الاتحاد

دنيا

فادي الصايغ·· الإعاقة جعلت منه نابغة

 فادي الصايغ يستخدم  أحد الأجهزة التي ابتكرها

فادي الصايغ يستخدم أحد الأجهزة التي ابتكرها

المعاقون هم الشهود الأحياء في هذه الدنيا، بعضهم نال نصيبه من حرب قاسية فتحولوا الى ضحايا دائمين، دلت بصماتها على أطرافهم المبتورة ووجوههم المشوهة، بأجسادهم المتأرجحة بين عكازين أصبحتا رفيقتين دائمتين لهم في الحل والترحال· والبعض الآخر نالوا نصيبهم من حوادث القضاء والقدر، فرزحوا في وطنهم تحت وطأة إنسانية مفقودة ورحمة لم تعد تجد سبيلاً لها في القلوب·
''هوميروس'' نظم الالياذة والاوذيسة وهو أعمى ، و''بيتهوفن'' كتب سمفونيته التاسعة وكان مصاباً بالصمم الكامل، وهناك أسماء كثيرة تحمل معاني العبقرية والذكاء لطالما كانت نموذجاً يحتذى من قبل الشباب رغم انها كانت تشكو من عاهة جسدية معينة، عوضها الله عليهم بموهبة ونبوغ فكري مميز: طه حسين، بولس سلامة، سيد مكاوي، الرسام عقل وغيرهم ممن تغلبوا على معاناتهم·
و في لبنان تصبح المعاناة أكبر لأن صعوبة الحياة لا يتحملها الانسان السليم، فكيف بالمعاق الذي يسير بمساعدة آلة، أو أطراف صناعية او عربة صغيرة تجره، بعد ان يحفر جلده على بصمات زواياها·
الشاب فادي الصايغ أحد ضحايا حادث أليم وقع في غفلة من الزمن، وتحديداً ليلة عيد ''البربارة''، حيث شارك في سهرة ''البربارة'' عند الجيران، وكان يرتدي زياً تقليدياً، وطربوشاً طويلاً فوق رأسه، ولدى محاولة أحدهم نزع الطربوش الطويل، تراجع الى الوراء، وللأسف لم يكن للمكان المتواجد فيه حافة أو جدار عازل صغير، فوقع من علو ستة أمتار وأكثر، وكانت الاصابة في رقبته وظهره، الذي تحطمت عدة فقرات فيه، مما أدى إلى إصابته بشلل رباعي لا شفاء منه، وكان ذلك في 4 ديسمبر من سنة ·1982
ألم لا يحتمل
؟ ما كان شعورك لدى الاصابة، وهل توقعت خطورتها؟
؟؟ لحظة الحادث عرفت مدى الاصابة نتيجة لصعوبة الألم الذي شعرت به، فقد كان ألماً فظيعاً لا يحتمل، عدا أنني لم أقدر على الحركة وبقيت مستلقياً على ظهري، ولما أجريت أكثر من عملية جراحية على مدى ثماني سنوات ولم تسفر عن شيء، عرفت انه لا مجال للشفاء من العاهة التي لحقت بي، ومنذ 25 سنة وحتى الآن وأنا في علاج دائم من جرائها·
؟ كيف تصف لنا التغيرات الجديدة التي طرأت على حياتك بسبب الإصابة؟
؟؟ في البدء وجدت صعوبة في التكيف مع الحادث الذي تعرضت له، وأيضاً بسبب شعوري بعذاب الآخرين معي، خصوصاً أهلي، اذ كنت بحاجة الى مساعدة دائماً من الاشخاص المحيطين بي في تحركاتي وتنقلاتي سواء داخل المنزل او خارجه· لكن ارادة التصميم والعزيمة والثبات جعلتني اعتمد على نفسي فقط ومن دون اي مساعدة من الآخرين·
؟ كيف تم ذلك؟
