الاتحاد

دنيا

محمد بائع الفاكهة·· فاقد الشيء يعطيه أحياناً!

يبيع الفاكهة ولا يشتريها

يبيع الفاكهة ولا يشتريها

يفقأ بالخيط عين الإبرة·· فأحياناً تستطيع الأشياء الواهية أن تنجز شيئاً! يسحب الخيط السميك داخل الإبرة من الأسفل إلى الأعلى كمن يسحب دلوا من بئر· يمسك كيس ''القنب'' من عنقه بعد أن امتلأ جوفه بحبات البصل، يخيط شفتي الكيس بالإبرة الغليظة، يتأكد من أن الإبرة تسللت من مسام القنب وأحكمت وثاق فم الكيس، يكتب رقماً على الكيس، مجرد رقم يضاف إلى عديد الأرقام، ويلقيه بجانب أقرانه الذين سبقوه إلى المخزن·
يصفق كفاً بكف علّ احتكاك الراحتين ببعضيهما ينفض بعض الغبار العالق بالكفين، ويمسحهما بجانبي بنطاله موحياً إليك بحركة عجلى وخجلى أنه إنما ينفض غباراً عن بنطاله ليس إلاّ!
''هادا كيس يودي فرع تاني''، سرعان ما يخبرك قبل أن تسأله عن محتواه أو عن سعر الكيلوجرام، ثم يشير بسبابته إلى رفوف الفاكهة والخضار ليعلمك أنها وصلت للتو من بلدانها· إنه البائع محمد حياة الله، من بنجلاديش، ومثله كثر في سوق الخضار بميناء أبوظبي·
ينهض فجراً مع أعوامه الخمسين من سريره في غرفة سكن مشترك تجمعه بـ ''اتنين نفرات'' - كما يقول- ويقصد موقف الشاحنات في الميناء، بعضها قادمة من بلاد الشام (سورية ولبنان والأردن) وبعضها قادمة من دول الخليج العربي (السعودية وعُمان) فضلاً عن فاكهة وخضروات محلية تصل من مزارع العين، وأصناف أخرى تصل من كل القارات عبر السفن والبواخر، أو بتعبيره هو ''من كل بلاد دنيا''·
منذ نحو ربع قرن، يعمل محمد بائع خضار وفاكهة في أبوظبي، يباشر عمله من الصباح الباكر وحتى وقت متأخر من الليل، يشتري البضائع من التجار وشاحنات النقل، ويعود بها إلى المحل، يضع بعضها في المخزن، ويصف البعض الآخر على الرفوف، يبيع للزبائن ويتعاطى معهم طيلة النهار بين أخذ ورد ومفاصلة، ثم يسلّم المال لرب العمل·
يقسم راتبه ثلاث حصص تقريباً، حصة لأسرته وحصة لسكنه المشترك مع رفاقه، وحصة بالكاد تكفي معيشته هنا، لكنه غير معترض على فقره وضيق ذات اليد، بل كل ما في الأمر أنه يشتاق إلى أولاده وينفطر قلبه لبعده عنهم، ففي بنجلاديش تعيش أسرته (زوجة وأربعة أولاد) الكبيرة ياسمين متزوجة ولديها طفلان لم يكحل عينيه برؤيتهما بعد!
مع البائع محمد يمكننا القول ''فاقد الشيء يعطيه'' فهو يبيع للناس كل أصناف الفاكهة ولا يستطيع شراءها أو تناولها! يقول: أمام عينيه شتى أصناف الفاكهة وألذها مذاقاً، لكن نفسه تعافها ولا يطيب له تناولها، لأن أولاده محرومون منها ولا يكاد أي منهم يعرف مجرد اسم صنف من أصنافها العديدة! لكن لأن ''القناعة كنز لا يفنى'' يسبح بحمد الله، شاكراً النعمة، طالباً دوامها·

اقرأ أيضا