرغبتها، وبعد كل حفل تعيد على مسامعي أمنيتها المكبوتة وتتهمني بأنني أقف في طريق تحقيقها.
سلكت زوجتي سبلاً أخرى ومارست أنواعاً جديدة من الضغوط، وهي تشكو من أننا غير مستقرين في حياتنا في هذا المسكن المستأجر الذي يمكن أن يتم طردنا منه في أي لحظة، ولو أنني سمحت لها بالغناء لاستطاعت أن تحل تلك المعضلة خلال عدة أشهر، فالمطربون والمطربات يحصلون على أجور فلكية، وترى أنهم ليسوا جميعاً في مستوى صوتها أو إمكاناتها، وأخيراً أمام موقفي الثابت ألقت الكرة في ملعبي، بأنني ما دمت أرفض حلولها، فعليّ أن أتحمل مسؤولياتي كزوج وكأب، لأننا قريباً سنرزق بطفل ويحتاج هو الآخر إلى مصروفات ونفقات إضافية.
بحثت عن عمل إضافي، ولجأت مضطراً إلى إعطاء الدروس الخصوصية رغم رفضي للمبدأ من أصله، لا أستريح إلا سويعات قليلة، أعمل مثل النحلة في المدرسة صباحاً، وفي الدروس الخصوصية في الظهيرة، وفي العمل الإضافي في المساء، ومع ذلك لم أستطع تحقيق أمنيات زوجتي التي تضاعفت مطالبها، وأصبحت مسرفة بشكل غير عادي، كأنها تتعمد أن تنفق كل ما يقع بين يديها من أموال ليصبح جهدي بلا فائدة، ومع هذا كله، فإن حبي لها لم يتغير ما زال كما هو منذ النظرة الأولى وهذا ما يدفعني إلى كل هذه التضحيات وأيضاً التنازلات.
قالت إنه لا حل لمشكلتنا إلا بالسفر إلى الخارج، هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تحقق آمالنا، ولم يكن لديّ مانع من أجلها ومن أجل ابنتنا الزهرة الجميلة التي رزقنا بها، وسعيت جاداً إلى أن وفقني الله في الحصول على عقد عمل بالخارج، أعمل بجد ليل نهار وأرسل كل ما يقع في يدي من أموال إلى زوجتي لأشعرها أولاً بأننا في طريقنا لإنجاز ما نحلم به، وأيضاً حتى لا تكون في حاجة لأحد، حتى الإجازة الصيفية التي تكون فيها المدارس في عطلة لا أحصل على إجازة مثل كل الناس وأظل أعمل في أي حرفة أخرى حتى لو كانت غير مناسبة لي ولا أفهم فيها، المهم أن أحصل على المال الذي سيحقق لنا السعادة والاستقرار، ووجدت من زوجتي تشجيعاً على هذا الأسلوب، وتفانيت من أجل أسرتي الصغيرة التي أتمنى أن يأتي اليوم الذي أعود فيه ليلتئم الشمل مرة أخرى بعد طول فراق.
تحولت الأيام إلى طاحونة أدور فيها مثل الثور المعصوب العينين، فلا أعرف كم ادخرت ولا كم أمتلك، ولا المال الذي مع زوجتي، هذا كله لا يهم المهم أنني أشعر أنني أنجز المهمة وهي تتولى التدبير، فأنا أثق أنها حريصة على المصلحة وتتوق إلى تحقيق ما كنا نصبو إليه، وما نحلم به وما افترقنا وتحملنا الابتعاد من أجله، ثمانية أعوام مضت وأنا على هذه الحال، لا أعود إلا في إجازات قصيرة كأنها رحلة مكوكية سريعة، لا تزيد إجازتي على أسبوع أقضيه مع ابنتي وزوجتي التي تدفعني دفعاً، وأجد منها كل التشجيع على بذل المزيد من الجهد وتحمل الغربة وألم الفراق.
كانت لحظة هي أقرب إلى الموت من الحياة عندما تلقيت برقية من أخي يخبرني فيها بضرورة الحضور فوراً لأن ابنتي في خطر، لم أفكر في أي شيء وددت لو كانت لي أجنحة فأطير بها ولا أنتظر الطائرة التي ستقلني، ولا أعرف ما هو نوع الخطر الذي دهم فلذة كبدي، وتلعب الهواجس والظنون برأسي، وأقول ربما تكون قد ماتت بالفعل ولم يرد أن يصدمني وأراد أن يخفف عني، ساعات مرت مثل الدهر الطويل، إلى أن حطت الطائرة وخرجت مهرولاً مثل المجنون لأجد أخي في انتظاري، لكن لا تبدو عليه علامات الحزن بما يدل على أن الأمر هين وليس الخطر الذي أخبرني به كبيراً.
حاول أن يهدئ من روعي وطمأنني من البداية أن ابنتي بخير، ولكن الخطر لم يقع بعد إلا أنه آت ويجب الحذر منه، ولم يفسر أكثر من ذلك وأخرج من جيبه ألبوم صور وقدمه لي كان فيه التفسير الكافي لما قال، فزوجتي المصون تغني في أحد المسارح وابنتي الصغيرة ابنة الست سنوات ترتدي فستان الرقص الخليع بجانبها، واصطحبني إلى أحد المسارح ليكتمل المشهد، وشاهدت ما كان في الصور الفوتوغرافية ورأيت الواقع، ولم أتمالك نفسي وأنا أحتضن ابنتي من فوق المسرح وكأنني أختطفها وأهرب بها بعيداً عن هذا الجو الموبوء، المشاهدون لا يصدقون حتى اعتقد بعضهم أن هذا مشهداً تمثيلياً مع الغناء والطرب، ومنهم من كاد يقع على ظهره من الضحك.
توجهت إلى بيت حماي، فوجدته لا يستنكر فعلة ابنته، ويرى أنها تقدم فناً راقياً، بل ووصفني بأنني متخلف، فلم أزد على أنني انتظرت حتى الصباح لأتوجه إلى المحكمة، وأثبت أن زوجتي غير أمينة في تربية ابنتي، وقدمت الصور كمستندات لكلامي، وفي الجلسة المحددة، أقرت زوجتي بما فعلت، وقررت التنازل عن الطفلة مقابل أن أطلقها لتسلك الفراشة طريق الفن والغناء والأضواء ولو احترقت، فقد تركت وظيفتها من أجل ذلك، والآن فقط تذكرت وصدقت ما قالته أمي منذ سنوات.!

اقرأ أيضا