؟؟ بداية وضعت في رأسي فكرة استعمال وقيادة سيارة مثلي مثل بقية البشر، فصنعت ''وِنْش'' داخلياً يوضع على سقف السيارة، و''ونش'' داخلي آخر يرفع الكرسي أوتوماتيكياً اي الكرسي النقال، مع وضع غطاء خاص ضد الامطار يفتح ويقفل آلياً·
؟ ما نوع سيارتك؟
؟؟ ''بونتياك'' سبور، أي باب واحد، والاجهزة الموجودة بداخلها يمكنني استعمالها داخل أي سيارة أخرى، أي انني أصبحت أنتقل من السيارة الى الكرسي المتحرك وبالعكس لوحدي ومن دون أي مساعدة·
سعادة غامرة
؟ علمنا ان هناك تصميماً آخر صنعته بالنسبة الى سرير النوم، وأيضاً من دون أي مساعدة؟
؟؟ بدأت أفكر بهذا الأمر بعد 15 سنة من الإصابة، لاسيما بعد الشلل الرباعي الذي أصابني في أطراف اليدين والقدمين، عدا الالتواءات والتشوهات الحادة التي لحقت بي· بداية صنعت أشياء ميكانيكية وجمعت أدوات أخرى عبر تصليحها وتصميمها بشكل يؤدي الى تطبيق ما رسمته على الورق، واستعنت ببعض الاخصائيين في هذا المجال، فطبقوا ما صممته· كانوا يعتقدون أن هذا الامر صعب التحقيق والانجاز سواء في جهاز الرفع الى السرير أو في ''الونش'' الخاص بالسيارة، وطبعاً النماذج التي وضعتها من أجل هذا الامر، مرت بتعديلات وتغييرات مرات ومرات حتى تحقق ما أردته· ولا تعرف مدى السعادة التي شعرت بها أول مرة وأنا أرتفع نحو السرير وحدي من دون مساعدة أهلي، كذلك حين صعدت إلى السيارة ودخلتها بمفردي، حينها أحسست وكأنني أسير مثلي مثل الناس· أستطيع القول إن أعجوبة حقيقية حدثت، فتحررت من الاصابة وشعوري بمشاركة الناس في همومي واستقللت والحمد لله·
؟ لماذا هذا الشعور؟
؟؟ لانه بعد 15 سنة من الاصابة، شعرت بالندم لانني تأخرت كثيراً عن هذه الابتكارات، والسبب انني كنت أفكر ماذا سيحصل لي عندما يتخلى عني المحيطون بي والذين يساعدونني حالياً، وماذا سيحل بي، فقلت في عقلي بأنني لا يجب ان أبقى على هذه الحالة إطلاقاً، أي ''عالة'' على الآخرين، فالذي يبتكر تصميماً يستطيع بواسطته ان يدخل السرير وحده، كذلك يقدر ان يصنع تصميماً آخر يدخل فيه السيارة ويخرج منها وحده ايضاً، وهذا ما حصل···
؟ عرفنا أنك تكاد تنتهي من شقة خاصة بك، تتميز بابتكارات وتسهيلات صممتها لكي تسكن فيها لوحدك وتتجول فيها وتقوم بكل الأعمال من دون مساعدة الآخرين، هل لك ان تحدثنا عنها؟
؟؟ أكاد أنتهي من بنائها، خصوصاً بالنسبة الى الأجهزة المتواجدة بداخلها، فهي ليست كبقية الشقق المعروفة، فأنا صممتها بشكل هندسي لا يوجد مثله في أي مكان آخر· من لا يجلس على كرسي متحرك ونقال لا يعرف المعاناة التي يعيشها المقعد· كل شيء رسمته على الورق ونفذته بدقة متناهية، طبعاً مرحلة التخطيط كانت الاصعب والعمل كان بحاجة الى حرفة دقيقة، فلأول مرة ترى شقة لا تمديدات صحية فيها، اي انك لا ترى أي شيء على الارض، فكل التجهيزات متحركة· وضعت 37 فكرة فيها وانجزتها، من ''تابلوه'' الكهرباء المتحرك حتى الخزائن والجوارير والمغاسل وسلة النفايات فكلها متحركة وتأتي اليك من دون ان تتكبد العناء والمشقة، حتى انني أستطيع الوصول الى السقف لتغيير ''لمبة'' الانارة، بمعنى آخر صنعت ''ونش'' مركزيا يدور في البيت بكامله، بشكل أقدر أن أرفع أي غرض عن الأرض من دون الاستعانة بأي كان·
وأضاف: أنا من الاشخاص الذين يعتقدون أن لا شيء مستحيلا في هذه الدنيا وليس لدي أي عقدة نقص، والشقة التي زودتها بكل الامكانات المطلوبة والتسهيلات الخاصة بالمقعدين، جعلتني مستقلاً في حياتي، فأي شيء أريده يأتي إليّ ولا ألحقه كما يعيش الناس الأصحاء· ويمكنك القول إن الفكرة تجر الفكرة، وكل مشكلة لها حل مناسب، شرط ان يتمتع الانسان بإرادة وعزيمة، فما انجزته لا يتعلق بي وحدي بل يستطيع أي مقعد استعماله· لقد وضعت كل الابتكارات بخدمة المقعدين والمصابين بعاهات· وكما قلت سابقا (37) فكرة وضعتها في الشقة و7 موديلات من التصميم، سهلت عليّ الامور الصعبة بشكل لا يصدق·
مؤسسة ··· وألعاب تسلية
؟ هل من ابتكارات أخرى تود التحدث عنها؟
؟؟ لدي تصاميم في ذهني تتعلق بألعاب تسلية لم يعرفها أحد حتى الآن، وسوف تخلق ضجة كبيرة لجودة الافكار ولما تحوي وتضم من صرعات لا مثيل لها، لكنني الآن لا أحب الاستفاضة بالحديث عنها، فأنا بحاجة الى بعض الراحة بعد العناء والتعب الذي تكبدته من أجل إنهاء وانجاز الشقة التي تكلمت عنها، والايام المقبلة ستكشف حقيقة ما أقوله، وما أحب ان أنجزه يتعلق بأمنيتين او حلمين، الأول على الصعيد الشخصي حيث توجد لدي ابتكارات في مجالات عديدة سوف يتم تسويقها وبيعها وهي ألعاب تسلية بطريقة جديدة ثلاثية الأبعاد، اي ان كل لعبة تمارسها ترى جديداً فيها بشكل دائم· والثاني، ان أعمل مؤسسة تؤمن تجهيزات تعويضية للمعاقين والمقعدين، أو مشغلاً لصناعة الاجهزة التعويضية لمساعدة الآخرين، لكن هذا بالطبع بحاجة الى تمويل مالي ضخم، ربما يتاح لي تحقيقه فيما بعد· طبعاً أنا أنتمي الى اتحاد المقعدين وأمارس فيه نشاطاً ومهمات عديدة، أتوجه لكل الاشخاص المعوقين وخاصة المصابين بإعاقات قوية، بعدم الشعور بالحالة التي يعيشونها ويعانون منها، وان لا يعتقدوا أن هذه هي نهاية العالم والحياة، فمتى وجدت الارادة والعزيمة وعدم الشعور بعقدة النقص، فإن الامور تصبح سهلة والحياة جميلة من دون أي تعقيدات، فكل المشاكل تهون أمام حب البقاء·
قد يكون المعاق ورث عذاباً فوق آلامه، ومعاناة فوق جحيمه، الاّ انه في نهاية المطاف يكفينا فخراً ان المعاق هو الذي يصنع الاوطان ويبني المجتمعات الصحيحة، فمن خلال مسيرة المعاقين الحياتية تولد الإيجابيات التي عجز عنها الأصحاء·

اقرأ أيضا