كثير ما يربط البعض الدعوة إلى إصلاح وتجديد الخطاب الديني وتغيير المناهج بضغوط خارجية ممارسة من الخارج على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، متجاهلين تماماً أن هذه الدعوات انطلقت في ظل محاربة ومكافحة المستعمر وبعد خروجه، من عدد كبير من المفكرين والكتاب، بحيث إن القائمة تطول، بل يمكن القول إن هؤلاء المفكرين كانت أفكارهم ملهمة لقادة التحرر الوطني آنذاك، وكذلك في ظل خروج المستعمر وبناء الدولة الوطنية، ولكن في دولة ما بعد الاستعمار تم استخدام الدين لتكريس السلطة، وصار شعار الدولة العلمانية في مضابط الدساتير، ولم يتخذ عمقاً يتجذر في المجتمعات من خلال الممارسة والتطبيق العملي، فإغراء السلطة والمال والجاه يتطلب المحافظة عليها، وجوب استخدام الدين لأغراض سياسية في الواقع الإسلامي والعربي، وكان أن انتهى كل ذلك إلى أن أصبح الاستبداد عنواناً لفترة ما بعد الاستقلال، وأتاح الاستبداد لمجموعات إسلامية أن تستعين بالماضي ليكون نموذجاً للحاضر، ولمناهضة الحكام، وتغلغلت أفكار الدولة الدينية كبديل للدولة الوطنية في عقول وقلوب بعض الشباب، وأصبح السؤال جاهزاً والإجابة جاهزة: الإسلام هو الحل، ولا بديل لشرع الله، والعودة إلى الخلافة الإسلامية، ووجد تنظيم الإخوان المسلمين الدولي وجماعات سلفية، الأرضية للانطلاق، وساعدهم في ذلك بما كان يسمى بالخطر الشيوعي الذي جعل العديد من الأنظمة المناهضة للشيوعية تستعين بهم، وتهيئ لهم الملجأ والمال، فقويت تنظيمات الإسلام السياسي بعد هزيمة الاتحاد السوفييتي وخروجه من أفغانستان حتى أصبحوا دولة داخل دولة في كثير من الدول، من خلال الهيمنة على أهم مفاصل ومؤسسات وأجهزة الدولة مثل الاقتصاد، القضاء، الثقافة، التربية والتعليم، وأصبح هؤلاء حواضن لهم، وفي بعض الدول تمكنوا من السيطرة على مقاليد الحكم، وفي البعض الآخر عملوا بمبدأ فقه التقية والضرورات تبيح المحظورات إلى أن وصلنا إلى هذه المرحلة، من استئساد الإخوان والسلفيين الجهاديين للاستيلاء على السلطة، فعمّ الخراب والدمار وضاعت سيادة دول كثيرة، وأصبحت دول مهددة، وكثرت الأزمات والحروب الأهلية والطائفية والمذهبية، والسبب الاستبداد والتطرف الديني المستمد جذوره من فكر الإخوان المسلمين. ويأتي عاملان مهمان للخروج من المأزق التاريخي، أولهما تجديد الخطاب الديني بحكم المشاعر الدينية العفوية لدى غالبية الجماهير، وشرعية اصطلاح التجديد الديني التي تجد أصولها وفق أمين الخولي عندما «بدأ الحديث عن التجديد مبكراً حوالي القرن الثالث الهجري، لم يبق بعد ذلك مقال لقائل ولا اعتراض لمعترض، ولم تعد فكرة التجديد بدعاً من الأمر يختلف الناس حوله، فتخسر الحياة ضحايا من الأشخاص والأعراض والأوقات مما ينبغي أن تدخره هذه الحياة، لتفيد منه في ميادين نشاطها.. ولا تضيع الوقت والجهد في تلك المهاترات التي تكثر وتسخف حول كل محاولة جادة لدفع الحياة الدينية أو الحياة الاجتماعية إلى ما لابد منه من سير، وتقدم وتطور، ووفاء بما يجد دائماً من حاجات الأفراد والجماعات، «أنظر المجددون في الإسلام». وبما أن التجديد أو الإصلاح سيعصف بل يهدد مصالح كثير من الفقهاء والمتفقهين، وينزع عنهم ما يستمدونه من قوة هشّة، فإنهم سيقاومون ذلك، فهم ليسوا أفراداً بل مؤسسات متحالفة، بعضها مع بعض النافذين في السلطة أو السلطة نفسها. إن إصلاح المؤسسات التعليمية والتربوية يمثل عظم ظهر الإصلاح والتجديد الديني، ومفصل كل ذلك حرية الفكر والإبداع والبحث الأكاديمي، وتأسيس التعليم الأساسي على تكوين العقل الناقد، والباحث عن المعرفة والحقيقة البعيد عن التبرير والنفاق والإذعان والخوف، وهذا لن يتأتى إلا ببناء عقلي نقدي وشخصية مستقلة. الملاحظ أن معظم الدول التي اهتز بناؤها الوطني كانت محكومة من مستبد، ويكفي ما يحدث وفيه دلالة على ذلك، فالاستبداد أعاق تطور الشعوب العربية والإسلامية وجعلها تدور في حلقة مفرغة، كما أنه حطّم الإنسان وقيمه، وبالتالي انعكس كل ذلك تخلفاً فكرياً وعلمياً واقتصادياً، فقلّ الإبداع والابتكار، وأصبح الشعب يخدم حكامه بدلاً من أن يخدموه، وبدلاً من حماية المواطن أصبح بعض المواطنين يلجأون إلى الأجنبي ليحميهم من بطش حكامهم، ولعل هذا أسوأ ما وصله الواقع الحالي في بعض الدول، فالاستبداد هو عنوان آخر للتطرف في استخدام السلطة، ويمثل مقبرة للشعوب والدولة الوطنية. إياد الفاتح - أبوظبي