تقارير

الاتحاد

رسالة من محاكمة تايلور

عبدالله عبيد حسن
كاتب سوداني مقيم في كندا

أدانت المحكمة الدولية الخاصة بسيراليون رئيس جمهورية ليبيريا السابق تشارلز تايلور لدوره الإجرامي في قيادة وتوجيه ومساعدة متمردي سيراليون الذين شنوا حرب عصابات ضد حكومة بلدهم استمرت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً وخلفت خمسين ألف قتيل، واضطر آلاف كثيرة من مواطنيه إلى الهروب من بلدهم ليصبحوا لاجئين في معسكرات أقامتها الأمم المتحدة.
قالت المحكمة الخاصة إنه قد ثبت لديها أن الرئيس الليبيري السابق ساعد الإرهابيين ووجههم وقادهم وأدى بذلك لاستمرار حرب سيراليون إذ أمدهم بالسلاح والذخيرة ووفر لهم الحماية ولم يكن ذلك بسبب اتفاقهم أيديولوجياً، إنما ثمناً للأحجار الكريمة التي كانوا ينهبونها من بلدهم (الغني بالمعادن والذهب والحجارة الثمينة). هذه التجارة المتبادلة التي عُرفت بالجواهر الملطخة بالدم تحصل منها الرئيس السابق على بلايين الدولارات وقام بغسلها وتحويلها إلى حسابات وشركات سرية خارج أفريقيا إلى جانب إفادات الشهود الأحياء من ضحايا جرائم حرب سيراليون.
إعلان الاتهام وإدانته الذي قرأته المحكمة يوم الخميس الماضي بحضور المتهم ومحاميه احتوى على جرائم القتل والاغتصاب والإبادة الجماعية والاسترقاق وجرائم ضد الإنسانية والتجنيد الإجباري للأطفال دون الخامسة عشرة وتجويع سكان القرى الذين فرض عليهم المجرمون العمل في استخراج الأحجار الكريمة من موطنهم، وكثيرة الجرائم التي احتوتها عريضة الإدانة ضد تايلور. قررت المحكمة إدانة الرجل الذي كان رئيساً لليبيريا يترجى منه كثيرون الخير، وأعلنت أنها ستصدر حكمها عليه يوم 30 مايو الحالي. وسيقضي الحكم بالسجن (لأن القانون الدولي يمنع الحكم بالإعدام) وسيقضي تايلور فترة الحكم في أحد السجون البريطانية.
هذا تلخيص لما دار بجلسة الخميس الماضي في قضية سيراليون المتهم فيها الرئيس الليبيري السابق تشارلزتايلور. وعندما قرأت ما نشر عن محكمة تايلور التي استمرت لسنوات ست استمعت فيها المحكمة لعشرات الشهود الذين قصوا وتحدثوا عن سنوات الحرب ومعاناة شعبهم منها وحكوا حكايات عن الجرائم الوحشية التي شهدوها وعاشوها وهي جرائم يندى لها الجبين خجلاً. عادت بي الذاكرة إلى بداية سير الشاب المثقف المتخرج من جامعة بوسطن الشهيرة الذي قضى شطراً كبيراً من حياته في الولايات المتحدة (أرض الحرية والديمقراطية كما يصفها أهلها).
وتذكرت كيف أن كثيراً من شباب أفريقيا الجديدة قد سعدوا وفرحوا عندما وصل إلى سدة الرئاسة في ليبيريا، وكيف تصوروا ومعهم حكام الولايات المتحدة الديمقراطيين أن وصول تايلور ومجموعة من السياسيين والمناضلين الأفريقيين إلى السلطة في بلادهم هو "فتح جديد" لصفحة جديدة في تاريخ أفريقيا الحديثة ستعيد بلادهم وأفريقيا إلى مجدها القديم، وستقودها للحاق بالقرن العشرين.
كان تشارلز تايلور عند أولئك الشباب يمثل الأمل والحلم والشوق للتقدم والتنمية والديمقراطية وكانت كل تلك الصفات هي القناع الذي يلبسه تشارلز تايلور التقدمي-الثري... الخ.
وتساءلت بيني وبين نفسي ما هو هذا "الوباء الأفريقي" الذي يصيب أمثال "تايلور" ويحولهم إلى وحوش ومجرمين عندما يتمكنوا من السلطة؟ فـ"تايلور" ليس وحيد عصره وفريد زمانه، فأمثاله تمتلئ وتفيض بهم أفريقيا.
قالت المحكمة الدولية الخاصة بسيراليون التي حاكمت "تايلور" إن إدانته والحكم التاريخي عليه يجب أن ينظر إليه أنه رسالة موجهة لكل "الطغاة" في العالم بأنه مهما طال الزمن سيلاحقون وسيقفون أمام العدالة جزاءً وفقاً لما ارتكبوه من جرائم في حق شعوبهم". وهي رسالة لها معانيها ومراميها... والعاقل من المعنيين بالرسالة من يبادر بمحاسبة نفسه، وطلب العفو والسماح من أهل بلده قبل أن تطوله يد "العدالة الدولية".
أما "سيندرو ريفز" الشاهد الرئيسي والذي قدم الملف الأساسي لعملية التبادل التجاري الإجرامي بين زوج شقيقة تايلور، فقد استقر به المقام في تورنتو قبل خمس سنوات. ولقد منحت كندا أسرته حق اللجوء والإقامة الدائمة، لكن إدارة الهجرة ومن بعدها محكمة الاستئناف العليا رفضت منحه هذا الحق وطلبت منه مغادرة كندا. وقالت في تبرير ذلك إنه برغم أنه قدم الملف الأساسي، فإن تصويره نفسه أنه إنما قام بذلك لرفضه واستيائه مما فعل تشارلز فهو أمر مشكوك فيه ومحاولة منه أن "يتملص" من دوره الشخصي، فقد كان هو أحد أفراد مجموعة الرئيس الخاصة.
وبعد فإن العبرة والعظة في مأساة تايلور أن شهوة السلطة والثروة تعمي بصر وبصيرة بعض الحكام الموصفين بـ "الثوريين"... فالثوري الحقيقي له مبادئه التي يؤمن بها، ومن حبه ووفائه لأهله حصانة تحول بينه وبين أن يصبح رئيس عصابة وليس رئيس دولة ووطن.. وإن العدالة مهما طال انتظارها ستتحقق وسينال كلٌ جزاءه وفاقاً.. فالعدل هو أحد أسماء الله تعالى الحسنى.

اقرأ أيضا