الاتحاد

تقارير

إعلام سوري جديد... تجربة تخاطب الفكر

شيري كيتلسون
القاهرة


في الوقت الذي تبث فيه وسائل الإعلام السورية التابعة لسلطة نظام حزب «البعث» الحاكم سلسلة من التقارير عن الثوار والنشطاء المعارضين بوصفهم «إرهابيين» مأجورين من الخارج، متحدثة في هذا الخصوص عما تسميه بالمؤامرات الدولية ضد الرئيس بشار الأسد، تعتمد المعارضة من جانبها على سيل من الأشرطة المصورة ميدانياً والتي تعكس جانباً من الفظائع التي ترتكبها أجهزة النظام، والدمار الذي تسببه القوات الحكومية، وإن اتسم جهدها الدعائي بقصور في وضع الأحداث ضمن سياقها العام.
فمع صعوبة الوصول إلى مصادر الخبر من قبل وسائل الإعلام في أغلب المناطق السورية، وفي ظل غياب تقاليد الصحافة المتوازنة، تصبح التغطية الموضوعية للأحداث في سوريا شبه منعدمة، لذا برز الناشط السوري المقيم في القاهرة ورجل الأعمال، رامي جراح، الراغب في تصويب هذا الخلل، وذلك عبر محاولته إطلاق محطة إذاعية تبث من داخل سوريا، على أن تعتمد مبادئ الصحافة المهنية البعيدة عن التحيز في عملها وفي ما تقدمه من مادة إعلامية، رغبة منه في تزويد السوريين بتقارير صحفية متوازنة ومنصفة، يأمل منها أن تساهم في تبديد حالة الشك والخوف التي سيطرت على السوريين منذ اندلاع الصراع الذي دخل شهره الثاني والعشرين دون أن تبدو له حتى الآن نهاية في الأفق المنظور.
وعن ذلك المشروع الإعلامي الجريء، يقول جراح خلال لقاء أجري معه في مقر جمعية الإعلام الجديد «أنا»، والتي يترأسها شخصياً: «عندما يأتي إلينا الشباب معربين عن رغبتهم في العمل معنا في نقل الأخبار وإعداد التقارير خدمة للحقيقة والوطن، فإننا نقول لهم إن الطريقة الأمثل للقيام بذلك هي التزام الحياد وعدم الانحياز لطرف على حساب الآخر». ثم يوضح جراح رأيه بالقول إن المشكلة الأساسية مع القوات الحكومية التي تحارب الثوار ليس في أنهم مجرمون، كما يحلو للبعض أن يصورهم، بل في كونهم ببساطة لا يعرفون ما يجري في البلاد على وجه الدقة. والأمر نفسه ينطبق على من هم في أقصى المعارضة، وذلك غالباً بسبب تضارب الأخبار والتضليل الكبير الذي يطغى على معظمها.
وفي أثناء ذلك لا يبدو المجتمع الدولي أحسن حالا في فهم ما يحدث على الأرض في سوريا، لأن الصحفيين والمراسلين الإعلاميين، كثيراً ما يجدون أنه من السهل التواصل مع المعارضة وزيارة المناطق التي تسيطر عليها قواتها، ومن هنا تأتي تغطياتهم منحازة لطرف معين (المعارضة) على حساب الطرف الآخر (الحكومة).
وفي هذا السياق يقول جراح: «نحن لا نرى تغطية صحيفة وافية من دمشق أو اللاذقية، حيث ما زال النظام متواجداً بقوة هناك، والحقيقة أن ذلك راجع في جزء منه إلى النظام نفسه، والذي لا يسمح للصحفيين الأجانب بالوصول إلى مناطقه، كما أن هناك اعتقاداً سائداً لدى قوات النظام بأنه يجب ألا تدلي بأحاديث إلى الصحافة لأن ذلك من وجهة نظرهم سيضعف الدولة».
وحتى التغطية التي تخص بها وسائل الإعلام الغربية المعارضةَ وفصائلَها المتعددة، غالباً ما يعوزها التوازن والدقة، فأغلب الصحفيين الغربيين يرافقون فصائل الثوار، بما في ذلك «جبهة النصرة»، وهي تنظيم متطرف صنفته الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة ضمن المنظمات الإرهابية. وعندما يؤكد التقرير الصحفي، يقول جراح، على هيمنة مثل هذه الجماعات على الثورة السورية، فإنه يجافي الصواب، لكن مع ذلك يصر الصحفيون على إبراز هذا الجانب لأنه يرفع مبيعات الصحيفة، أو يزيد مشاهدي القناة.
