الاتحاد

دنيا

الأم العـصبية

بعد أن انتهت العائلة من تناول وجبة العشاء، أسرعت كالعادة لغسل الأطباق وتنظيف المطبخ حيث تنتهي مهماتي وآخذ حمامي اليومي وأخلد للراحة والنوم·
أجفلني صوت السيدة وهي تصرخ وتطارد أحد أولادها، ركض الولد باتجاهي وهو يحاول أن يختبئ خلفي ولكنها أدركته وسحبته من يده ثم صفعته على وجهه صفعة مدوية ثم ركلته وطرحته على الأرض، اعتقدت بأن مكروهاً قد أصابه، لأنه لبث ساكناً للحظات ولكنه نهض كالقرد وركض مسرعاً متفادياً رفساتها· إنها إمرأة قاسية جداً، تضرب أولادها بوحشية غريبة، تعاقبهم بطرق غير اعتيادية، كل عقوبة أغرب من أختها، حتى باتت وجوه الأطفال وأجسادهم كلها معلمة بعلامات قسوة ووحشية هذه الأم، بصراحة·· لا أدري لمَ تتصرف هكذا مع فلذات كبدها·· مع أنها تستطيع السيطرة والتحكم بأعصابها، لأنها تفعل ذلك معي، فهي تعاملني معاملة طيبة ولا تقسو عليّ أبداً· فلماذا تقسو على أطفالها بهذا الشكل الغريب؟ انه فعلاً أمر محير، ربما هي تدرك مدى حاجتها لوجودي، فهي تعمل موظفة وليس لديها الوقت الكافي للعناية بالمنزل ورعاية الأولاد والطبخ، ثم أن مجيئي كلفها مبلغاً كبيراً حسبت له ألف حساب، وقد علمت بأنها لم تحصل عليّ إلا بعد مراجعات كثيرة وانتظار طويل، عموماً فإنني مرتاحة نسبياً مع هذه الأسرة ولن اكترث لما تفعله المرأة بأولادها، فهي في النهاية أمهم وهي أدرى بمصلحتهم·
بعد أن أفلت الولد من قبضتها لحقت به وبقيت تصرخ وتصرخ: أذهبوا إلى غرفتكم·· ناموا وإلا مزقتكم، أريحوني من وجودكم البغيض، أريد أن يهدأ المنزل·· أريد أن ارتاح ولو قليلاً، لعنكم الله ولعن الساعة التي جئتم بها إلى هذه الدنيا·
موال مستمر أسمعه يومياً تردده هذه المرأة وكأنها أبتليت بأولادها وهم نوع من اللعنة في حياتها·
جاءت هذه المرأة هي وزوجها للعمل في هذا البلد منذ تسع سنين، تزوجا عن حب دام طوال فترة دراستهما في كلية الهندسة· العمل الذي يقومان به يتطلب تواجداً يومياً لساعات طويلة من النهار، وهما يعودان مساء منهكان جسدياً ونفسياً· فيجلس هو مسترخياً أمام التلفاز وتبدأ هي بمطاردة صغارها، إنهم ثلاثة صبيان أكبرهم في السابعة والثاني في الخامسة، أما الثالث فهو في الثالثة·
على الرغم من كثرة الضرب التي يتلقاها هؤلاء الصغار إلا أن ذلك يزيد من شقاوتهم وعنادهم، فهم لا يستقرون في مكان واحد وإنما يتحركون ويعبثون ويثيرون الشغب عبر ضربهم المتواصل لبعضهم البعض·
