نزلة السمان قرية صغيرة تتبع محافظة الجيزة المصرية، لكن شهرتها بلغت الآفاق لموقعها الجغرافي المتميز بالقرب من المنطقة الأثرية للأهرامات وأبوالهول، ما جعلها مقصداً لملايين السياح العرب والأجانب سنوياً لا سيما أن غالبية سكانها يعملون في تقديم الخدمات السياحية وتوفير الجياد والجمال وعربات «الكارو» و»الحنطور» لمن يرغب من السياح في القيام بجولة بمنطقة الأهرامات، وتتراوح بين ساعة وخمس ساعات من نزلة السمان إلى أهرامات سقارة. هناك رحلات أخرى تمتد من يوم إلى أسبوع من نزلة السمان إلى بحيرة الفيوم أو هرم ميدوم ببني سويف، كما يتم في بعض الأحيان ‏إقامة أمسيات لاستعراض مهارات الفرسان ورقص الخيول ‏العربية الأصيلة. وأغلب شوارع نزلة السمان وبيوتها بمثابة معرض كبير مفتوح لكل ما يحتاج إليه السياح المترددون على الأهرامات، وهناك المرشدون السياحيون وإدلاء الصحارى وأصحاب «البازارات» التي تبيع كل شيء مرتبط بالسياحة من برديات وتماثيل فرعونية مقلدة إلى منسوجات وأقمشة وسجاد وتذكارات أخرى مختلفة. عائلات شهيرة يبلغ عدد سكان القرية نحو 100 ألف نسمة غالبيتهم ينتمون لعدة عائلات شهيرة هي «خطاب والجابري وأبو بريش وأبوعزيزة وتركي وفايد والحلو والشاعر وأبوزيد وغنيم وأبو باشا والقماطي والوليلي»، وبعض تلك العائلات ينتمي لقبائل من شبه الجزيرة العربية ومعظم أبنائها يعملون في السياحة. وقد أدى تراجع أعداد السياح الوافدين إلى مصر في أعقاب ثورة 25 يناير إلى توجيه ضربة موجعة إلى الآلاف من أبناء نزلة السمان الذين يعتمدون في كسب قوتهم على ما ينفقه نحو 14 مليون سائح كانوا يزورون مصر سنوياً، ويتردد غالبيتهم على منطقة الأهرامات، ولكن عادت حركة السياحة لتنتعش من جديد في الأيام الأخيرة مع توالي رفع دول أوروبا وأميركا الحظر على مصر والسماح لرعاياها بالعودة مرة أخرى إليها بعد الاطمئنان إلى استقرار الأوضاع وعودة الأمن والأمان. عادت الابتسامة ومع عوده السياحة عادت الابتسامة مرة أخرى إلى أبناء نزلة السمان منهم عادل الشيخ «55 سنة» الذي يمتلك أربعة جمال وعربة «كارو حنطور» ويكتسب وأولاده الرزق من استئجار السياح لها ويقول: الأيام في نزلة السمان لا تشبه بعضها فمن الممكن أن يكون اليوم موفور الرزق وغداً أقل، فالأرزاق بيد الله، إضافة لهذا فهي مهنة ممتعة وعلمتني التحدث بثلاث لغات أجنبية رغم أن علاقتي بالتعليم لم تتجاوز المرحلة الابتدائية. وأضاف: ورثت هذه المهنة عن والدي، فأنا أعمل وأسكن هنا في نزلة السمان، والسياحة هي مصدر الدخل الوحيد لي ولغيري؛ ولذا فأرزاقنا تعتمد على مقدار الأمن والاستقرار الذي يسود مصر، وقد عانينا لفترة تزيد على الشهر مما جرى في ثورة يناير التي استمرت 18 يوماً، وهروب السياح من مصر مما أدى لفترة عصيبة عشناها جميعاً لدرجة أن البعض استدان كي يوفر ثمن غذاء الجمل أو الحصان الذي يعمل عليه، فالطعام الذي أقدمه للجمال الأربعة يكلفني نحو 50 جنيهاً يومياً، وهو مبلغ كبير كنت أعتمد في توفيره على السياح الذين اصطحبهم في جولات حول الأهرامات وأبوالهول، إلى جانب مستلزمات الحياة اليومية لأسرتي لا سيما أن أبنائي الثلاثة يعملون معي. ولفت إلى أن نزهة الجمل وكذلك عربة الحنطور خلال الساعة الواحدة تقدر بـ 50 جنيهاً، أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية، وهي تسعيرة محددة من وزارة السياحة ومحافظة الجيزة تشمل أيضاً ركوب الحصان. الجمل مصدر رزق وقال نجله الأكبر مصطفى «29 سنة» إن طبيعة عمله ‏تتطلب الصبر والتعامل برفق مع الجمل الذي يعتبر مصدر الرزق له ولأسرته، وإنه ينتظر مثل غيره عودة حركه السياحة إلى ما كانت عليه من قبل، وهو وزملاؤه تعلموا أهمية الحفاظ على استمرار حضور السياح لمصر تارة بالاستقرار وأخرى بحسن الاستقبال. وأضاف: يأتي السياح إلى منطقة الأهرامات من شتى بقاع الأرض؛ لذا أحرص قبل أن أخرج من منزلي في الصباح على نظافة الجمل والتعامل مع السائح بطريقة حسنة، فالسائح ضيف عزيز ولا بد من حسن استقباله وإكرامه حتى يأتي إلينا مرة أخرى، ومن ثم نحافظ على استمرار أرزاقنا. ويعمل أحمد خيري «22 سنة» في أحد إسطبلات الخيل بنزلة السمان منذ كان عمره 8 سنوات، حيث يقوم بتأجير الخيل لمن يرغب من السياح، ويقول: كان والدي يعمل في تلك المهنة، وورثت حبها عنه وتعلمت من خلالها كيف أتحدث مع كل سائح بلغته رغم أنني لم أحظ إلا بقدر بسيط من التعليم، وأهم ميزة لهذه المهنة أنها وفرت لي دخلاً مادياً مناسباً استطعت من خلاله أن أتزوج، لكن الرزق قل كثيراً في الفترة الأخيرة لدرجة أنه ظل أياماً طويلة عقب قيام ثورة 25 يناير من دون أن يصطحب أي سائح قبل أن تعود الحركة من جديد في الأيام الأخيرة. وأضاف: أكثر ما يسعدني أن السياح الذين ألتقي بهم الآن يتحدثون بفخر عن الثورة المصرية وما قام به شباب مصر وكيف أبهروا العالم بثورة يناير، وكثير منهم قالوا إننا نزور مصر هذه الأيام بسبب ما رأيناه في ميدان التحرير. تذكارات وهدايا وقال هشام جبر «29 سنة» بائع تذكارات وهدايا فرعونية بأحد بازارات نزلة السمان: رغم أنني تخرجت قبل سبع سنوات في كلية التجارة، فقد فضلت العمل هنا بأحد المحال لأن المردود المادي الذي أتحصل علية يعد وفيراً مقارنة بأي مهنة أخرى وتعلمت من خلال الاحتكاك اليومي مع السياح التحدث بأكثر من لغة مثل الإنجليزية والفرنسية والروسية، واكتساب صداقات كثيرين من مختلف الجنسيات. وقال عمر حمدي «39 سنة» مرشد سياحي: أهل نزلة السمان كغيرهم من أهل مزارات مصر السياحية يترقبون عودة حركة السياحة إلى ما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير لا سيما أن الصيف هو موعد حضور الإخوة العرب لقضاء إجازاتهم السنوية في أحضان القاهرة والمدن الساحلية.. والسياح الخليجيون الذين يفدون إلى منطقة الأهرامات يطلبون من أهل نزلة السمان تجهيز الخيول العربية الأصيلة ‏‏والتي تتميز بالسرعة والذكاء وجمال الشكل، في حين يفضل السياح الأجانب ركوب الجمال ‏‏والخيل الهادئة، بالإضافة إلى تزويدهم بمترجم من أبناء النزلة يرافقهم‏ ‏خلال الرحلة. والمتأمل لأحوال نزلة السمان، يلاحظ أن غالبية سكانها يعملون في تلك المهن المرتبطة بالسياحة بلا فوارق طبقية، فتجد خريج جامعة إلى جوار من لم تطأ قدماه مدرسة ابتدائية يوماً، ومع ذلك هناك لغة حب وتفاهم بينهم، ويقول محمد خليل «31 سنة» (ليسانس آداب) إن المردود المادي المتميز الذي تحققه تلك المهن على العاملين بها أسهم في جذب أهل نزلة السمان بمختلف ثقافاتهم ومؤهلاتهم لا سيما خريجي الجامعات الذين لم تتوافر لهم فرصة العمل الحكومي وأحبوا هذه المهن ونافسوا غيرهم خاصة في العمل بالبازارات والتفاهم مع السياح الأجانب الذين يترددون على النزلة لشراء ما يريدون منها. أصل اسم نزلة السمان هناك خلاف بين أهل المكان حول أسباب تسميته بنزلة السمان، فإحدى الروايات تقول إنها كانت قرية فرعونية قديمة مخصصة لسكن العاملين في بناء الأهرامات، وكانت تسمى «بوزيريس»، وبمرور الزمن ودخول العرب مصر تحول الاسم إلى بركة السمان، لوجود مياه فيضان النيل بها، وكانت تصل حتى قدمي أبى الهول أسفل الهضبة، وكان أهالي المنطقة يسكنون أعلى الهضبة فكان طائر السمان يهبط بالمنطقة أثناء الهجرات الموسمية للطيور ويأتي الناس من مختلف أنحاء القاهرة للصيد في تلك المنطقة، وبعد بناء خزان أسوان، انحسرت المياه وبدأ الأهالي النزول من الهضبة وبناء مساكنهم في المنطقة الحالية فسميت نزلة السمان. وهناك رواية أخرى تجزم بأن أحد الشيوخ ويدعى حمد السمان، وهو من أولياء الله الصالحين، جاء منذ زمن بعيد من بلاد المغرب العربي وعاش في هذا المكان للاعتكاف والتقرب إلى الله‏، وبعد وفاته سميت نزلة السمان نسبة إليه ومازال أهالي النزلة يحتفلون بمولده بميدان سيدي حمد السمان.