الاتحاد

دنيا

ثروة عبد الوهاب الضائعة

الموسيقار  محمد عبد الوهاب

الموسيقار محمد عبد الوهاب

العنوان به خطأ·· إنها ليست ثروة ''عبد الوهاب'' ولا هي ثروة مصر إنها ثروة قومية عربية· أحدثكم عن هذا التراث الضائع والنادر الذي سجله محمد عبد الوهاب في النصف الأول من الستينات بصوته وهي المرحلة التي كان فيها صوت عبد الوهاب في كامل قوته وعنفوانه· هذا التراث الغنائي كشف عنه الشاعر الكبير ''فاروق جويدة''·· بعد رحيل عبد الوهاب قبل 16عاماً في سلسلة الحوارات التي سجلها معه عبد الوهاب· وقال إنه كان يذهب إلى منزل شمس بدران وزير الحربية المصري الأسبق والرجل القوي في تلك السنوات حيث كان يسجل بصوته ألحاناً لقصائد من شعر أحمد شوقي وعزيز أباظة وكامل الشناوي·· بل إن حلم عبد الوهاب بتقديم أوبريت مجنون ليلى ''لأمير الشعراء'' أحمد شوقي، هذا الحلم سجله عبد الوهاب لدى شمس بدران حيث غنى تلك القصائد بصوته وبألحانه التي لم تذع حتى الآن·
لقد حوكم ''شمس'' عسكرياً بعد نكسة ،67 وصدر بحقه حكم لكنه غادر البلاد ويقيم حالياً في لندن منذ أكثر من 40 عاماً·· وتفاصيل القضية والحكم ثم مغادرة البلاد هي موضوع شائك آخر·
كل هذه التفاصيل أيضاً ينبغي أن نقفز فوقها لنصل إلى أن شمس بدران هو إنسان مصري عربي الانتماء ويحتفظ بهذا التراث النادر لموسيقار الأجيال وأنه طوال هذه السنوات لم يتعاقد على صفقات تجارية يبيع بمقتضاها هذه الألحان التي لا تقدر بثمن، وهذا التراث وتداوله هو حق مشروع لكل إنسان عربي وليس مصرياً فقط، ولهذا فإن على الأجهزة الرسمية التدخل لاستعادة هذه الكنوز·· وإذا كانت لدى ''شمس'' حقوق مادية أو أدبية لتسجيله واحتفاظه كل هذه السنوات بتلك الألحان فلا بأس من الاتفاق عليها وإن كنت اعتقد أن من يحتفظ بهذه الألحان طوال هذه السنوات ولا يفكر في بيعها لأي محطة فضائية ليست لديه مطالب مادية وإلا كان فعلها بعد رحيل عبد الوهاب مباشرة منذ ستة عشر عاماً!!
هذه الأغنيات لا تقل أهمية عن القطع الأثرية الفرعونية المصرية التي تسعى كل أجهزة الدولة لاستعادتها بين الحين والآخر من الخارج لأن هذا يعتبر واجباً قومياً تجاه هذا الجيل والأجيال القادمة ولا أدري لماذا لم يستشعر أحد بأننا نفرط في جزء من تاريخنا·· إن السيدة نهلة القدسي أرملة محمد عبد الوهاب قالت في أكثر من حوار صحفي أنها أحرقت الرسائل الغرامية المتبادلة بينها وبين محمد عبد الوهاب بحجة أنه لا يجوز أن تطلع الأجيال القادمة على مثل هذه الخطابات لقد أحرقتها كما ذكرت بعد أن غمرتها بماء الكولونيا ثم أشعلت فيها النيران وكأن إحراقها بماء العطر أقل وطأة ووحشية من إحراقها بالبنزين·· إن كل متعلقات كبار الفنانين ينبغي الاحتفاظ بها وخطابات عبد الوهاب مثل ألحانه هي جزء عزيز علينا كان من الممكن أن يكشف عن جوانب عديدة في شخصية عبد الوهاب بمن فيها الموسيقار المبدع لو أنه تم تحليل علمي لهذه الخطابات إلا أننا في كل الأحوال لن نبكي على اللبن المسكوب ولا على الخطابات المحروقة·· ولكن الألحان والأغنيات التي يحتفظ بها شمس بدران هي التي تستحق من الأجهزة الرسمية في مصر بل وكل الدول العربية السعي لاسترجاعها· إن البعض يقول أن عبد الوهاب قد أبدع هذه الألحان وهو واقع تحت سطوة شمس بدران فهي ألحان قدمها عبد الوهاب تحت التهديد ولهذا فإنها متواضعة فنياً ونسى هؤلاء إن رائعة ''أنت عمري'' التي لحنها عبد الوهاب لأم كلثوم تم تلحينها بناء على أوامر مباشرة من الرئيس جمال عبد الناصر إلى عبد الوهاب بضرورة التلحين لأم كلثوم· وعبد الوهاب طوال تاريخه كان حريصاً على أن يقترب من السلطة ولهذا أطلقوا عليه مطرب الملوك والأمراء قبل الثورة وغنى للملك وعندما قامت الثورة غنى لجمال عبد الناصر· ولهذا اعتقد أنه ليس فقط شمس بدران هو الذي سعى لمحمد عبد الوهاب ولكن عبد الوهاب بمجرد أن استمع إلى طرقات شمس على بابه فتح له الباب على مصراعيه وهو سعيد بالاقتراب من السلطة من خلال واحـــــد من أقــــوى رجالهـــا في تلك السنوات·
أتمنى أن تتضافر كل الجهود المصرية والعربية من أجل استعادة تراثنا الغنائي الضائع قبل أن نكتشف أن إسرائيل قد سبقتنا بوسيلة أو بأخرى واستحوذت على هذه الأغنيات ونحن آخر من يعلم وآخر من نسمع وآخر أيضاً من يشعر بفداحة هذه الخسارة!!

طارق الشناوي
tarekelshinnawi@yahoo.com

اقرأ أيضا