أمسكت الأم بولدها الثاني، أدخلته الحمام لتغسل له يديه ووجهه، حاول التمنع فلطمته لطمة قوية فضرب رأسه بحافة حوض الغسيل· أطلق الولد عويلاً مرعباً وسقط أرضاً ثم أخذ بالتقيؤ· تركته وعادت إلى المطبخ وعلامات الرضى مرسومة على وجهها قالت لي: اذهبي ونظفي الحمام، لقد وسخه ذلك الكلب· أسرعت نحوه فوجدته في أسوأ حال وقد تورم جزء من جبهته بفعل الضربة، وضعت الثلج على المكان المتورم ثم سحبته إلى غرفته محاولة تهدئته لينام فلا تعود أمه لضربه من جديد· أخيراً نام الصغار فأكملت عملي وذهبت لغرفتي وأنا مستغربة لأن سيدتي كانت في غاية الانبساط تتمتع هي وزوجها بمتابعة برامج التلفاز وكأن شيئاً لم يكن·
استيقظت صباحاً على صوت المنبه فأسرعت بإعداد الفطور وبعض الساندويشات التي يأخذها أفراد العائلة، البيض المسلوق للسيدة، البيض المقلي للسيد، ساندويشات الجبن والعصير والشيبس للأولاد· ذهبت لإيقاظ الأولاد، نهض الكبير والصغير أما الأوسط والذي تعرض لتلك الضربة بالأمس فلم يستطع النهوض بسهولة، كان وجهه مصفر وشاحب ولا يستطيع الوقوف على قدميه، ألبسته ثيابه ودفعته دفعاً· تناول فطوره بصعوبة وأركبته الباص وهو في حال سيىء·
بعد خروجهم بدأت عملي اليومي، فالعمل كثير ولا ينتهي خصوصاً وأنني أقوم بكل صغيرة وكبيرة بدون مساعدة من سيدتي· عليّ الاسراع بالتنظيف وإعداد الطعام للأولاد لأنهم يعودون من مدارسهم قبل والديهم فأشرف على طعامهم وأجلس معهم في فترة المذاكرة ولا أسمح لهم بمشاهدة التلفاز إلا بعد الانتهاء من المذاكرة بحسب تعليمات سيدتي· بسرعة حان موعد رجوع الأولاد، عاد اثنان منهم ولم يحضر الثالث، سألتهما عنه فقالا بأنه كان متعباً فاتصلت مديرة المدرسة بوالده فجاء وأخذه إلى المستشفى·
لم يعد الوالدان في موعدهما اليومي وتأخرا حتى منتصف الليل، ترى ماذا حدث لذلك الولد؟
عاد الأب وحيداً فتجرأت وسألته عما حدث فأجابني بأن الولد يرقد في المستشفى نتيجة لسقوطه من السلم وهو في حال خطر·
تساءلت بيني بين نفسي: عن أي سلم يتحدث؟ فالشقة ليس فيها سلالم، وهو يعلم جيداً بأن ولده قد تعرض للإصابة نتيجة ضربه من قبل أمه· أنه أمر غريب· نظر إليّ سيدي نظرة ذات معنى ثم قال: إياك أن تخبري أحداً بأن أمه قد تسببت في إصابته·· هل هذا مفهوم؟ أجبته: نعم مفهوم· في اليوم التالي عادت سيدتي وكانت في وضع سيىء تبكي وتلطم خدودها وتقسم بأنها لن تمد يدها لضرب أطفالها أبداً·· وهي تردد: أنا السبب·· أنا السبب·· الولد فاقد الوعي وهو بين الموت والحياة·· سامحني يا رب·
بعد ثلاثة أيام عمت الفرحة في المنزل بعد أن سمعنا بأن الولد قد استعاد وعيه وأنه بخير ولله الحمد، ولم تمض سوى أيام حتى عادوا به إلى البيت وهو بصحة جيدة·
منذ ذلك اليوم حرمت سيدتي على نفسها ضرب أولادها وصارت تعاملهم بلطف ومحبة فتغير سلوكهم وأصبحوا هادئين مطيعين· انه درس قاس تعلمته سيدتي كي لا تستهين بنعمة الله عليها بوجود هؤلاء الصغار في حياتها·

اقرأ أيضا