الملحق الثقافي

الاتحاد

سأمحو وجهي ببسمةٍ وأتركُ نزيفي يثرثر

أحمد النجار *

هذا الصباح اتصلت بي شجرة
كنت أعتبرها بمثابة وطنٍ أخضر لوجهي الغريب
لحنيني المقطوع عن دفء انتمائي لـ يمني السعيد
قالت إنها عثرت على أشياءٍ كانت تخصُّ حزني البكر
تساءلت ما الذي يمكن أن تجده خلف ومضات عبوري المطفأ
فتأكدت أنها وجدت قنينة صغيرة معبأة بتراب من أديم بلدي
كنت اتنشقها كهروين كلما شعرت برغبة في تخدير حنيني المعذّب.

هكذا أنا أخذلُ أشيائي العزيزة دائماً
ثم ألعنني حتى أغيب تماماً عن الوعي
لكنني قررت... أن أعود
لا يهمُّ إلى أين!
المهم أن أعود الى هناك
حيث كنت على كتف أمي
أبصق سخريتي على العالم
و أ ك ت ب
قصائدي على هيئة رغوة من صابون الأحاسيس
ثم أذروها كفقاعات تائهة تشبه عبرات الملائكة
لا أدري من المسؤول آنذاك عن تفجيرها في الهواء
تقول أمي أن فقاعاتي تتحول لغيوم ذائبة
لكنها أبداً لا تموت
وإنما تذهب للسماء كي تنتظرني هناك
لهذا أريد أن أعود
لا يهمُّ إلى أين..
المهم أن أجدّ فقاعاتي التي أحب
لكي أسألها لماذا تركتني يوماً ما
هنا
وذهبت إلى هناك!

يبدو أنني الآن أهذي
وإلا لماذا لاتزال أصابعي ترتعش كوترٍ يئنّ
في ضمير كمنجة محطمة
ثم ما هذا البياض الشاحب الذي يملأني الآن بؤساً وخدوشاً
كأنه سربُ آهاتٍ تتقاطع في منعطفات المدى
كل ما في الأمر أني سأمحو وجهي ببسمةٍ ممتقعة اللون
وأتركُ
نزيفي
ي
ث
ر
ث
ر
ولا أريد أية ممحاةٍ أو أهدابٍ تحوم حولي
ما أريده فقط هو أن ألمحني بوضوح
في أعماقكم كمثل بقعة قديمة
لحذاءٍ صغيرٍ جداً
يخصُّ طفلاً في الصف الأول الابتدائي
ربما كان أنا
آهٍ...
ما أجمل خطانا القديمة
لو نستطيع أن نلمحها ثانية
لكنَا بكينّا علينا إلى الأبد!

? ? ?

هذا الصباح ذهبت للخياط كي يفصل لي كفناً
إذ طلبت منه أن يطرّز عليه قصائدي
عسى تقاسمني وحشة الأبد..

ثم ذهبت إلى بائع الورد كي اشتري بعض بنفسج
يقال إنه أفضل من سيحزن عليّ
وأكثر من سيبقى على ضريحي أيضاً..

ثم ذهبت لأصدقائي وابتسمت لهم ببساطة نادرة
ولملمت نظراتهم البلهاء، ومضيت.....
لطالما كانت نظراتهم تعني لي الكثير
لكنني لم أبح لهم بذلك يوماً..

ثم ذهبت إلى صديقي الصيدلاني كي أعيد له الدواء
ذلك الدواء الذي استخدمته طوال تسع سنين ولم ينفع
أتعجب!! لماذا كنت أشتري دواءً
ولماذا كنت مصراً أن أقهر به آلامي الحميمة...

لكنني الآن سأخونها دفعة واحدة مع أنها لم تخذلني أبداً
هكذا أنا دائماً أتخلى عن آخر ما أملك
فقط لكي أثبت لنفسي
أنني مازلت قادراً على تمزيقي جيداً..


ثم ذهبت إلى آخر الشارع ووقفت برهةً لكي أراني خلفي
لكي اختزل ملامحي للفتة الأخيرة محاولاً أن أبتسمّ
بغباء كوميدي
أن أبكي ببرستيج مبرّح
أن أعانقني بقسوةٍ قبل أن افتقدني فجأةً
فلا أجدني...
أو أبحث عني فلا أعثر عليّ
ثم ذهبت إلى البيت وأخذت قليلاً من “بوشار” أمي
تناولت واحدة تلو أخرى
قلت أسلي نفسي حتى المقبرة!


* شاعر يمني

اقرأ أيضا