لم يكن انبلاج فجر جديد من الوحدة والمنعة لمنطقة الخليج العربي تحصيل حاصل أو محض مصادفة، ولم تكن النهضة التي نعيشها اليوم حادثاً عرضياً أو هبة يمن علينا بها عدو أو صديق، وإنما كانت نتاج جهود جبارة ومساعٍ كبيرة دأب عليها الأجداد المؤسسون، فهذه المنطقة التي تتسم بطابعها القبلي وتستمد منه القيم والمبادئ الأصيلة في تعاملاتها مع جيرانها والعالم، تقف عصية أمام أطماع أعدائها، متسلحة بالعقيدة والعلم والحكمة، وهذا ما جسده النموذج الإماراتي الذي عانت إماراته المتفرقة من أطماع ونفوذ فرضتهما عوامل جيوسياسية، حتى جاء المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بمشروع عظيم آزره به إخوانه حكام الإمارات فوحدوا القلوب والبيوت قبل الأرض واستثمروا بالرجال قبل المال، فما كان بالأمس حلماً أصبح اليوم حقيقة وواقعاً معيشاً، وهذه مكتسبات لا تقدر بثمن علينا جميعاً وفرض الحفاظ عليها وحمايتها من أي عبث. اليوم ونحن نشاهد السياسة القطرية الهوجاء التي أفرزها نظام أرعن يلهو به رهط من المنبوذين والمغرضين الذين لفظتهم دولهم وشعوبها لتآمرهم عليها وبث الفتنة والخراب فيها، فضاقت بهم الأرض نتيجة خبثهم ومكرهم ولم يجدوا ملجأ يحوي فكرهم المريض سوى قطر، وكيف لا وهي التي نافقت ثم ضلت فاستكبرت ثم تعالت واستنكرت فجاءها حزم الخليج وأدبرت، لذلك ندق ناقوس الخطر معلنين رفضنا التام لهذه السياسة الصبيانية غير المسؤولة، والتي قد تجعل المنطقة بأسرها عرضة للتهديد، فها هي من تدّعي أنها كعبة المضيوم يتضح لنا جلياً ويظهر للعيان بأنها وكر للمجرمين والإرهابيين، ومصدر للفتنة والكراهية والتفرقة وكعبة للمحرضين على الموت والقتل. عندما تحتضن الدوحة مكاتب لجماعات وأحزاب وأفراد إرهابيين ومطاردين من قبل دول الخليج والدول العربية الأخرى، وتوظف الأعمال الخيرية والإنسانية في إخراج مسلسلات الاختطاف لتمويل الإرهاب ودعم ميلشياته التي فتكت ببعض دول الأشقاء وتطاولت على سيادتها، وعندما تمارس «البلطجة» الإعلامية من خلال قناة الجزيرة وشبكة القنوات التي تمولها لزعزعة الأمن ونشر الفتنة في دول الخليج والدول العربية بذريعة احترام الرأي الآخر، والذي في حقيقة الأمر لا يعدو كونه رأي فئة قليلة من المجرمين والظلاميين يتم الترويج له بشكل ممنهج ومنظم لتحقيق مآرب دنيئة ووضيعة، وعندما تسخر المنابر الدينية لفتاوى التطرّف والإرهاب وتصبح مطية لدعاة الفتنة يمتطونها لنشر أفكارهم المسمومة والإساءة لدول الخليج العربي ورموزها، يصبح لزاماً علينا وضع حد لهذه التصرفات، خاصة أن الدوحة اليوم باتت غير آبهة بالتزاماتها تجاه مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية والأمم المتحدة ومتجاهلة وحدة المصير الخليجي المشترك لا سيما بعد إعلان وتأكيد أميرها بالأمس أنه لن يغير هذه السياسة. أصبحت قطر فجوة في درع الجزيرة الحصين، وممراً للأفكار الإرهابية والمؤامرات، ومصدر قلق لشعوب المنطقة، فمهما ادعت الدوحة بأن سياستها تدعم مصالحها الداخلية والخارجية ومهما حاولت تبرير نشوزها وانسلاخها عن محيطها العربي ستفشل حتماً وهي في أحضان إيران وتركيا، لأن قوانين اللعبة تغيرت مع تغير البيئة الإقليمية «الحزم» والدولية «ترامب» وتصاعد خطر داعش على أوروبا، وهزائمه الكبيرة في العراق وسوريا مخلفاً وراءه آلاف الأدلة والبراهين على منابع تمويله القطرية، وانكشاف الدور الإرهابي لإيران وحزب الله بالأدلة على مستوى العالم. اليوم وبعد خطاب أميرها الذي لا يمكن وصفه إلا بأنه خطاب المنهزم، ومع تزايد الأدلة على سيادتها المسلوبة، وفشلها في تبرير سياستها وإخفاء أجندتها الخبيثة تعجز قطر عن المواجهة وتلجأ إلى تصدير الإشاعات والمغالطات التاريخية والحقائق من خلال تجنيدها لمئات المرتزقة لإدارة حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي لهذا الهدف، في محاولة منها لامتصاص ردة فعل شعبها الذي بات يوماً بعد يوم تتكشف له سوءات نظامه وحكومته، ولم يعد يثق بما يسمعه من إعلام إخواني قطري في ظل تعنت قيادتها التي سكتت دهراً عن نفي ما تورطت به من دعم وتمويل للإرهاب، الشعب القطري بات مدركاً أن الولاء لقطر الأرض، وأن قطر لا تنحسر بنظام خائن لا يؤتمن له جانب، فبعد أن خسر النظام القطري وحكومته ثقة دول الخليج بات على المحك مع خسارة ثقة الشعب القطري في كل يوم جديد من عمر الأزمة التي أدخل نفسه فيها. الحفاظ على المكتسبات التي حققناها خلال العقود الماضية أولوية قصوى لا هوادة فيها، وانتشال قطر من مستنقع الحمدين وتميم واجب تحتمه علينا مبادئنا وقيمنا بأن مصيرنا واحد، فالشعب القطري الشقيق هو جزء أصيل من الهوية الخليجية ونصرته حق علينا، وعلى الرغم من كل المحاولات البائسة التي يهدف النظام القطري من خلالها إلى شق الصف الخليجي وتمزيق نسيجه المترابط، سيكشف لنا الشعب القطري الشقيق يوماً بعد يوم مدى وعيه بما يحيط ويحيق به من مخاطر، وإدراكه للنهج العقيم والمتناقض الذي يدير من خلاله النظام القطري أمور قطر والأزمة، وأن هذا النهج لن يلد نهضة ولا ازدهاراً ولن تجلب لهم مطية الإرهاب القطرية والسيادة المسلوبة إلا الدمار والعار، كان الله بعون أشقائنا القطريين على ما جلبه لهم نظامهم الخائن والمستثمر الرئيس في تمكين واستدامة أعداء دول الخليج العربي والإنسانية جمعاء. * كاتب إماراتي