الاتحاد

تقارير

الحالة الليبية... وتحديات بناء الديمقراطية

تاشرلز ديون
مدير برامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بفريدوم هاوس

ستيفن ماكينرني
المدير التنفيذي لبرنامج الديمقراطية في الشرق الأوسط

كريم ميرزان
زميل رئيسي بالمجلس الأطلسي


من المقرر أن تمثل «ديبورا جون» يوم الثلاثاء المقبل أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي لاعتماد ترشحيها لتولي منصب سفيرة الولايات المتحدة لدى ليبيا. وستكون هذه مناسبة للتذكير بالأحداث الدامية التي أدت إلى مصرع السفير السابق «كريس ستيفنز» وثلاثة آخرين من الأميركيين في هجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي الليبية في الحادي عشر من سبتمبر 2012.
ومنذ وقوع تلك المأساة ركزت الولايات المتحدة، وهو الشيء الصائب، على الجهود الرامية للقبض على المسؤولين عنها وتقديمهم للعدالة، مع العمل في الوقت نفسه على اتخاذ خطوات ملموسة لتعزيز أمن الدبلوماسيين الأميركيين. ولكن نتيجة لذلك، ابتعدت الولايات المتحدة بمسافة كبيرة عن عملية التحول الديمقراطي في ليبيا التي تمثل أهمية حيوية ليس فقط بالنسبة لليبيا وحدها، وإنما أيضاً لأمن الجيران واستقرارهم السياسي، الذي تعتبر الولايات المتحدة داعماً مهماً في تحقيقه.
وليس هناك شك في أن التحديات التي تمثلها الحالة الليبية كبيرة: فهجمات بنغازي، وتفجير السيارة الأخير أمام السفارة الفرنسية في طرابلس، والهجمات المتكررة على الوزارات الحكومية، تعطى كلها انطباعاً عاماً بأن البلد قد بات خارجاً عن نطاق السيطرة. وبالإضافة إلى ذلك نجد أن المجموعات المسلحة ما زالت تشكل عقبة في طريق الاستقرار، حيث تقوم على نحو متكرر بتخريب العملية السياسية من خلال الترويع والعنف. يضاف ذلك أيضاً أن المؤسسات قد بقيت على نفس الحالة المتداعية واختلال الأداء الوظيفي، والضعف الشديد الذي كانت عليه.
ومن المؤكد أن الأمل يظل مطلباً جوهرياً من أجل ضمان أن تكون جميع المكونات الأساسية لتحقيق الاستقرار موجودة في مكانها، وتعمل على النحو الصحيح، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، المؤسسات الدستورية، وتوفير الوظائف، وجذب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق الإصلاح القضائي -إلى جانب العديد من المكونات الأخرى المطروحة على الأجندة بالطبع. كما يتعين بالإضافة إلى ذلك حل المسائل الخاصة بالدور السياسي للمسؤولين الذين شغلوا مناصب في عهد القذافي، وتنمية القطاع الخاص، والسيطرة على الحدود.
وهذه العوائق تبيّن مدى أهمية الحاجة لإعادة الانخراط الأميركي في ليبيا. فالولايات المتحدة لديها مصالح أمن قومي مهمة للغاية في شمال أفريقيا، تشمل الحاجة إلى خوض حرب ضد شبكات الإرهاب الإقليمية المتنامية ومنع تدفق الأسلحة المهربة عبر الحدود التي تشكل خطراً على الاستقرار في العديد من الدول في الشرق الأوسط الكبير، بالإضافة إلى منع تدفق اللاجئين على أوروبا. ونجاح التحول الديمقراطي في ليبيا سيكون نموذجاً مطمئناً ومهماً للديمقراطيات البازغة في أماكن أخرى في المنطقة. والانخراط الأكبر من جانب أميركا يمكن أن يجعل من ليبيا حصناً منيعاً ضد عدم الاستقرار الإقليمي، بدلاً من أن تكون عاملاً مساعداً عليه.