والناشط السوري رامي جراح الذي يسعى إلى إدخال بعض المهنية على التغطية الصحفية للأحداث الجارية في سوريا، ولد لأبوين سوريين في قبرص ثم انتقل إلى لندن ليكبر فيها، وقد كان يحضّر شهادة في الإعلام بدبي عندما زار وطنه سوريا لأول مرة في عام 2004، حيث ألقي عليه القبض بتهمة التجسس، ثم حظر عليه السفر لثلاث سنوات، ليجد نفسه في بلد يتحدث لغته لكنه لا يستطيع كتابة العربية.
وعندما اندلعت الثورة في عام 2011 شارك فيها من خلال النزول في المظاهرات، حيث تعرض للضرب والاعتقال، ولم يطلق سراحه إلا بعدما اعترف بأنه «إرهابي»، كما طرد من عمله عندما رفض المشاركة في مظاهرة موالية للحكومة، وسرعان ما برز اسمه الحركي، هو «ألكسندر بيج»، باعتباره أحد الناشطين الذين يسربون المعلومات عما يجري في سوريا إلى الصحافة الغربية من خلال مدونته الإلكترونية الخاصة، حيث استطاع بواسطة معرفته الجيدة باللغة الإنجليزية وعلاقاته بالصحافة الأجنبية، الإدلاء بأحاديث كثيرة للصحافة الغربية مشترطاً عليها في الغالب عدم الإفصاح عن هويته الحقيقة. لكن بحلول شهر أكتوبر عام 2011، علم جراح أن النظام تعقب اسمه وكشف هويته، فقرر الهرب مع أسرته إلى مصر، حيث استمر في مناهضة النظام من خلال مساعدة الصحفيين السوريين على إيصال معلوماتهم إلى العالم، لتمنحه في الشهر الماضي جمعية الصحفيين الكنديين للصحافة الحرة جائزة 2012 للصحافة الدولية الحرة، وذلك لعمله في دعم شبكة من الصحفيين المستقلين داخل سوريا.
واليوم يواصل جراح عمله من القاهرة محاولا إطلاق محطته الإذاعية التي يأمل أن تكون مصدراً للصحافة المتوازنة، حيث يرى أنه يمكن حقن إراقة الدماء السورية لو خاطب الإعلام الوعي وملكة الفكر بدلا من مخاطبة هواجس السوريين ومخاوفهم الطائفية والدينية والتوجه لانحيازاتهم الشخصية.
وقد بدأ البث التجريبي للمحطة عبر الإنترنت في انتظار انطلاقها عبر الأقمار الصناعية أواخر الشهر الجاري، على أن يجري البث الرسمي والنهائي في شهر يونيو المقبل من حي بستان القصر بحلب ومن المناطق الشرقية للعاصمة دمشق.
وتعتمد المحطة الإذاعية الجديدة على 16 مراسلا داخل سوريا عملت جمعية الإعلام الجديد في القاهرة التي يشرف عليها جراح على تدريبهم، كما تعتمد على شبكة من المواطنين الصحفيين موزعين في مختلف المناطق السورية للحصول على المعلومات، وسيعمل فريق القاهرة الذي جاء من مدن سورية مختلفة على فحص تلك المعلومات والتحقق منها قبل بثها على الأثير، وعلى الصعيد السياسي دعا الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية المجتمع الدولي إلى تسليم مقعدي سوريا في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة إلى الائتلاف بغية «سحب ما تبقى من شرعية النظام»، مشيراً إلى أنه يعمل على تشكيل «حكومة مؤقتة». وقد جاء طلب الائتلاف في بيان أصدره بعد مشاركته في مؤتمر دعت إليه وزارة الخارجية البريطانية في يومي التاسع والعاشر من شهر يناير الجاري في جنوب بريطانيا، حيث شارك في الاجتماع خبراء وجامعيون متخصصون في كيفية إدارة وتجاوز الأزمات وأعضاء في قيادة الائتلاف السوري المعارض وممثلون لدول عربية وأجنبية.
وجاء في بيان المعارضة أن الائتلاف قدم خلال الاجتماع «مسودة رؤية للمرحلة الانتقالية ترتكز على انتقال منظم تستمر فيه مؤسسات الدولة بالعمل وتسيير الأعمال وينسحب الجيش مباشرة إلى قواعده ويتم نزع السلاح من المدنيين ويتم توجيه التركيز الوطني نحو الوحدة الوطنية وإعادة البناء».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا