الاتحاد

دنيا

رجع الصدى

منذ طفولتها كانت تعرف أنها جميلة·· هكذا كانت تسمع من والدتها وأقاربها ومن شباب المنطقة التي تقيم فيها· كانت الأم تؤكد لها أن حظها أفضل من أخواتها، أنها تذكرها بطفولتها وشبابها عندما كانت ست الحسن والجمال، كانت عبارات الإطراء جزءا لا يتجزأ من حياتها اليومية، وبالتدريج أدمنت الإطراء واستعذبت الغزل·
أصبح جمالها هو محور حياتها، أصبح الجمال هو القيمة الوحيدة التي تعتز بها وتسعى إلى تنميتها واستثمارها، لم تعد تسمع من الكلام إلا ما يصف اتساع عينيها و لونهما الأزرق الذي يفوق صفاؤه صفاء زرقة السماء، حمرة خديها، نعومة بشرتها، امتشاق قامتها، رشاقة خطوها، عذوبة صوتها، وكانت الأم تغذي هذه النزعة النرجسية عند ابنتها، ولِمَ لا، وهي التي جعلت من أسرتها المتواضعة مقصد القلوب وعنوان الحب·
ورثت عن أمها وصف ''ست الحسن''، تصورت أن الكون كله يدور حولها، أنها محوره، ونسيت في غمرة الاهتمام بجمالها أن الجمال وحده ليس كافيا لتحقيق السعادة· تخلت عن التعليم أو تخلى عنها عندما أهملته وانشغلت بجمالها، لم تقلق أو تشعر بالخوف من المستقبل، فمن لها مثل جمالها مستقبلها مضمون، وزوج المستقبل كفيل بتحقيق كل أحلامها·
عندما كانت في العشرين من العمر، أجرت أول عملية تقشير كيمائي لبشرتها، شعرت بان ثدييها اكبر من اللازم، فأجرت جراحة تصغير، تصورت أن شفتيها اقل سمكا مما ينبغي، فأجرت عملية نفخ، أصبحت ''زبونة'' دائمة على عيادات أطباء وصالونات ومراكز ومحال التجميل·
أمس رأيتها بعد غياب امتد لأكثر من عقدين، تعرفت عليها بصعوبة، كانت غير التي اعرفها والتي سحرني جمالها ذات يوم، كانت كمن تجاوزت الستين، مهمومة حزينة متعبة مرهقة، ووحيدة·· فقد فاتها قطار الزواج وتجاهلها الفارس المنتظر·

أبو أمنية
alhefnawi@yahoo.com

اقرأ أيضا