وهناك مزيج نادر من الخصائص والسمات المتوافرة في ليبيا، التي يمكن أن تسهل جهود الولايات المتحدة، يمكن بيانها على النحو التالي: إن ليبيا دولة مصنفة بأنها «حرة جزئياً» في تقرير فريدوم هاوس لعام 2013 في مطبوعة «الحريات في العالم». ومن المعروف أن ليبيا قد نجحت في عقد انتخابات برلمانية حرة ونزيهة في يوليو، وسجلت هذه الانتخابات على أنها واحد من أهم التحسينات التي تتم خلال عام واحد في تاريخ التقرير الممتد لأربعين سنة.
وثروة البلاد الضخمة من النفط مقرونة بعدد سكانها الصغير نسبياً والمتجانس (6,5 مليون نسمة) يمكّن ليبيا من تمويل عملية التنمية حتى مع تواضع مستوى الاستثمارات الأجنبية. وبالإضافة إلى ذلك يستمر مجتمع ليبيا المدني الصاعد والنابض في تحقيق قفزات واسعة في مواجهة الدولة الضعيفة. وقد يكون الشيء الأكثر أهمية، بعد أن تم عزلها عن المجتمع الدولي لعقود، هو أن الإرادة السياسية لتحقيق النجاح والمشاعر الشعبية الإيجابية تجاه الولايات المتحدة تفتحان الباب الذي كان موصداً بإحكام في السابق. ولكن الاستمرار في عدم الانخراط من جانب الولايات المتحدة يهدد فرصتها في تحقيق قدر من المساهمة الإيجابية في عملية التحول الديمقراطي في ذلك البلد.
وعدم وجود سفير أميركي في ليبيا لمدة ثمانية أشهر، قوض دور الولايات المتحدة في عملية التحول الديمقراطي في ذلك البلد، ولكن السرعة في اعتماد تعيين السفيرة الجديدة سيمكن واشنطن من لعب دور قيادي تشتد الحاجة إليه في الوقت الراهن.
وعلى رغم القيود الأمنية يجب على سفيرة الولايات المتحدة الجديدة أن تبدأ مجدداً في الجهود الرامية للانخراط بشكل واسع النطاق مع الجمهور الليبي كما كان يفعل السفير الراحل ستيفنز، وخصوصاً خارج العاصمة. ويجب على الولايات المتحدة أن تدعم جهود الإصلاح الواسع في قطاعي الأمن، والعدالة بما في ذلك تقديم المساعدة على تفكيك المليشيات، وبناء جهاز أمن داخلي قوي وفاعل. كما أن التمويل المستهدف لمشروعات الديمقراطية والحكم الرشيد يمكن أن يزود المجتمع المدني في ليبيا بالمساعدة الفنية والموارد المطلوبة لضمان تحسين مستوى الاستقرار وحماية حقوق الإنسان في مناطق البلاد المختلفة.
وخلال الزيارة التي أداها رئيس الوزراء الليبي علي زيدان لواشنطن في شهر مارس الماضي خاطبه وزير الخارجية جون كيرى بقوله «إن مجتمع الأمم فخور جداً جداً، بأننا قد ساعدنا الشعب الليبي في قتاله من أجل الحصول على فرصة لمستقبل واعد».
ولكن هذه الفرصة الآن في خطر، ويجب على الولايات المتحدة أن تبني على النجاحات التي حققها تدخل «الناتو» عام 2011 وتعترف بالتكلفة المنخفضة والجائزة الكبيرة التي ترتبت على مساعدة ليبيا على التطور نحو أن تكون حليفاً مستقراً ومزدهراً وديمقراطياً في شمال أفريقيا. والالتزام الأميركي القوي تجاه ليبيا يمثل ضرورة جوهرية لتعزيز التحول الديمقراطي الذي سوف يوحي بالثقة في منطقة تكافح جاهدة من أجل التغلب على تراث السلطوية التي استمرت لأجيال.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا